ألوان المحبة والأنوار في جداريات بني عمار

حروف تنام على الجدار، ومطر ينزف خارج النوافذ، بين قطرة قمح يلاصق النهر بعيون غارقة في الألوان تبحث عن همس الليل، والبحر يبحث عن أوصاف بحارة يتوردون بالاغاني..
يا واهب الصور، قطرة الصمت تنهمر من أجنة الكروم والابتسامة تنتظر كليوبارتا على فم الوليد والايام لم تعد غريبة عن إنسان بني عمار في الانساني…
يا فنان، انت صليبي وجمرتي المعتقة التي خرجت عندما غرقت المدن، ندعوك بالمنقذ في مرح طفولي.. تعارفنا وتقاسمنا الاسماء.. يا إبرة تخيط أزقتنا بالامل والطفولة..

يا واهب الصور، تشعل القلوب بالأفراح والمحبة، في زمن يمجد أشواك الحقد وغدر كورونا.. من صحو النور ترنح الورد في ظل المياه.. كيف يسيل الصمت في أرجاء بني عمار، وأنت أيها العالِم بمشيئة العالم تهوى العيون.. في الطرقات رقصت الوان بين الورود الداخلة في الظلال والنجوم تذرف الدموع والحروف تشعل أسرار الكون الملون.. تسكب طفلة الجدار الماء على التراب كي يبدع الطين مزهرية… تنشد كليوباترا ترانيم الغياب بينما يشد العماريون على عتبات الحناجر حين يصير الحب على الكف ويتحول الصوت المكتوم موجة على أكتاف الصبايا.. تفر الصور من أحداق الأكوان وبني عمار الملثمة في الثغور أمواج زرقاء بالضياء… يشق الفنان وجه الالوان بالرموز والايادي تكسو الزمن بالغبار الفاتر، يكشف عن فكرته وهو يكتب على الجدار وجه البهاء، فلتسمع ختام الرسم كله، في الليل على أعتاب البدر تنضج المحبة تحت التين والزيتون والشهوة الهاربة تغني وتكدح.. تمطر الايادي في الفيافي وتطوف في السهول والجبال لعلها ترى وجه كليوباترا وهي تولد من رحم البيادر والجداريات تسمع الأنين الآتي من هنا وهناك…ينتصب الخيال بلغة ممتدة تنسج المحكي وتستقرئ المختلف لمعرفة المؤتلف.. يعبر التابث ليسائل الجمالية كلحظة بناء أفق انتظار، كي تتسرب كلماته إلى الجدار لتحمل دلالة تعددية لجعلها أداة سحرية للتحليل والتاويل، وبعد الدلالة وكد الفكر نقترب من تحقيق المتعة، لان الرسم مغامرة تبحث عن جنون الإدهاش، تترنح بين مرايا التنغيم في حضرة ألوان بني عمار..

أطفال يدثرون أحلامهم بألوان الصمت، فتغسل الشمس شريط الذكريات من تجاعيد الوقت حين تتزاحم الأزقة لتعانق فرسان الريشة، تستأنف الأغنية معاندة المستحيل والتين يملأ السكينة وجدارية ليل الصحاري تكاد تبوح بأسرار الفيافي بجانب الموج الأزرق الطافح من الجدار… تنقر الاجساد الخاطفة الفرح حين يراودها أنين الفصول من سرب الحروف والكلمات.. تثير العصافير كل عابر، تنادي الالوان كل سائر أو ساهر يفاجأ بخطوات مضمرة في متاهات..

تاهت كليوباترا عبر هذا الاحتفال المقيم، أشعلت نار الإبداع في الجدران، أيقظت سالفادور دالي والشعيبية ولوحت عشتار لكليوباترا بعطر الأراضي الملونة وعلى جسد الأسوار ركب الأطفال لغة الإيحاء فازدهرت ألوان وأغرقت كليوباترا كل الاشرعة الأرجوانية بعطور يفوح أريجها قبل الوصول إلى الشاطئ، و”تيموس” بني عمار أطربت العيون الزائرة، طردت من أمامها قليلا صور القبح والعنف والألم حين أبدعت مشاتل المحبة وجمال الألوان ومنابع الأنوار على جدران بني عمار.

 د. بوعلي الغزيوي