الأوروعربية للصحافة

الفصل 12 من الدستور : تؤسس الجمعيات وتمارس أنشطتها بحرية

مصطفى بن يعيش في حوار مع د . محمد البكوري

 

 

يبرز حق تأسيس الجمعيات، من جهة كحق دستوري يمكن بلادنا وبشكل سلمي وتدريجي من توفير سبل التطور الديمقراطي ،إذ تنص الفقرة الأولى من الفصل 12 من الدستور الحالي على أنه ” تؤسس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وتمارس أنشطتها بحرية في نطاق احترام الدستور و القانون “، كما يكرس الفصل 29 من هذا الدستور حرية تأسيس الجمعيات – بالإضافة إلى حريات الاجتماع والتجمهر و التظاهر السلمي والانتماء النقابي والسياسي – كحرية مضمونة يؤطرها القانون ويحدد شروط ممارستها، ليضفي بذلك قيمة مضافة على دستور 1996، الذي شكل بدوره أهمية لايستهان بها في ترسيخ حريات التعبير وتأسيس الجمعيات من جهة أخرى، يتبلور حق تأسيس الجمعيات كحق جوهري لتفعيل دينامية الحركة الجمعوية كما وكيفا، إلى حد جعل هذه الحركة تفرض نفسها كمخاطب مدني يتسم  بالكفاية والنجاعة، وذلك بالرغم من المثبطات والعقبات التي قد تساهم بطريقة أو بأخرى في خلق ما يمكن أن نطلق عليه ” انتكاسة التأسيس” سواء على مستوى النص أو الممارسة ،التقييدات التشريعية للمسارات القانونية والتدخلات التعسفية والموسومة بالشطط في استعمال السلطة أو بعبارة أوضح ” تعسف التنفيذي والتشريعي” ،والذي لايمكن تجاوزه أو الحد منه أو على أقل تقدير التخفيف منه عبر كبح جماحه إلا من خلال ” المسار القضائي “.

إن هذه الإشكاليات المرتبطة ” بمثلث التدخل” من طرف السلط الثلاث السابقة، تتأرجح بين القانوني والمالي والجزائي …وتفرض نوعا من ” التوازن الواجب” بين هذه السلط ،على هذا الصعيد المرتبط بحرية تأسيس الجمعيات، وذلك كله من أجل ضمان ممارسة جمعوية ” لائقة ” بدولة الحق والقانون وتنزيل سليم لدسترة هذه الحرية وبلورة اواليات شرعيتها ،وعلى رأسها الاواليات المرتبطة بالنظام ” التصريحي ” وما يتعلق به من إشكاليات ذات صلة ب ” وصل الإيداع “.

  هكذا  نجد أن تأسيس الجمعيات يخضع لشروط خاصة، نص عليها الفصل الخامس من ظهير 15 نونبر 1958 والمعدل بموجب القانون رقم 75.00 ل 23 يوليوز 2002. حيث تؤكد الفقرة الأولى من هذا الفصل على مايلي ” يجب أن تقدم كل جمعية تصريحا إلى مقر السلطة الإدارية المحلية الكائن به مقر الجمعية مباشرة أو بواسطة عون قضائي يسلم عنه وصل مؤقت مختوم ومؤرخ في الحال ،وتوجه السلطة المحلية المذكورة إلى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية نسخة من التصريح المذكور ونسخا من الوثائق المرفقة به المشار إليها في الفقرة الثالثة بعده، وذلك قصد تمكينها من إبداء رأيها في الطلب عند الاقتضاء” ولتضيف الفقرة الثانية من الفصل 5 على أنه ” عند استيفاء التصريح للأجالالمنصوص عليها في الفقرة اللاحقة يسلم الوصل النهائي وجوبا داخلأجلأقصاه 60 يوما.وفي حالة عدم تسليمه داخل هذا الأجل, جاز للجمعية أن تمارس نشاطها وفق الأهداف المسطرة في قوانينها. على ضوء كل  ذلك , يتضح أن قانون تأسيس الجمعيات في شكله الحالي, قد قام بالتقعيد لنظام تصريحيللجمعيات, والتي عليها لتصبح شرعية , أن تعمل على التصريح للسلطات بإنشائها فقط دون الحصول على إذنأو ترخيص مسبق, مما يجعل هذا التصريح وبهذه الصفات ليس ضروريا لممارسة حرية تأسيس الجمعيات, وذلك عكس التقهقر الانتكاسي المرصود إبان تعديل 10 ابريل 1973 , الذي جعل من هذا التصريح شرطا لا محيد عنه لإضفاء الشرعية على ممارسة هذه الحرية عبر نصه في فصله الخامس : “يجب أن تقدم كل جمعية سابق تصريح إلى مقر السلطة الإدارية المحلية (القائد أو الباشا) والى وكيل جلالة الملك لدى المحكمة بالدائرة القضائية…” ليؤكد كل ذلك أن هناك مواءمة بين نظامين من أنظمة ممارسة الحريات العامة، وهما نظام التصريح المسبق والنظام الزجري. الملاحظ في هذا السياق رغم أن قانون تأسيس الجمعيات لبلادنا لسنة 1958 يمتح جل مقتضياته من القانون الفرنسي الخاص بالجمعيات لفاتح يوليوز 1901، فانه وضع نفسه في منأى عن مرونة هذا الأخير، وهي المرونة المتجلية في نص فصله الثاني على إمكانيةتأسيس جمعيات الأشخاص بكل حرية ، دون طلب ترخيص أوإيداع تصريح مسبق، ولا يكون التصريح ضروريا إلا للاستفادة من الأهليةالقانونية والتمتع بالشخصية المعنوية. وبالرجوع إلى مسألة التصريح وإيداع وثائق تأسيس الجمعية المحدثة ببلادنا ،فانه وفق قانون تأسيس الجمعيات نجد أنه من اللازم أن يكون هذا التصريح موضوع تسلم وصل مؤقت، بمجرد تسليم ملف التأسيسوإيداعه لدى السلطة الإدارية المحلية، التي تعد ملزمة داخل أجل 60 يوما بأن تسلم الجمعية المحدثة وصلا نهائيا ،وإذا لم يسلم هذا الأخير داخل الأجل القانوني ل 60 يوما، بوسع الجمعية أن تباشر ممارسة أنشطتها وفق أهدافها المسطرة بشكل قانوني والمنصوص عليها في غالب الأحيان في قانونها الأساسي، ويمكن لمؤسس هذه الجمعية أن يقوم بتسليم وثائق التأسيسإما مباشرةأو بواسطة عون قضائي، حتى تكون هناك وسيلة إثبات قانونية في حالة رفض السلطات تسليم الوصل وبالتالي يمكن للمتضرر اللجوء إلى القضاء. وهناك تعديلات مهمة بهذا الشأن،حيث لم يعد من الواجب إيداع ملف تأسيس الجمعية لدى جهتين : جهة السلطة المحلية وجهة النيابة العامة ،إذاأصبحالإيداع يتم لدى جهة واحدة فقط ،وهي جهة محددة على سبيل الحصر، جهة السلطة الإدارية المحلية. وليصبح دور النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية الكائن بها مقر الجمعية المحدثة،دورااستشاريا فقط ،وهو ما ينص عليه كما سبق الذكر الفصل الخامس من قانون تأسيس الجمعيات في جزء من فقرته الأولى “..وتوجه السلطة المحلية المذكورة إلى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية المختصة نسخة من التصريح المذكور وكذا نسخا من الوثائق المرفقة به المشار إليها في الفقرة الثالثة بعده، وذلك قصد تمكينها من إبداءرأيها في الطلب عند الاقتضاء”. وبناءاعلى هذا المقتضى كثيرا ما يلاحظ أن النيابة العامة في مراسلتها الجوابية الموجهة للسلطات الادارية المحلية، على هذا الصعيد ،فإنها تستعمل العبارة التالية : ” لا نرى مانعا مع مراعاة مقتضيات الفصل الخامس من قانون تأسيس الجمعيات “. وذلك لضمان شرعية تأسيس الجمعية المحدثة، وتظل هذه الشرعية “ناقصة” و “مبتورة” في نظر العديد من الفعاليات الجمعوية،التي تود أن يكون للجهاز القضائي دورا يتجاوز الصفة الاستشارية الى الصفة التقريرية ،الى درجة مطالبتها بتقديم تصريح التأسيس الى السلطة القضائية وأمام النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بمقر الدائرة القضائية التي توجد بها الجمعية، ويسلم عنه وصلا بدلا من السلطة الادارية ،وبالتالي المطالبة باستبعاد السلطة التنفيذية عن التقعيد لممارسة حرية تأسيس الجمعيات ،وذلك بالنظر كله الى ما يراه الكثيرون في كونها تشكل العدو التقليدي للحريات برمتها .هذه المطالبة ما فتئت أصوات عديدة ابان مراحل الحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة، تنادي بها وتؤكد على جعلها أهم مقتضى من المقتضيات الواجب ترسيخها في حالة اذا ما كانت هناك مراجعة مستقبلية لقانون تأسيس الجمعيات.

وعموما، ورغم أهمية الفصل الخامس من قانون 75.00 لسنة 2002 وقيمته المضافة ،وكذا ما شكله هذا القانون برمته من منعطف حاسم على مستوى تأسيس الجمعيات ،وذلك بتضمنه أحكاما متطورة ونصوصا رائدة ،نجد في الممارسة مع ذلك أن السلطات المحلية في بعض الأحيان ترفض تطبيقها أو على الأقل تتحفظ في هذا الجانب الشيء الذي يعكس كما يرى البعض “التعسفية” الادارية في هذا المجال وكذا خروجا ليس في سياقه عن “المنهجية الديمقراطية” المنصوص عليها في هذا الفصل .هكذا عانت وتعاني جمعيات كثيرة وفروع بعض المنظمات الوطنية من مشكل رفض السلطات المحلية تسليمها الوصل المؤقت عن ايداعها لملفات تأسيسها ، وكذا تسليم الوصل النهائي (مثلا جمعية تمازيغت لكل المغاربة والتي وضعت ملفها التأسيسي لدى السلطة الادارية بالرباط بتاريخ 13 غشت 2012،  ولتتسلم الوصل المؤقت بعد ذلك بشهرين،  ولحد الساعة لم تتوصل بوصلها النهائي) بل وأحيانا رفض تسلم ملف التأسيس من الأصل (مثلا رفض تسلم سنة 2008، ملف جمعية “ابتسامة لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة “من طرف سلطات بويزكارن بكلميم ورفض ولاية الرباط هذه السنة تسلم الملف القانوني لتأسيس جمعية ” الحرية الان “).

واذا كان المشرع قد أوجد “التخريجة القانونية” لتسليم ملف التأسيس من خلال النص على تقديم التصريح أو ايداع الملف ،اما مباشرة أو بواسطة عون قضائي بل نجد أن بعض الجمعيات تلجأ الى “البريد المضمون” لتقديم ذلك، فانه على مستوى رفض السلطات المحلية لتسليم الوصل المؤقت عن الايداع يظل الامر “مبهما” وغير مفهوم لدى العديد من الفعاليات الجمعوية والحقوقية والسياسية، ما دام الفصل الخامس ينص وبشكل واضح وصريح على ” تسليم وصل مؤقت مختوم ومؤرخ في الحال ” ،ورغبة من المشرع في التقليص من شطط السلطة التقديرية للادارة بشأن نظام التصريحات ،فانه أرسى الالية القضائية كضمانة راسخة في هذا الصعيد، وذلك عبر رفع دعوى أمام القضاء الاداري في حالة عدم التزام السلطة المحلية باجراءات استلام الملف وتسليم الوصل المؤقت، بيد أن العديد من الجمعيات ما فتئت تصرح بكون هذه الالية لم تساهم في الحد أوعلى الأقل التقليل من حجم تدخل السلطات في هذا الجانب، حيث تظل في رأيها النتائج هذا السياق دون المستوى المطلوب ،اذ أن المحكمة الادارية لا تستطيع اجبار السلطات على أن تتصرف بشكل مختلف، كما أنه ليس لديها امكانية اعطاء القانون أوالحكم القضائي لتلك الصيغة التنفيذية المرتبطة به، ولا تستطيع الا أن تقضي بأن السلطات الادارية قد تجاوزت صلاحيتها، وعلى أكثر تقدير الحكم بتعويض الطرف المتضرر.ومن ثم فحكم المحكمة الادارية في هذا الصدد لصالح احدى الجمعيات لا يتبعه بالضرورة قبول وثائقها أو تسليمها وصل الايداع حيث أنه – كما ترى ذلك الأستاذة رقية المصدق في كتابها الصادر سنة 1999 تحت عنوان “الحريات العامة وحقوق الانسان “- في حالات اللجوء الى القضاء فان الحكم ضد السلطة الادارية تكون له قيمة رمزية اكثر منها فعلية.

وبصفة عامة، من اللازم حشد الارادة من أجل تذليل العراقيل التي يمكن أن توضع في طريق الجمعيات التي تتبع الاجراءات القانونية للتصريح بنفسها، وذلك عبر حث السلطات على الالتزام بتطبيق القانون ولا شيء غير القانون ،وذلك كله تكريسا لحرية تأسيس الجمعيات كحرية مدسترة وكحرية مجسدة لصرح دولة الحق والقانون.