مشروع قانون مالية 2021 .. ضبابية حكومية في مواجهة الأزمة

حسن برهون

تطرق محمد حركات، أستاذ المالية العامة والاقتصاد السياسي والحكامة بجامعة محمد الخامس في الرباط، إلى عشر خلاصات جوهرية استشفها من مضامين الأولويات والتوجيهات التي نصت الرسالة التوجيهية لرئيس الحكومة على التقيد بها في إعداد مشروع ميزانية 2021.

وتشير إحدى الخلاصات، التي خطها حركات في مقالة تحت عنوان “ضبابية وهشاشة مشروع قانون مالية 2021 في مواجهة الأزمة والعيش بكرامة”، إلى “عدم واقعية وموضوعية الرسالة التوجيهية عند الإقرار بأن الحكومة تمكنت من (التحكم في الوضع الصحي ودعم المقاولة وتجهيز المستشفيات). فالوقائع والتطورات الأخيرة في انتشار الوباء تدحض هذا الادعاء”.

وإليكم المقالة:

بتاريخ 12 غشت 2020 صدر منشور رئيس الحكومة رقم 12/2020 حول إعداد مشروع قانون المالية لعام 2021 الموجه إلى الوزراء والوزراء المنتدبين والمندوبين السامين والمندوب العام من أجل موافاة مديرية الميزانية باقتراحاتهم الميزانياتية في أجل لا يتعدى 31 غشت 2020.

ويتزامن إعداد هذا المشروع مع سياق وظرفية دولية استثنائية تتسم بهول انتشار وباء جائحة كوفيد-19 وبانعكاساتها الكارثية، الاقتصادية والاجتماعية، المهولة، الصعبة وغير المسبوقة التي كانت لها آثار سلبية وخيمة على البلاد، لا سيما تزامنها مع الجفاف الذي عرفته هذه السنة الفلاحية؛ الشيء الذي عرى، رغم المجهودات المبذولة، على واقع مخيف ضمن المنظومة الإنتاجية والاجتماعية الهشة التي تتميز بحوالي 70% من الأسر المغربية التي تشتغل في القطاع غير المهيكل، أو في المقاولات الصغرى جدا والصغرى والمتوسطة، فضلا عن عجز القطاع الصحي والتعليم والرعاية الاجتماعية عن الاستجابة لانتظارات المواطنين في عز الأزمة. في هذا السياق المضطرب يستند مشروع قانون المالية إلى ثلاث أولويات هي:

– تنزيل خطة إنعاش الاقتصاد الوطني.

– الشروع في تعميم التغطية الاجتماعية.

– التأسيس لمثالية الدولة وعقلنة تدبيرها.

ومن خلال الوقوف على مضامين هذه الأولويات والتوجيهات التي نصت الرسالة التوجيهية لرئيس الحكومة على التقيد بها في إعداد مشروع ميزانية 2021، نسجل بناء على فرضيات الاقتصاد السياسي للحكامة والنزاهة ومتطلبات السيادة والعيش بكرامة عند المواطنين، خلال وما بعد كورونا، كما هو متداول دوليا في أدبيات هذه الأزمة، الخلاصات العشر الجوهرية الآتية:

1. تأكيد واعتراف الحكومة بعدم توافر وضوح الرؤية عندها في المنشور للسيطرة على الأزمة طالما أن هناك غياب مخطط تنموي في الأجل المتوسط والبعيد من أجل التحكم في ظرفية والأزمة الهيكلية التي يتميز بها الاقتصاد الوطني من خلال طرح الأسئلة الكبرى للتنمية في البلاد (اقتصاد ومجتمع المعرفة، التقدم العلمي وامتلاك التكنولوجيا، القضاء على الأمية، التعلم عن بعد، تامين الخدمات السيادية العامة).

والكل اليوم يقر بمدى الحاجة إلى العودة إلى العمل بالتخطيط الاستراتيجي، وعليه يبدو أنه خلافا لذلك، فالحكومة، كما جاء ذلك في المنشور، ستستمر دائما بالعمل بمقاربة الاستراتيجيات القطاعية وإطلاق جيل جديد من المخططات القطاعية الكبرى التي تقوم على التكامل والانسجام، اعترافا ضمنيا منها بضعف أو غياب الالتقائية بينها. وهذا الاقتراح بشأن الزام التخطيط يبدو عمليا في تنزيل وتعميم التغطية الاجتماعية الشاملة التي ستتم بشكل تدريجي خلال الخمس سنوات القادمة (التغطية الصحية الإجبارية، التعويضات العائلية، التقاعد، التعويض عن فقدان الشغل)، انطلاقا من عام 2021.

2. طموح المنشور غير المبرر وغير الواقعي في تحقيق نمو اقتصادي في حدود 5,4 % مقابل -5% عام 2020 أخذا بعين الاعتبار فرضيات سعر غاز البوتان بمعدل 350 دولارا للطن، ومحصول زراعي متوسط في حدود 70 مليون قنطار، بدون تحديده لعجز الميزانية المتوقع رغم تشديده على التأثر البالغ للتوازنات الماكرو-اقتصادية وارتفاع عجز الميزانية والحساب الجاري لميزان الأداءات. والكل يعرف أن عجز الميزان التجاري صبح بنيويا منذ عدة سنوات وقبل أزمة الجائحة.

3. هيمنة هاجس التوازن المالي والتقشف على حساب التوازن الاجتماعي الشامل، حيث نلمس تناقض المنشور عندما يحدد ثلاث أولويات عامة وسرعان ما يتخلى عنها مشددا أساسا على “ميزانية استهلاكية” في وضع التوجهات التي ينبغي التقيد بها في إعداد المقترحات برسم ميزانية 2021، سواء فيما يتعلق بحصر الطلبات في الاحتياجات الدنيا بشأن الخدمات المقدمة للمواطنين واستعمال الطاقات المتجددة في مجال الماء والفلاحة والصناعة، أو تقليص إعانات الاستثمار بالنسبة للمؤسسات العمومية، أو غلبة التسويف في المنشور، لا سيما فيما يتعلق بالرعاية الاجتماعية.

ونلمس اتجاها واضحا في التأجيل من أجل ربح الوقت، حتى يأتي الذي لا يأتي (فتح الحوار مع المهنيين، ملاءمة الإطار القانوني، البرنامج الزمني، تعميم التأمين الإجباري على المرض، اتخاذ التدابير القبلية المواكبة. على سبيل الايضاح، وردت عبارات وأفعال التسويف في المنشور حوالي عشرين مرة مفادها: سنكون… ستعمل الحكومة، سنواصل، ستولي، سيتم، ستحرص، ستستمر، ستمكن، فضلا عن ينبغيات).

4. ضعف الاقتصاد السياسي والمذهبي العلمي والعملي في مجال مكافحة الأزمة من خلال تعبئة المواطنين وكل الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين عبر بلورة حلول إبداعية جديدة قوامها الثقة في مواجهة الوباء واستئناف الأنشطة الاقتصادية وضمان الخدمات الإنسانية العامة. بل خلافا لذلك، تعتبر الرسالة التوجيهية غير صادقة عندما تقر بأن الحكومة تمكنت “من التحكم في الوضع الصحي ومن دعم صمود المقاولة وتجهيز المستشفيات”، غير أن الواقع لا يزكي هذا الادعاء؛ ففي الأيام الأخيرة ما بعد عيد الأضحى (أو ما أصبح يسمى عند الرأي العام الوطني بليلة الهروب الأكبر وما نتج عنه من سلبيات عديدة)، استفحلت حالة انتشار الوباء وظهر ضعف تنظيمي واستراتيجي بارز للعيان في الانفلات في التدابير المتخذة وتضارب القرارات.

5. عدم واقعية وموضوعية الرسالة التوجيهية عند الاقرار بأن الحكومة تمكنت من “التحكم في الوضع الصحي ودعم المقاولة وتجهيز المستشفيات”؛ فالوقائع والتطورات الأخيرة في انتشار الوباء تدحض هذا الادعاء، خاصة مع تنامي نسبة الإصابة والإماتة وغياب استراتيجية حكومية مندمجة وكاملة في التدبير والتعامل مع الوباء. وهناك شكوك بدأت تنتشر في مدى القدرة على محاصرة الوباء في عدة مدن مثل البيضاء وطنجة وبني ملال، لا سيما مع إيفاد لجنة وزارية إلى مراكش قصد الاطلاع بعدما استفحلت الأوضاع الصحية هناك بفعل تراكمات كساد المستشفيات والتجهيزات الطبية.

6. تناقض مشاريع الحماية الاجتماعية مع الممارسة العملية للمؤسسات. والمثال على ذلك إصدار الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي مذكرة داخلية رقم 23/2020 بتاريخ 12 غشت 2020، يوم إصدار الرسالة التوجيهية لرئيس الحكومة، تقضي (المذكرة) بعدم تعويض وتحمل النفقات والعلاجات المتعلقة بجائحة فيروس كورونا بدعوى “القوة القاهرة”. وهذا شأن لا يستند إلى أساس قانوني ويتناقض مع مشروع التغطية الاجتماعية التي جعلها من الأولويات.

7. هيمنة المنطق الاستهلاكي في الميزانية على حساب مبادئ الأهداف والنتائج والنجاعة. ويظهر ذلك جليا من خلال تنصيص المشروع على إعادة انتشار المناصب المالية لتغطية العجز على المستوى المجالي والقطاعي، وتقليص نفقات الدراسات (المهيمنة في الإدارات عبر الالتجاء إلى بيوت خارجية مكلفة بدون طائل ملموس) والمناداة باللجوء إلى استغلال الخبرات والأطر الادارية، وتقليص نفقات النقل والتنقل ونفقات الاستقبال والفندقة وتنظيم الحفلات والمؤتمرات والندوات، والامتناع عن برمجة نفقات اقتناء وكراء السيارات وكراء وتهييئ المقرات الإدارية وتأثيثها أو تقليص هاته النفقات وربطها بضرورة المصلحة… لذلك تظل مقاربات فضفاضة وغير دقيقة، وبالتالي لن ترضى عليها الإدارات والمؤسسات… في الرسالة التوجيهية… وستعمل في عز الوباء وزمن التقشف على تحريف مضمونها بما يخدم مصالحها الضيقة… متى استطاعت إلى ذلك سبيلا.

8. غياب معطيات في إعداد مشروع الميزانية، مثال تقرير وزير المالية بشأن مدى تقدم تنفيذ قانون المالية 2020 قبل 15 يوليوز، كما هو منصوص عليه في القانون التنظيمي للمالية والتقارير الأخرى حول الميزانية الثلاثية أو متعددة السنوات ونجاعة الأداء أو إشهاد المجلس الأعلى للحسابات حول سلامة الحسابات ابتداء من سنة 2020.

9. ضعف البرلمان في تقييم السياسات العمومية من خلال مراقبة الميزانية ومتابعة تدبيرها ونجاعة أدائها وهو يعيش إشكالية مشروعية عندما قام رؤساؤه في عز تقديم مشروع عام 2021 بتعيين الموالين لهم في مناصب لا تستند إلى مبادئ الشفافية والحكامة، ومنهم من طالب باستقالتهم اعتبارا لمخالفتهم للدستور.

كما يلاحظ هيمنة الجهاز التنفيذي في إعداد البرمجة الثلاثية 2019-2021 وتصور مؤشرات النجاعة في غياب إشراك فعلي للبرلمان والمجتمع المدني. فضلا عن عدم استثمار تقارير مؤسسات الحكامة التي أصبحت موضع شك عند الرأي العام واستفزاز للمواطنين بحكم تناسل عددها وغياب الالتقائية في أعمالها وعدم الشفافية في ولوجها، زيادة على كلفتها العالية في ميزانية الدولة في عز الأزمة وما تفرضه من كياسة في المال العام وتقشف وتضامن.

10. إعطاء الأولوية للتأسيس لمثالية الدولة وعقلنة تدبيرها ضمن إعداد مشروع الميزانية يعد اعترافا صريحا للمنشور في غياب ضرب الدولة وتدبيرها المثال الذي ينبغي أن يقتدى به الجميع. كما أن عدم تحديد مضامين التضامن الذي تريد الحكومة تكريسه من أجل رفع التحديات الكبرى لمواجهة الأزمة والخصاص يبدو مفهوما فضفاضا بدون محتوى عملي مادامت المنظومة الإدارية والمالية تتميز بالتفاوت الفادح في الأجور وهيمنة اقتصاد الريع والاغتناء غير المشروع وعدم عدالة المنظومة الجبائية وتفريخ هيئات جديدة للحكامة بناء على علاقات الزبونية والحزبية بدون دراسات أولية للأثر على المواطنين والاستناد إلى الكفاءة ومساواة المواطنين في الحركية الاجتماعية وتقلد المسؤوليات، فضلا عن تقديم التكوين المهني، على أهميته، على تشجيع البحث العلمي وتثمين العلم والعلماء والكفاءات المتنوعة في زمن الوباء.

ومما لاشك فيه أن التضامن الوطني الحقيقي لن يستقيم أبدا إلا عبر اتخاذ قرارات جريئة وشجاعة، وطرح أسئلة كبرى والإجابة عنها من طرف الحكومة والبرلمان، على السواء، لتحظى مؤسسات الدولة بالاحترام اللازم من طرف المواطنين جميعا، مثل الغاء العلاوات العليا في زمن الوباء وعلاوات انتهاء الخدمة وتقاعد الوزراء والبرلمانيين، وترشيد هيئات الحكامة ونزاهتها (هي نفسها)، والمواجهة الفعالة لجشع المدارس الخاصة المتوحشة في استغلال جيوب المغاربة بسبب كساد التعليم العمومي، ثم التنازل عن جزء من الرواتب والتعويضات العليا الممنوحة لهم على غرار مسؤولي المؤسسات العمومية وأجهزة وأعضاء الحكامة، مما يتناسب مع القدرات الشرائية للمواطنين والحد الادنى للأجور، الشيء الذي من شأنه توفير الخدمات الأساسية التي تصون كرامتهم في عز الوباء ليعطوا المثال (المسؤولين) لباقي موظفي الدولة والقطاع الخاص والمواطنين كافة في المساهمة في ثقافة التطوع وروح التضامن الوطني الحقيقي. والباقي تفاصيل.