إرادة الحياة في مواجهة وباء كورونا

 بقلم حسن صادقي-الرباط 

 لا أريد في  هذا المقال أن أقول ماقالته الصحافة عن  كورونا، فالناس جميعا يعلمون ذلك، ولا أدعي أني سأتحدث عن وباء كورونا من وجهة نظر علمية، فأطباء علم أحياء الفيروسات هم وحدهم القادرون على مدنا بمعرفة علمية حقة فيما يخص كورونا المستجد، كما أن الرؤية الإقتصادية لها أصحابها، وهم يعلمون جيدا الانعكاسات السلبية لهذا الوباء على الاقتصاد العالمي .                

 إن القول بأن وباء كورونا هو امتداد وشكل من أشكال المواجهات العنيفة والخفية بين أيديولوجيات وأقطاب متطاحنة تاريخيا (شرق/غرب)، أو حرب بين اقتصادات كبرى، هو قول لا يمت بصلة للحقيقة، لا من حيث هي واقعا ملموسا  (أرسطو )، ولا من حيث هي – أي الحقيقة – نتاجا لغليان الواقع ذاته في صيرورته التاريخية (ميشيل فوكو)، ذلك أن الظاهرة الفيروسية الوبائية  ظاهرة طبيعية متكررة في التاريخ، فقبل كورونا كانت الإيبولا، وقبلهما كانت الكوليرا، وقبل هذه الأخيرة كانت الإنفلوانزا الإسبانية، وقبل كل تلك الأوبئة جميعا كان الطاعون… وكلها أوبئة أزهقت الآلاف من أرواح الناس.

إن الفيروس يشكل تهديدا للأنا وللاجتماع البشري على حد سواء، وإن كان مفهوم التهديد هنا يحمل معنى أخطر من ذاك الذي صاغه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، إن التهديد هنا يعني موتا جماعيا، وبوتيرة سريعة، يحدثها عدوّ خفي، إنه كورونا، فالموت وإن كان قدرا ويقينا آتيا لامناص منه، ليس موضوع رغبة عند الإنسان، مادامت إرادة الحياة هي رغبته الحقيقية .                           

   في ورقتنا هذه، وكما سلف ذكره، سنبين هشاشة القراءات ووجهات النظر ذات البعد الأيديولوجي الضيق، وهي قراءات تعد بمثابة أجوبة مصاغة لأسئلة من قبيل؛ هل فيروس كورونا صناعة أمريكية أم صناعة صينية؟ ومتى وكيف تمت صناعة هذا الدمار الشامل؟ 

لتُقدّم جوابا ينتصر لأيديولوجية أو لقوة اقتصادية على حساب أخرى، وفي هذا السياق، فالرأي القائل بأن وباء كورونا يشكل محطة، مفصلية في تاريخ الإنسانية ستنهي هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم لصالح الصين، باعتبارها قوة اقتصادية صاعدة، هو في نظرنا وكما قلنا سلفا، رأي لا يمت بصلة للحقيقة، وهنا سندرج ثلاثة اعتبارات تجعلنا نضع جانبا ما يسمىٰ بنظرية المؤامرة ؛            

  أولها: اعتبارات علمية موضوعية يمكن اختزالها في كون الفيروس مهما كان نوعه لا وطن، ولا جنسية ولا أرض له، وإذا تمّ تحديد مكان تواجد وانتشار الفيروس (مدينة ووهان  الصينية في حالة وباء كورونا مثلا)، فإنه يصعب تحديد الحالة الصفر كونيا، نظرا للانتشار السريع الذي يعرفه الفيروس (إيطاليا ،الولايات المتحدة الأمريكية …)، كما أن الفيروس لا يميز أثناء انتشاره بين صانعه وبين من صُنِع لأجل تدميره.                              

  ثانيا: اعتبارات اقتصادية، فمنذ سقوط جدار برلين وإعادة جغرافية ألمانيا لما كانت عليه قبل الهزيمة النكراء التي ألحقها الحلفاء ببلد أدولف هتلر زعيم النازية الألمانية، وكذلك نهج سياسة البيريسترويكا التي نفذها الرئيس الروسي السابق آنذاك ميخائيل غورباتشوف في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، هذه السياسة التي كانت مؤشرا وإعلانا عن انهيار فعلي للمعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي آنذاك، ودخول روسيا إلى اقتصاد السوق، كل هذه التحولات أفضت إلى بزوغ نظام عالمي جديد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، وهنا يمكن استحضار أطروحة كتاب نهاية التاريخ، لمؤلفه فوكو ياما، وأصبحت جل دول العالم لا تهتم بما هو إيديولوجي، بل تهتم فقط بما له صلة بمصالحها الحيوية الإقتصادية والتنموية.                   

   ثالثا: اعتبارات تاريخية، وتتضح في كون الصين لم يثبت عنها تاريخيا أن مارست غزوا أو احتلالا أو أي شيء من هذا القبيل، في المقابل لايمكننا أن نكون صينيين أكثر من الصينيين أنفسهم، ونجازف ونقول إن الصين ستتصدر العالم قريبا، وسيصبح الساسة الصينيون هم ساسة العالم، وأن بيجين ستحل محل واشنطن. فالصينيون أهل حكمة، يعلمون جيدا قدرهم وحدود إمكاناتهم، وهم يدركون بأن بلادهم مطلوب من القائمين على أمرها تخطيط جد محكم ومجهود جبار، لكي تبلغ الصين مبلغ الولايات المتحدة الأمريكية اقتصاديا وثقافيا… فاللغة الصينية على سبيل المثال لا الحصر، وإلى حدود الآن، لم تلق قبولا عالميا مثل اللغة الإنجليزية، ولا يمكن أن نبسط في هذا المقال مسألة اللغة وعلاقتها بالمعرفة وبالحضارة الإنسانية، فهذه إشكالية فلسفية فكرية يمكن تحليلها ومناقشتها في مقال آخر غير هذا.                             

  إن التزايد المستمر لعدد ضحايا مرض كوفيد-19 في العالم أجمع، فرض أولويته على كافة اهتمامات كل دولة في جميع أنحاء العالم، إذ أصبح واجبا على كل منها أن توظف مختلف إمكاناتها ومواردها البشرية، وما تملكه من تقنية ولوجيستيك وتكنولوجيا حديثة (الروبوت ، الطائرة المسيَّرة …) من أجل حماية الحق في الحياة، مما أجبر كل دول العالم على اتخاذ حزمة من الإجراءات الصارمة، والعمل بمبدأ الوقاية، فأعلنت كل بلد رسميا عن حالة الطوارىء الصحية، وسارع لفرض الحجر الصحي على مواطنيه، وقام بتجهيز وخلق المستشفيات ومكن جيوشه البيضاء بكل المعدّات الطبية اللازمة لمعالجة مرضى كوفيد-19 …

كل هذه المجهودات الحثيثة تقوم بها الدول، وفي نفس الوقت، العالم أجمع يتطلع وينتظر اللحظة الحاسمة التي سيطوَّق فيها هذا الفيروس الإرهابي ويقضي عليه بشكل نهائي، لاسيما عندما يتوصل العلماء الأطباء في مختبراتهم إلى لقاح فعّال ضد هذا الوباء الفتاك.       

  ولقد أسقط وباء كورونا الفكرة القائلة بتراجع دور الدولة الوطنية والقطاع العام التابع لها أمام هيمنة العولمة والامتداد السريع الذي يعرفه القطاع الخاص … في المقابل عادت مفاهيم عدة إلى الواجهة، وعلى رأسها مفهوم الدولة الوطنية ذاته، ثم مفاهيم الحزب والمجتمع المدني (أندية،جمعيات..)، وكذلك مفاهيم التضامن والغيرية،  وحقوق الإنسان، وفكرة الوطنية، والمسؤولية الفردية والجماعية، وضرورة الحفاظ على بيئة نظيفة… وكلها مفاهيم ومصطلحات أعادها الموت المرعب إلى الواجهة.

فجائحة كورونا قطعت الروابط الدولية والإقليمية، بل وقطعت الروابط بين المدن والقرى المنتمية لنفس الدولة، وأجبرت الناس على المكوث في مساكنهم رغما عنهم، كما أبانت للعالم أن الأطقم الصحية، في الحقيقة هي جنود تلعب دورا رياديا في حماية المواطنين، لا يقل أهمية عن دور الجندي والشرطي والإعلامي، وكل الذين يسهرون على أمن البلاد والعباد، وهنا نود التأكيد على نقطة بالغة الأهمية، وهي أن مفهوم الأمن في أصوله وجذوره هو تلك الأفكار الجيّدة والبنّاءة  التي يبثها نساء ورجال التعليم وكل الأطر التربوية في نفوس متعلميهم، ليصبحوا أشخاصا قادرين على تحمّل المسؤولية في المستقبل، كلٌّ بحسب الدور الذي سيلعبه في المجتمع والدولة على حد سواء.                            

 وإذا كان وباء كورونا قد أعاد فكرة الدولة والمجتمع إلى الواجهة، فإن هذا الوباء في المقابل كشف عن شبه غياب حقيقي لعالَم دولي  منظَّم، كما أبان عن أنانيات الإقتصادات الكبرى في العالمؤ وأن التنظيمات التي تنتمي إليها في صيغتها الكونية ( هيأة الأمم المتحدة خصوصا)، وجب إعادة النظر في أسسها وغاياتها وطريقة اشتغالها، وهذا من وجهة نظرنا أمر عظيم.

من قال بأنه يملك لوحده الحل الأنجع فهو مجنون، سواء كان فردا أو حزبا أو دولة أو اتحادا من الدول، فالمعضلة كونية وجماعية، وبالتالي فحلها لا يمكن أن يكون إلا كونيا وجماعيا، ومكر التاريخ يعبث بالإنسان كيف يشاء، وليس من السهل أن يواجه الإنسان هذا المكر العظيم .                 

 إن القول بأن العالم سيعرف تغيرا جذريا بعد صدمة كورونا، هو قول مجانب للصواب، لأن التغيير الجذري تحدثه إرادات الشعوب لا إرادة فيروس ؛ ما نتوقع حدوثه بعد انتهاء هذه الأزمة الوبائية هو أن الدولة الوطنية ستسترجع وعيها، بمعنى أنه أصبح واجبا على كل دولة  التركيز على سياستها وشؤونها الداخلية، مع إعادة النظر في مسألة ترتيب الأولويات، كما يجب الإشارة إلى نقطة بالغة الأهمية ترتبط بما هو أمني، إذ سيتم إدراج فيروس كورونا المستجد، وباقي الفيروسات الوبائية، ضمن لائحة المبحوث عنهم في إدارات أمن المطارات والموانيء ونقاط العبور.                               

  إذا كانت الغاية من قيام الدولة هي الحرية كما يؤكد ذلك الفيلسوف الهولندي اسبينوزا، فإن الغاية من الدولة بحسب المفكرة المعاصرة جاكلين روس، هي حماية حقوق مواطنيها، ومن أجل الحق في الحياة تلجأ الدولة إلى توظيف كل الأدوات والوسائل التي تراها مناسبة لحفظ هذا الحق الأسمى .

أما نحن كأفراد، ألا ينبغي لنا مهما اختلفت أدياننا وجنسياتنا ولغاتنا، أن نستغل فترة الحجر الصحي لإعادة التوازن لشخصيتنا، ونعيش تجربة صوفية فردية تطهر القلب من كل درن  ومرض ؟ أو على الأقل أن نعمل بنصيحة أبي الفلاسفة ونتأمل ذواتنا وحياتنا بعض الشيء، فقد صدق سقراط حين قال “إن حياة لا توضع موضع تأمل لا تستحق أن تعاش”؛ إن التأمل كلحظة ذهنية خالصة سيمكننا من أن نعيد للذات منطقها ووعيها، وتسترجع  حريتها، إرادتها و كرامتها، أو ليس الإنسان كما يرى صاحب كتاب نقد العقل الخالص إيمانويل كانط غاية في حد ذاته ؟ وإذا كان جوابنا لفيلسوف النقد بأي نعم، ألا ينبغي أن نتفق مع فريدريك نيتشه بأن إرادة القوة هي إرادة الحياة، وأن إرادة الحياة تعلو ولا يعلا عليها.    

                 

 حسن صادقي | أستاذ مادة الفلسفة -الرباط

العربيةEnglishFrançaisDeutschEspañol