أطلق عليها ابن خلدون اسم “حاضرة المحيط”.

أمام مياه أمواج المحيط الأطلسي تقف واحدة من أجمل المدن الأطلسية شامخةً؛ مدينة السّمك والخزف والشواطئ الطبيعية. مدينة ضاربة في التاريخ العريق الموغل في الحضارات حيث الآثار التاريخية، والعمارة الجميلة والطبيعة الخلابة؛ إنها حاضرة المحيط، مدينة “آسفي” المغربية.

تقع آسفي بين مدينتي الجديدة والصويرة، وترتفع عن سطح البحر أكثر من 500م. تبعد عن الدار البيضاء 200 كم تقريباً، وعن مراكش 160كم. وقد أطلق عليها ابن خلدون اسم “حاضرة المحيط”.

هنا نمرّ بشوارع هذه المدينة وأزقتها الضيقة القديمة، ونركز على شارعين أساسيين فيها.

شارع الرباط… رباطات مهّدت للحجّ

يشكل هذا الشارع القلب النابض للمدينة، وجزءاً من ذاكرتها الضاربة في التاريخ، فزوّار هذه المدينة لابدّ من أن يعبروا هذا الشارع، والأزقة المتفرعة عنه، ليشمّوا عبق التاريخ، ويكتشفوا مجموعة من المعالم الهندسية التي تؤرخ لحقبة من تاريخ الوجود البرتغالي بالمدينة. في شارع الرباط، تجدون كلّ ما تبحثون عنه من عطارين ومبدعين وصنّاع ودكاكين التجار اليهود.

اختار الروائي المغربي، نور الدين وحيد، أحد ابناء مدينة آسفي، لروايته عنوان “شارع الرباط”، لما في ذلك من رمزية لذاكرة مكان، وقال عن هذا الشارع: “ياذارعاً شارع الرباط تمهّل/ وإن كنتَ راكباً فترجّلْ”.

سمّي هذا الشارع بـ”الرباط”، لتواجد رباط الشيخ زمانه، أبي محمد صالح، الذي كان من أكبر دعاة الإسلام بشمال إفريقيا، ويرجع إليه الفضل في اعتناق سكّان آسفي الإسلام، و الذي عمل على إحياء فريضة الحجّ بعدما يسّر على الحجيج الوصول إلى مكة بأمان، بواسطة عدة رباطات على طول الطريق، ما مكن من إقبال النّاس على الحجّ حتى أصبح له ركب منتظم ينسب إليه ويسمى بـ”الرّكب الصالحي”.

بالجانب الشمالي لشارع الرباط، تمّ تشييد معلمة “قصر البحر”، التي تعدّ من أبرز وحدات الفنّ المعماري البرتغالي الذي يتميز بالطابع العسكري للمراقبة والدفاع. شيدّت من طرف البرتغاليين عام 1507م

يقول أنس العوفي، أحد أبناء الأزقة المجاورة لشارع الرباط، لرصيف22: “هذا الشارع من أكثر شوارع المدينة التي تعجّ بالزوّار والمتاجر والمحلات، وتتفرّع عن شارع الرباط. ويذكر العوفي منها: “درب الكرعة”، و”درب الخواجة”، و”درب حمام بن حسن”، و”درب بن داوود”، و”درب البوسوني”، “درب مرشيش”، و”درب البير”، و”درب دار الجوج”، و”زنقة المراكشي”، و”زنقة سيدي الشهري”، و”زنقة الحاج التهامي الوزاني”، و”الدريبة المزوقة”، و”درب الفقيه الدراوي”، و”درب الفكرون”، و”درب الفقيه الكانوني”.

وبالنسبة للمعالم المتواجدة بالشارع يشير أنس العوفي إلى وجود عدّة أسواق مثل سوق “مورسيانو”، و”سوق الزموري”، و”سوق محمد بن الجيلالي”. كما يوجد بالشارع أقدم فرن عصري للخبز والحلويات، وهو فرن فرنسي يطلق عليه اسم “ماهي”.

توجد بهذا الشارع أيضاّ، خيرية لليهود، كانت تمدّ فقراء يهود المدينة بمساعدات غذائية وملابس وحتى بالمال، بالإضافة إلى كنيس يهودي، كان واحداً من أشهر محالّ البيع لليهود بالمدينة.

بالجانب الشمالي لشارع الرباط، تمّ تشييد معلمة “قصر البحر“، التي تعدّ من أبرز وحدات الفنّ المعماري البرتغالي الذي يتميز بالطابع العسكري للمراقبة والدفاع. شيدّت من طرف البرتغاليين عام 1507م، ولعبت وقتها دوراً كبيراً في تخزين السّلاح. ومازال هناك مدافع نحاسية من صنع هولندي  لحدّ الآن، تعود إلى القرن السابع عشر، وتحمل اسم السلطان “مولاي زيدان”.

يبقى شارع الرباط ودرب اليهود، مكانين يرويان قصصاً وحكايات متعلقة بخصوصية الإنسان الآسفي وتراثه، ومعتقداته الدينية وتفاعله مع المحيط البيئي و الاجتماعي

تجعل معلمة “قصر البحر” الزوّار وسكان المدينة، يقفون على مشهد بانوراميّ، مستمتعين بالتواري الوجل لأشعة الشمس خلف أمواج المحيط.

درب ليهود

ينسب هذا الدرب، إلى الطائفة اليهودية التي كانت تسكنه وتعمره بكثافة كبيرة وتمارس فيه عدداً من أنشطتها، وتبعاً لذلك سمّي بـ”درب أهل الذمة الفوقان”، تمييزاً له عن “درب الديوان” أو “درب الديوانة” التي عرف بـ”درب أهل الذمة التحتاني”.

ومن أهمّ العائلات اليهودية التي اتخذت من الدرب موطناً لها هي: “يشوعا”، و”صديقيم”، و”خنافو”، و”ابن سبات”، و”شمعوني”، و”حرار”، و”كوهن”.

يوجد في الدرب بقايا دكاكين تشهد على ما كان ينتشر به من متاجر ومحترفات للخياطة والصياغة وصناعة الأفرشة وغيرها، حيث كان سكّان آسفي والبوادي يتعاملون مع أصحابها وحرفييها من اليهود، للتبضّع وطلب بعض الخدمات. كما كان يوجد به فرن عرف بـ”فران مسعود”، نسبة إلى اسم مالكه، ثمّ حمام خاصّ باليهود، ومحل لبيع الخمور، كان في مِلك يهودي يدعى “جريني”. كما كانت توجد به أربع بيع للصلاة والعبادة من مجموع سبعة عشر بيعة، كانت تنتشر بدروب متعددة من المدينة.

وتبقى مدينة آسفي القلعة المحصنة وثغرة من ثغور المغرب المعمور، و تلك المدينة التي وطأتها قوائم فرس عقبة بن نافع الفهري، حينما حلّ بالمغرب فاتحاً.

ويبقى شارع الرباط ودرب اليهود، مكانين يرويان قصصاً وحكايات متعلقة بخصوصية الإنسان الآسفي وتراثه، ومعتقداته الدينية وقناعاته الفكرية والثقافية وتفاعله مع المحيط البيئي و الاجتماعي.