طبيعة الشعوب وتطبيع الأنظمة

بقلم : منصف بنلحسن

يوم آخر حزين من أيام الانبطاح العربي أمام جبروت أمريكا واستكبار الكيان الصهيوني، لقد أصبح جليا أن الأمر لم يعد مجرد استسلام وانبطاح، بل أصبح تآمرا كامل الأركان وقوادة صريحة في واضحة النهار.

سلام تحت الابتزاز

إن ما أقدمت عليه الإمارات، لا يمكن تفسيره إلا بالانحطاط الأخلاقي والانحراف الثقافي والانسلاخ الحضاري والفراغ الروحي، ناهيك عن الإفلاس السياسي الذي رافقها منذ ما يقرب من عقدين من الزمن.

المثير للاشمئزاز والسخرية، أن حكام الإمارات يتحدثون عن السلام وصنع السلام، كأن الإمارات كيان قادر مقتدر ذو جذور في التاريخ والحضارة، وند حقيقي للأقوياء ولاعب صانع ومؤثر في مجرى الأحداث الكبرى، بينما الواقع و التاريخ يؤكدان أنها ليست كذلك بالمطلق. فلا هي الآن، ولا كانت أبدا، دولة مركزية في النظام العربي، الذي لم يعد أحد يعلم مركزه من محيطه، ولا هي مؤثرة في مجرى التاريخ والأحداث، ولا هي مجابهة للكيان الغاصب. هي مجرد نظام وظيفي خلق للقيام بمهمات محددة ليس التطبيع أولها ولن يكون آخرها.

القضية الفلسطينية أكبر من الإمارات وأعرق منها وأعقد مما قد يتبادر إلى ذهن حكامها الذين يبدو أنهم يتناسون أن آخر الحروب التي خاضها الفلسطينيون ضد الكيان المغتصب، كانت قبل سنوات من ظهور دولة اسمها الإمارات، ويتناسون كذلك أن أرض الإمارات تبعد مسافة أشهر عن أرض فلسطين. وعليه، فلا التاريخ ولا الجغرافيا يشفعان لها القيام بما قامت به. فلم كل هذا التهافت إذا ؟

ما الذي جناه العرب من التطبيع واتفاقات السلام مع الصهاينة، حتى تقوم الإمارات بهذه الخطوة الجبانة المقيتة؟ هل أعادوا الحق لأصحابه؟ هل أوقفوا التنكيل بالفلسطينيين؟ هل التزموا بالاتفاقات رغم هزالتها؟

 إذا كان نتنياهو ومعه ترامب مبتهجين بمشروع الاتفاق، وهذا ما بدا واضحا في خرجاتهما الاستعراضية، فهذا أمر مفهوم، لكن، لم كل هذا التهليل والتطبيل من طرف إعلام الإمارات والدائرين في فلكه، ولم كل هذا التبرير للفعلة المقيتة؟ فيم سيفيد الإمارات كدولة، سوى ابتزازها وتوظيفها ماليا لخدمة الكيان الصهيوني، وفي المقابل إطالة معاناة الشعب الفلسطيني والتشويش على المعنيين المباشرين بمسار القضية الفلسطينية الذين نددوا واستنكروا خطوة الإمارات الجبانة.

المحزن و المخزي حقا، أن هذا الإعلام الرديء ما كاد ينتقل إلى وصلاته الإعلانية بعد التباهي بخيبته وتبرير فعلة نظامه، حتى صفعه المجرم نتنياهو على الملإ بتكذيب مناقشة مشروع وقف الضم أو تحييده، ثم ما لبثت أن تواترت الأنباء عن سلام تحت القوة، ثم تكشّف أن مشروع الاتفاق المذل هذا انتزع تحت الضغط والابتزاز.

كثيرة هي الأسباب التي تجعل حكام الإمارات يرضخون لهذا الضغط و الابتزاز، و يهرولون راكعين بين أيدي أمريكا و ربيبتها، فابن زايد تلاحقه الهزائم و الخيبات في كل مكان، بعد فشله الذريع و المستمر في اليمن وليبيا وتونس، و العديد من المناطق الأخرى التي خلّف تدخله فيها فضائح سياسية و تجاوزات إنسانية في الحروب التي تقودها أو تشارك فيها بلاده، من دون أن يكون لها مسوغ مقبول للتواجد بها، فضلا عن تورطهم في فضائح أخلاقية تكفي لليّ ذراعهم و الإتيان بهم خانعين، و الإلقاء بهم في أي هاوية، هكذا إذن تلوثت صورة الإمارات وحكامها في العالمين العربي و الاسلامي، فلم يجدوا ملجأ غير الكيان الصهيوني يرتمون في أحضانه.

إذا كان لاتفاقيتي كامب ديفيد ووادي عربة ما قد يمكن أن يبررهما، فلا شيء يمكن أن يبرر ما قامت به الإمارات على الإطلاق.

التطبيع قضية شعوب لا صفقة حكام

 أبرمت كل من مصر والأردن اتفاقيتي سلام مع الكيان الصهيوني قبل عقود، فهل هرول الشعبان المصري والأردني وراء التطبيع رغم مرور كل هذه السنوات الطويلة؟ فلم إذن هذا التهافت نحو التطبيع من طرف الإمارات ومن يدور في فلكها؟ ولم هذا الإصرار من طرف ترامب ونتنياهو على جر أي كان وبأي ثمن نحو تطبيع ترفضه الشعوب وسلام لا ينتج استقرارا؟

 مشكلة الكيان الصهيوني الحقيقية في التطبيع هي مع الشعوب وليست مع الأنظمة، وهذا ما لا يريد الصهاينة والمتصهينون أن يدركوه، فذاكرة الإنسان العربي غير قابلة للمحو، هم يراهنون على تطويع الإنسان الفلسطيني والعربي، ناسين أن كل هؤلاء مصنوعون من معدن غير قابل لا للتطويع ولا للكسر ولا للاندثار. لكنه قابل للانفجار في أي لحظة وبدون أي إنذار، وهذا ما لا يقدّرونه حق قدره ولا يحسبون حسابه.

هؤلاء كلهم يعملون ضد المنطق و طبيعة الأشياء و التاريخ، هكذا هم السياسيون الفاشلون، ينظرون بمنظور المصالح الشخصية الضيقة، و مصالح أحزابهم أو أسرهم أو أي نظام أو مجموعة يتبعون، أما الشعوب فتنظر بمنظار الكرامة والحرية لا غير.

الكيان المحتل سيظل منبوذا من طرف الشعوب، ليس فقط العربية والمسلمة، ولكن أيضا شعوب العالم الحر حتى لو وقّعت ثلاثا وعشرين اتفاقية كاملة.

حتى بعد قرن من الزمان، سيظل الكيان المحتل مجرما في نظر الشعوب الحرة، وعليه فإن كل دولة توقع سلاما مع هذا الكيان الغاصب، هي في الحقيقة تضع نفسها في الجبهة المعادية لحقوق الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين، ولكل الشعوب المحبة للسلام