هكذا تنتهجُ الصّين “دبلوماسية فخ الدّيون” للسّيطرة على دول العالم‬

تحوّل طموحُ الصّين إلى قيادة العالم وبسطِ نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي على النّظام الدّولي الحالي إلى واقعٍ ملموسٍ يفرزُ مقاربات جديدة للتّعاطي مع هذا التّحول في موازين القوى العالمية، إذ أصبحت “بكين” بمبادرتها “الحزم والطّريق”، التي أطلقتها سنة 2013، قوّة منافسة للولايات المتّحدة الأمريكية.

من هذا المنطلق، تؤكّد ورقة بحثية أعدّتها إيمان فخري – باحثة دكتوراه بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة، لصالح مركز المستقبل للأبحاث والدّراسات المتقدمة، أنّ “فكرة قيادة الصّين للعالم ترسّخت في دوائر صنع السياسة الغربية، لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ففي دجنبر 2018 صرح مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك “جون بولتون” بأن مبادرة “الحزام والطريق” تهدف إلى تعزيز الهيمنة الصينية العالمية.

كما أشار وزير الخارجية الأمريكي السابق “ريكس تيلرسون”، في أكتوبر 2017، إلى أن القروض الصينية لتمويل مشروعات البنية التحتية تُعد نموذجًا لما أطلق عليه “الاقتصاد المفترس”، وأن هذه القروض تم تصميمها لتؤدي في نهاية الأمر إلى تخلف الدولة المقترضة عن تسديد القروض إلى الجانب الصيني.

وتبرز الورقة البحثية ذاتها أنّ “الصين تنتهج “دبلوماسية فخ الديون”، بمعنى أنها تقدم عديدًا من التسهيلات للبلدان النامية والفقيرة للحصول على قروض لتنفيذ مشروعات البنية التحتية؛ إذ عندما تواجه صعوبات مالية لتسديد القروض، يمكن لبكين الاستيلاء على الأصول الخاصة بالمشروع، وبالتالي توسيع رقعة نفوذها الإستراتيجي أو العسكري.

ووفقاً لما نقله التقرير الذي أصدرته مؤسسة تشاتام هاوس، في غشت 2020، فإنّ “الافتراض بأن الصين تنتهج دبلوماسية فخ الديون هو افتراض غير صحيح”. وفي ضوء السعي إلى إثبات هذه الفرضية، يقدم التقرير عرضًا للدوافع الاقتصادية وراء طرح بكين مبادرة “الحزام والطريق”، وكذلك التعرف على أهم الديناميكيات التي تحكم إدارة المبادرة.

الدوافع الاقتصادية لمبادرة “الحزام والطريق”:

شهد الاقتصاد الصيني انخفاضًا في متوسط معدل النمو الاقتصادي السنوي من 10% خلال العقد الأول من الألفية الثالثة إلى أقل من 7% منذ عام 2015؛ ما كان يعني ضرورة قيام بكين بمراجعة نهجها الاقتصادي القائم على التصدير والاستثمار في البنية التحتية، وذلك لمحاولة حل المشاكل الهيكلية التي يعاني منها اقتصادها. وحيث إن الحزب الشيوعي الصيني يستمد شرعيته بشكل رئيسي من النمو الاقتصادي المضطرد، كان التباطؤ الاقتصادي يمثل أزمة وجودية له.

وفي هذا السياق، بدأت القيادة الصينية بتطبيق التوجه نحو إيجاد حل خارجي لعلاج المشاكل الاقتصادية الداخلية، وذلك من خلال إطلاق مبادرة “الحزام والطريق” التي تهدف إلى تحفيز الطلب الخارجي على السلع والخدمات ورؤوس الأموال الصينية، ما سيعمل على إنعاش وتحفيز الاقتصاد الصيني.

ويؤكد التقرير أن الوثائق الرسمية تُظهر أن الحكومات الإقليمية في الصين في بعض الأحيان استخدمت التمويلات المخصصة لمبادرة “الحزام والطريق” من أجل إنقاذ الشركات المحلية المملوكة للدولة.

ديناميكيات إدارة المبادرة:

يتوقّف التّقرير، الذي أعدّه كل من لي جونز وشهار هاميري ونقله لصالح مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة الدّكتورة إيمان فخري، عند استعراض عنصرين هامين لتحديد ديناميكيات إدارة هذه المبادرة، وهما:

1- نظام المساعدات الإنمائية الصينية: فخلال الفترة من الخمسينيات إلى السبعينيات من القرن الماضي تم توجيه المساعدات الصينية لخدمة أغراض إستراتيجية، وتقديم الدعم المالي للحكومات الحليفة. ولكن منذ الثمانينيات، خضع نظام المساعدات الإنمائية الصينية إلى إعادة هيكلة جذرية، فأصبح الهدف الرئيسي من مساعدات التنمية هو دعم التنمية الاقتصادية للصين.

وهذا يسلط الضوء على حقيقتين؛ الأولى أن الهدف من مبادرة “الحزام والطريق” هو تعزيز النمو الاقتصادي، أما الحقيقة الثانية فهي أن الشركات الصينية المملوكة للدولة هي شركات شبه مستقلة وليست مجرد أدوات في يد القيادة الصينية؛ فرغم أن الأخيرة تستطيع توجيه إحدى الشركات لتنفيذ مشروع ما، إلا أن الدافع الأكبر للشركات الصينية هو سعيها نحو الربح.

فالشركات الصينية عندما تنفذ مشروعات في الخارج تسعى في الغالب إلى توسيع أنشطتها وتأمين تدفقات الإيرادات في المستقبل. ولكن يذكر التقرير أنه بسبب قلة خبرة الشركات الصينية في الأسواق الدولية فقد يؤثر ذلك على مسار تنفيذ المشروعات بالسلب.

2- الدول المتلقّية للمساعدات التنموية الصينية: لطالما أكد الجانب الصيني على تميز المساعدات التي يقدمها مقارنة بالمساعدات المقدمة من المانحين التقليديين، وذلك بسبب أن عملية الحصول على المساعدات التنموية الصينية لا بد أن تبدأ بقيام الدولة الأجنبية بتقديم طلب رسمي للسفارة الصينية يتضمن رغبتها في الحصول على تمويل صيني لتنفيذ مشروع ما.

فالصين لا تنفذ مشروعاتها في إطار مبادرة “الحزام والطريق” بشكل أحادي الجانب، بل تعمل على تعزيز التعاون الثنائي مع الدول الأعضاء في المبادرة؛ وكذلك تسعى إلى دمج المصالح الصينية مع الإستراتيجيات والأولويات التنموية للدول المتلقية للمساعدات الصينية. ولهذا يؤكد التقرير أن إدارة الصين للتعاون الثنائي مع حوالي 130 دولة في إطار مبادرة “الحزام والطريق” هي عملية معقدة ومتشعبة، وسيكون من الصعب أن تتمكن البلاد من إملاء رغباتها على كل هذه الدول لتنفيذ المشروعات التي تريدها لتوسيع نفوذها الإستراتيجي.

ويشير التقرير إلى أن الصين ملأت الفراغ الذي خلّفته الدول المتقدمة ومؤسسات التمويل الدولية التي باتت تركز بشكل أكبر على برامج الحوكمة الجيدة، وتغافلت -ولو جزئيًّا- عن أهمية مشروعات البنية التحتية التي قدر البنك الدولي أن العالم بحلول عام 2040 سيحتاج تنفيذ مشروعات بنية تحتية بمبلغ 18 تريليون دولار.

أزمة ميناء هامبانتوتا في سريلانكا:

يوضح التقرير أن الحديث عن دبلوماسية فخ الديون التي تتبعها الصين قد تزامن مع ما أثير حول إمكانية استيلائها على ميناء هامبانتوتا على الساحل الجنوبي لسريلانكا. فيرى بعض المحللين أن الصين منحت سريلانكا قرضًا لبناء هذا الميناء، وكانت تعرف أنها سوف تتعثر في سداد القرض، ما يخول لها الاستيلاء على الميناء والسماح باستخدامه من قبل البحرية الصينية، وذلك مقابل تخفيف ديون سريلانكا.

وأشار التقرير إلى أن بعض المحللين الهنود يرون أن مبادرة “الحزام والطريق” ما هي إلا آلية صينية لتعزيز نفوذها البحري في جنوب آسيا، وأن الاستيلاء على ميناء هامبانتوتا ما هو إلا جزء من الإستراتيجية الصينية في هذا الشأن.

ولكن التقرير يتبنى وجهة نظر مخالفة لذلك، إذ يشير إلى أن أزمة ميناء هامبانتوتا لا تعد دليلًا على استخدام الصين للتمويلات المقدمة في إطار مبادرة “الحزام والطريق” لإغراق الدول في الديون والاستحواذ على ممتلكاتها. ويسرد التقرير بعض المؤشرات التي تدعم هذا الطرح، وهي كالتالي:

1- لم تقترح الصين على الحكومة السريلانكية تنفيذ هذا المشروع، بل إن فكرة إنشاء هذا الميناء تضرب بجذورها في سريلانكا منذ السبعينيات عندما اقترح العضو البرلماني “د. أ. راجاباكسا” إنشاء هذا الميناء. وعام 2001، قام أحد أبناء هذا البرلماني “ماهيندا راجاباكسا”، الذي كان وزيرًا مسؤولا عن الموانئ آنذاك، بطلب إجراء دراسة جدوى للمشروع، اعتبرت الموقع المقترح لتشييد الميناء غير مناسب.

2- التنافس بين الشركات الصينية المملوكة للدولة: تنافست شركتا CHEG وSinohydro الصينيتان على نيل عقد تنفيذ هذا الميناء، وكلاهما قامت بالضغط على أشقاء الرئيس السريلانكي لكي يقوم بتزكية إحدى الشركتين. وفي نهاية الأمر تقاسمت الشركتان عقد تنفيذ المشروع. وهذا التنافس بين الشركات الصينية يؤكد عدم وجود تنسيق إستراتيجي صيني لتحقيق أهداف بعيدة المدى من خلال الشركات الصينية.

3- دوافع سريلانكا السياسية والاقتصادية لتنفيذ المشروع.. إذ تعاني البلاد من فجوة خطيرة في تمويل مشروعات البنية التحتية، قُدرت بنحو 36 مليار دولار عام 2014. وغطت الاستثمارات الصينية المتعهد بها بعد عام 2006 ثلث هذه الفجوة.

4- القروض الصينية لم تتسبب في أزمة الديون السريلانكية.. فمنذ عام 2016 عانت سريلانكا من أزمة ديون طاحنة، إذ ازدادت الديون الحكومية بنسبة 52% خلال الفترة 2009-2016. وانخفضت قيمة الروبية السريلانكية مقابل الدولار بنسبة 36%، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف سداد القروض، إذ مثلت القروض الأجنبية 61% من إجمالي عجز الموازنة في سريلانكا.

التعاون بين ماليزيا والصين:

أكد بعض المحللين أن الصين تعمل على فرض تنفيذ مشروعات معينة على ماليزيا في إطار مبادرة “الحزام والطريق”، وذلك لكي تقع الأخيرة في فخ الديون، وتستحوذ الصين على أصولها الإستراتيجية؛ إلا أن التقرير يتبنى وجهة نظر أخرى تفيد بخطأ هذا التحليل في الحالة الماليزية، للأسباب التالية:

1- الطبيعة غير الإستراتيجية لغالبية المشروعات الصينية في ماليزيا: فالمشروعات التي يتم تنفيذها بتمويلات حكومية صينية في ماليزيا ليست مشروعات حيوية، فمعظمها في قطاعات مثل العقارات والترفيه والصناعة؛ في حين أن مشروعات البنية التحتية، مثل تطوير الموانئ والسكك الحديدية، يتم تمويلها بقروض تجارية من قبل الصين وماليزيا بشكل مشترك.

2- تعطش ماليزيا للمشروعات الصينية: فقد استغل حزب UMNO -أثناء حكمه لماليزيا- الاستثمارات الصينية في المساعدة على تحقيق النمو الاقتصادي الذي يعد المصدر الأهم لشرعية الحزب واستمراره في الحكم، وكذلك العمل على خلق وتقوية طبقة من رجال الأعمال الماليزيين من عرقية المالاي