الأوروعربية للصحافة

حقوق اليتامى

حسين شعبان وهدان

الحمد لله الكريمِ المَنَّانِ، الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، أحب من أطاعه وأعد له نعيم الجِنَانِ، وأَبْغَضَ مَنْ عصاه وَتَوَعَّدَهُ بِلَظَى النِّيرَانِ.

سبحانه! له في خلقه آلاءٌ حسانٌ تدلُّ على مجامِعِ لُطْفِهِ وكريم قضائه، لو اطلعت عليها أفهام العباد ما ازدادوا بذلك إلا تسليمًا، قضاؤه الحق، وحكمه النافذ في الخلق، فله الحمد على ما جرت به أقلام قُدرته، وعلى ما وهبه لعبيده من جزيل بركته، وعلى أَلطافهِ الجََمَّةِ الشَّاهِدَةِ على قيُّوميته ووحدانيته وربوبيته.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، جعل في كل مصيبة مع التسليم والرِّضا عِوَضًا، وفي كل بائقةٍ مع التوكل مخرجًا، وفي كل نقصٍ تمامًا يجبر به كل كسير، ويقوِّي به كل ضعيفٍ، ويُغيِّرُ حالَ العبادِ إلى خيرِِ حالٍ، مَتَى مَا تَوَكَّلُوا عَلَى ذِي الجلالِ.

وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبدالله ورسوله، سيد الهداة الصادقين، وقدوة العاملين بإحسانٍ إلى يوم الدين.

اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإنَّ اليتامى في قلب المجتمع المسلم يمثلون نقطة مُضيئة بالحسنات، والأجور العاليات، من ربِّ الأرض والسموات، وذلك لمن نَظَرَ إلى الأمر بعين قلبه، وألقى سمعه إلى أمر الله – تعالى – وبيان رسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم – وإحساسُهُ الإيمانيُّ حاضرٌ لا يغيب.

الأيتام هم رافدٌ من روافدِ السعادة في مجتمع المسلمين؛ لأنَّهم يملؤون فراغًا روحيًّا صاديًا عند مَن أكرمه الله – تعالى – برقة القلب لهم، والحُنُوِّ الدائم عليهم، فهم من أسباب رقة القلوب الحاضرة، والنُّفوس الشاكرة، ويجمعون – مع ذلك – أرواحًا من شتاتها في بوتقة الإيمان؛ لصيانة سلامة المجتمع وحصاد الحسنات، تلك التي تأتلف على سَوْقِ الأفراح إلى القلوب التي يحتويها اليتم، فيتحول الأسى والحرمان إلى مُرُوج من العطاء والإكرام، بعيدًا عن الأحزان.

لهذا؛ كان الحديث عن اليتامى مُتْرَعًا بالبركات، دَرْجَ القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكيف لا، وقد أفاض الله – تعالى – الحديث عنهم في غير موضع، وفصَّل النبي الكريم – صلَّى الله عليه وسلَّم – حُقُوقهم، وحثَّ على الوفاء بها، بل حذَّر من المساس بأموالهم وأكلها بالباطل؟! فلا جَرْمَ أنْ أكرمَ بيوت الخلق تلك التي فيها أيتامٌ مُكْرَمُونَ.

 

تعريف ومدخل

فمَنِ اليتيمُ، إخوةَ الإسلام؟

اليتيم من البشر: مَن فَقَدَ أباه وهو دون الحُلُم، ومن فَقَدَ أبويه فهو لطيم، واليتيم من الطير أو الوحش مَن فقد أُمَّه، وأما عن اليُتْمِ في اللغة، فله معانٍ قد تتعدد منها:

• الغفلة، وذلك ببيان حال اليتيم أنَّ كافله وراعيه يَموت حين يفقد والدَه نَبْعَ الحنان والرعاية، وغطاء الأسرة الساجي، ثم يكون بعد ذلك محتاجًا إلى من يهتم به وقت ما تغافل عنه الناس، وانشغلوا كلٌّ بما يغنيه.

 

• ومن معاني اليتم: الانفراد، يقول الناس في أمثالهم: هذه دُرَّة يتيمة؛ أي: إنَّها شيء منفرد، وهذا عالم يتيم في بابه؛ أي: إنَّه لا يوجد له نظير، وهذا إنسان يتيم في أخلاقه، بمعنى عَزَّ أن يوجد مثله.

 

• ومن معاني اليتم: الفقد، بمعنى أنَّ اليتيم يفقد حاجيَّات يجدها غيره، يفقد ثوبًا يريد أن يسترَ به بدنَه، أو يفقد معنًى يُكسبه الشعور بالثِّقة وعدم الاضطراب، أو ربَّما يفقد مالاً يريد أن يحقق به مصلحة أو يدرك به مآرب أخرى.

هذه أشهر المعاني اللغوية لليتم.

ضحايا الحضارة من الأيتام

وقد دلَّل حال النبي الكريم – صلَّى الله عليه وسلَّم – عليه؛ لأنَّه كان قدوة الأيتام في تحمُّل الأنكاد والآلام، ومن قبله كان نبي الله عيسى – عليه السلام – رسول الرحمة والهداية والتسامح والسَّلام، الذي تمثل اليتم فيه بأصفى صوره، فقد كان مفردًا في المعنى؛ حيث وُلدَ من أمٍّ بلا والد، وذلك من بديع قُدرة الله – عز وجل – قال الله – تعالى -: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: 59]، بيد أنَّ الذين زعموا حمل رسالته واتِّباعها وحمايتها من التَّزوير والبُهتان قد كذبوا على ربِّهم، وعلى نبيهم، وعلى أنفسهم؛ لأنَّهم على خطى الصليب ساروا، وما اتَّبعوا المسيح؛ لأنَّ رسالته تجمع في طياتها كلَّ معاني الخير، على خلاف ما اقترف مُجرمو هذا الزمان والأزمان السَّابقة – مع ادِّعاء السير على خطاه – من ويلات الذُّنوب والمعاصي والإيذاء المتتابع لغيرهم من الأمم، فأراقوا كثيرًا من الدماء النازفة، ودمَّروا العمران، وجاؤوا إلى الأمة المسلمة في حملتين صليبيَّتين من شتَّى الأجناس والملل الدينية، والعُرُوق الأوروبيَّة، منذ مئات السنين، وساعدوا الظَّالم ورجموا المظلوم، وحاولوا إذلالَ غيرهم من الأمم بشتَّى الصور، في المجال العسكري والفكري والغذائي والثَّقافي بكل وسيلة يتمكَّنون منها؛ مصداقًا لقوله – تعالى -: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ [البقرة: 217]، وما زالوا في غَيِّهم يعمهون.

 

وعلى أرض الواقع الآني ملاحم أحزان، وفتن كقطع الليل المظلم، صدَّرَهَا لقلب أرض الإسلامِ في بغداد وما حولها، والقُدس وما حولها، وكابول وما حولها – أدعياء الحضارة المعاصرة – بطريقة أو بأخرى – والذين خلَّفوا وراءهم في أرض الرَّشيد وحدَها مليونًا وخمسمائة ألف من الشهداء، إضافةً إلى خمسمة ملايين بين طريد وشريد، تُرَى: ما عدد اليتامى الذين تركتهم أسلحة أهل الحضارة وصُنَّاع الديمقراطية في بلاد الرَّافِدَيْن؟ وقد أربى عددُ المقتولين من الجيش الأمريكي فقط على ما يقارب خمسة آلاف مقتول في عداد الإلزاميِّين ما عدا المنتسبين، فلماذا يصدِّرون اليتم لنا ولهم؟! وما عدد اليتامى على أرض الجُرْح النَّازف في فلسطين منذ عام ثمانية وأربعين وما قبلها وحتَّى الآن؟ وما عدد اليتامى في البلقان إِثْرَ حروب الإبادة الجماعية خواتيم القرن الميلادي الماضي؟ وما عددهم أيضًا في الشيشان وكشمير والصُّومال وغيرها من بلاد الإسلام؟ ويا مَن تَرَى، ما وجهة التتار الجدد صوبَ أوطاننا المستباحة؟ وما الذي أنتج هذه الحتوف المصطنعة إلاَّ الحقد الأعمى؟! وماذا سجَّل التاريخُ لنا حينما ملكنا أعطافَ الأرض، إلاَّ أنَّنا كُنَّا أهل احترام وتقدير للحياة والأحياء، ولم نخلِّف إثر أقدامنا أرواحًا فارقت الحياة، أو أيتامًا يقاسون الحرمان؟! لو نطق لسانُ التاريخ الصادق ما قال إلا ذلك.

مَنْ قَامَ يَهْتِفُ بِاسْمِ ذَاتِكَ قَبْلَنَا 
مَنْ كَانَ يَدْعُو الْوَاحِدَ الْقَهَّارَ؟ 
عَبَدُوا الْكَوَاكِبَ وَالنُّجُومَ جَهَالَةً 
لَمْ يَبْلِغُوا مِنْ هَدْيِهَا أَنْوَارَا 
هَلْ أَعْلَنَ التَّوْحِيدَ دَاعٍ قَبْلَنَا 
وَهَدَى القُلُوبَ إِلَيْكَ وَالْأَنْظَارَا؟ 
نَدْعُو جِهَارًا لاَ إِلَهَ سِوَى الَّذِي 
صَنَعَ الْوُجُودَ وَقَدَّرَ الْأَقْدَارَا 

 

يُتْمُ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – تكريمٌ إلهي، وقد تشرَّف معنى اليتم ذاته؛ لما نسب إلى الحبيب سيدنا محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال الله – تعالى -: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾ [الضحى: 6]؛ ذاك لأنَّه في حياة النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – تكريم وكمال نعمة إلهيَّة، أما في حياة الناس فهو نقص، فالشعور باليتم ينقض الظهور القويَّة، ويربك المشاعر، ويمعن في تذكير النفس بالاحتياج والضجر، وذلك بعد رحيل الوالد في بني البشر؛ حيث يفقد اليتيم بعده مصدر الحنان الفطري الدَّائم، والذي يُمثل قمة العطاء بلا حدود، فالوالد بفطرته لا يهنأ ولا يستريحُ إلا مع أولاده – غالبًا – ولا يفرح إلا لهم وبهم؛ بل يقدم إرضاءَهم – أحيانًا – على رضا نفسه، حتَّى إنَّنا نجد من موروثنا الثَّقافي مَن كان يقول لولده:

إِذَا لَيْلَةٌ ضَاقَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ 
لِسُقْمِكَ إِلاَّ سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ 
كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي 
طُرِقْتَ بِهِ دُونِي فَعَيْنِيَ تَهْمُلُ 
تَخَافُ الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْكَ وَإِنَّهَا 
لَتَعْلَمُ أنَّ الْعُمْرَ وَقْتٌ مُؤَجَّلُ 

 

ومن ذلك أيضًا قول حطان بن المعلى:

وَإِنَّمَا أَوْلاَدُنَا بَيْنَنَا 
أَكْبَادُنَا تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ 
لَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ عَلَى بَعْضِهِمْ 
لَامْتَنَعَتْ عَيْنِي عَنِ الْغَمْضِ 

 

نعم، هذه بعض مشاعر حيَّة تعتمل دائمًا في نُفُوس الآباء نحو أولادهم، تدفعهم إلى الاهتمام الدؤوب بهم، حتى إذا فاجأ القدر الوالد والولد بمرارة الفِراق واليُتْم، تغيَّرت الأحوال، ورسمت الأحزان آثارها المضنية على النُّفوس التي تجرعت كؤوسَ الحرمان من طعمة أو كسوة، أو رعاية مادية أو نفسية، قد ضرب عليها الدَّهر صروف النسيان بعد انتقال الآباء – غالبًا – إلى الرفيق الأعلى، وقد يجد الأيتامُ بعضَ العوض من القُلُوب الرحيمة، التي يحركها رب البرايا بأسمائه الحسنى وكرمه الأسنى.

 

أمَّا اليتم في حياة الحبيب سيدنا محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقد تَمَيَّز بحيازة الكمال في التربية برعاية ربِّه له، والذي خاطبه – سبحانه – في معرض المنِّ والتَّذكير بالنِّعمة في قوله – تعالى -: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾ [الضحى: 6]، رَغْمَ أنه انتقل – صلَّى الله عليه وسلَّم – في أطوار الرعاية الأولى بين حنان الأم الذي لم يدُم سوى ست سنوات من عمره المبارك، وبين رعاية الجد عبدالمطلب، والتي لم تدم بعد فَقْدِ الوالدة سوى عامين، ثم كانت الكفالة من عَمِّه أبي طالب، حتَّى شبَّ عن الطوق، ودخل في سن الشباب – صلَّى الله عليه وسلَّم – وليست هذه مصادفة وقعت في قلب الأحداث، بل إنَّها من القدر السعيد المُعَدِّ لرسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال الله – تعالى -: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49] ، فلا يحدث في ملك الله إلا ما أراد، وشاءت إرادة العَلِي القدير أنْ ينشأ سيد الناس يتيمًا؛ ليجيره رب الناس من شدَّة اليتم وزيغ الآراء؛ طلبًا للهداية إلى طريقةٍ لإصلاح الذين يرتعون في عمايات الجاهليَّة، ثم أغناه الله – تعالى – به عن كل معين ونصير؛ قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ [الضحى: 6 – 8]، فهذا من صور الإعداد الخاص والعناية العظمى بسيد البشر – صلَّى الله عليه وسلَّم – من قِبَلِ ربه ومولاه؛ لذا كان أدبه هو الكامل الجمَّ الذي وسع كل مؤالف ومجانف؛ لأنَّه حاز حدود مراقي العُلا في تربيته؛ لأن ربَّه – سبحانه – هو الذي تولاه؛ لهذا على كلِّ عاقل أنْ يعلمَ أنَّ تربية الرجال ناقصة والكمال لله، فلا تقل: “رباني أبي”، ولكن قل: “رباني الإسلام”، إن استطعت أن تكمِّل النواقص في تربية الآباء، والله معين.

 

أيتامٌ آباؤهم أحياء

وهناك أيتام يُقاسون اليتم على معنى آخر، في قلب مُجمعاتنا الكبيرة والصَّغيرة على السواء، لهم آباء ولهم أمَّهات؛ لكنهم – مع الأسف – يتجرَّعون مرارات اليتم، ويَشعرون به، ذلكم الذين يعالج آباؤهم وأمهاتهم أمورَهم من زوايا مادية أو شكلية أو مظهرية، و يهتمون فقط بملء بطونهم من جوع، أو بسترة أجسامهم من عراء، ثم لا يأبهون – بعد ذلك – بتطلعات الرُّوح وملء شآبيب القلوب رِيًًّا وحنانًا، وحشو الجنان آدابًا وأخلاقًا، وببقية أمور التربية والتعليم والإصلاح، فتنشأ أجيالٌ فاقدة لحسن الخلق، بعيدةً عن ساحات المساجد، تربيها الأيام والليالي، ولا تربيها صيحات المنابر، ولا تلاوات المحاريب؛ لأنَّ الوالدين لم يكونا أَدِلاَّءَ خيرٍٍ على طريق المسجد، فصار الوالدُ والوالدة عائقًا وسببًا في عدم إكرام الأولاد، وحسن تربيتهم في الإسلام، مع أنَّهم نشؤوا على قوة البدن، لكنَّهم في ميدان التربية الخلقيَّة والرُّوحية أيتام، وفي ذلك قول أمير الشعراء:

لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِنْ 
هَمِّ الْحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيلاً 
فَأَصَابَ بِالدُّنْيَا الْحَكِيمَةِ مِنْهُمَا 
وَبِحُسِنِ تَرْبِيَةِ الزَّمَانِ بَدِيلاَ 
إِنَّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَهُ 
أُمًّا تَخَلَّتْ أَوْ أَبًا مَشْغُولاَ 
إِنَّ الْمُقَصِّرَ قَدْ يَحُولُ وَلَنْ تَرَى 
لِجَهَالَةِ الطَّبْعِ الْغَبِيِّ مُحِيلاَ 

 

حينما يترك الوالدُ ولدَه للشوارع والشاشات وعروضها الفاسدة، تُجَمِّلُ في المخيلة الساذجة منازعَ الحمق والفساد، وحثالة الأفكار، ورَدِيء الفلسفات، ثم يَمتطي هذا الوالد صهوة الفخر الكذوب، ويقول: أنا ربيت أولادي أفضلَ تربية وأكملها، ونحن بدورنا نؤكد ونوقن أن أولادَه يعانون اليُتْمَ من أعمق معانيه.

 

أو حينما يكون هذا الوالد ذاته سببًا في فساد أولاده، يشكل لهم القُدوة السيئة في أبهى حللها، كأنْ يكون كذابًا، فيتعلمون منه الكذب، أو مختالاً بطرًا يتشربون منه الكبر والخيلاء والاستطالة على عباد الله، أو يأكل الحرام، ولا يبالي من أيِّ طريق قد جمع أرزاقه، فينشأ أولاده وقد مردوا منذ أزمان على أشباه هذه المعاني يومًا بعد يوم، فيترسب في قرائحهم أنَّ هذا هو الحق، وأنَّ غيره هو عين الباطل، وحال الوالد والولد كما قال الشاعر الحكيم:

مَشَى الطَّاوُسُ يَوْمًا بِاعْوِجَاجٍ 
فَقَلَّدَ شَكْلَ مِشْيَتِهِ بَنُوهُ 
فَقَالَ: عَلاَمَ تَخْتَالُونَ؟ قَالُوا: 
بَدَأْتَ بِهِ وَنَحْنُ مُقَلِّدُوهُ 
فَخَالِفْ سَيْرَكَ الْمُعْوَجَّ وَاعْدِلْ 
فَإِنَّا إِنْ عَدَلْتَ مُعَدِّلُوهُ 
أَمَا تَدْرِي أَبَانَا، كُلُّ فَرْعٍ 
يُجَارِي بِالْخُطَى مِنْ أَدَّبُوهُ 
وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الْفِتْيَانِ مِنَّا 
عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ 

 

فارحموا أولادكم يا أطهر أمة، ويا أكرم رجال، ويا أنقى أمهات، من يُتم الأخلاق، فإنَّ هذه ثلمة تربوية لا يسدها شيء ما تعاقبت الأيام إنْ بدا نقصها في أطوار التربية الأولى.

 

 

أولادنا مُحتاجون إلى مَن يُربي عقولهم وأفكارَهم وقلوبَهم وضمائرهم بعيدًا عن التشابه في تربية الدَّواب، أو تربية الأشكال – وإلاَّ فهم أشباه الأيتام – فإنَّ الإنسان يرقى أجواز العُلا بروحه لا بجسمه وصورته.

 

يَا خَادِمَ الْجِسْمِ كَمْ تَشْقَى لِخِدْمَتِهِ 
أَتَطْلُبُ الرِّبْحَ مِمَّا فِيهِ خُسْرَانُ 
أَقْبِلْ عَلَى الرُّوحِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا 
فَأَنْتَ بِالرُّوحِ لاَ بِالْجِسْمِ إِنْسَانُ 

 

وأعمق من ذلك في معنى اليتم العميق المؤثر، ألا وهو “يتم الشُّعوب”، عندما تعاني مجتمعات أو شعوب بكاملها من فَقْد القُدوات الحسنة أو ندرتهم، أو عندما يكون التَّافهون والسَّاقطون والسَّطحيُّون هم القُداوتِ والأمثلةَ – أو هكذا يُراد – بدفع حفنات من أسماء اللاَّعبين والمطربين والمستغربين إلى الأسماع والأبصار، في إصرارٍ إعلامي سمج مكرور، لا يهدأ ولا يستكين، فينجرفُ المزاج العام في مجال أخذ القُدوة إلى هوة سحيقة، بعد أنْ تصيبَ هذه السهام كثيرًا من أهدافها، ويغرق الخلق – تبعًا لذلك – في حمأة اليُتم الأخلاقي، وتعيش الشعوب في ميدان الأخلاق كالأيتام على موائد اللئام، فتتضاعف في قلوب الأمة معانيَ الإخلاد إلى الأرض والتبعية، ويزيد عدد أشباه الرجال ولا رجال، ويكون الاهتمام الأكبر بالكمالي من المطعوم والملبوس، وبقية المستهلكات في دوار لا ينتهي حتَّى آخر أرماق الحياة، ضاربين ستائر النسيان على معالي الأمور؛ لأنَّهم لم يعرفوها ولم يألفوها، تاركينَ قيادة الحياة بِيَدِ ظالم أو غاشم يعيثُ في الأرض بآيات الفساد، ومن صور المشهد التَّابع ليتم الشُّعوب أن أرض الواقع تذخر بتمجيد المدنس، أو المتاجرة بالمقدس، على حسب المآرب والرَّغائب، عندئذٍ يكون بطنُ الأرض خيرًا من ظاهرها، بالنِّسبة لمن حَرَمُوا أنفسَهم وغيرهم من خلق الله أنْ يتذوقوا طعم حياة الآدميِّين.

 

صورتان بين الإكرام والإهانة

 

إن الطباع الكريمة والتربية الرَّشيدة تميل بصاحبها إلى إكرام اليتامى وعدم إيذائهم، أمَّا عندما يكون حكم الجاهليَّة هو فصلَ القضاء في حياة النَّاس، فحدِّث ولا حرج عن صور العنت الذي يُحدثه بعضُ أفراد المجتمع لليتامى، كهذه الصورة القُرآنية التي تحكي واقعًا أخلاقيًّا مفرطًا في المرارة لليتيمات في قلب المجتمع العربي قبل الإسلام؛ يقول الله – تعالى -: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ [النساء: 127].

 

وبيانًا لذلك نطوف في تفسير الإمام ابن كثير – رحمه الله – لنجد أنَّه يثبت صورًا من ظُلم اليتيمات، فيقول: “والمقصود أنَّ الرجل إذا كان في حجره يتيمة يَحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله – عزَّ وجل – أن يمهرها أسوة أمثالها من النِّساء، فإن لم يفعل، فليعدل إلى غيرها من النِّساء، فقد وسع الله – عزَّ وجل – وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أوَّل السورة، وتارة لا يكون للرجل فيها رغبة لِدَمَامَتِهَا عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله – عزَّ وجل – أن يُعضِلها عن الأزواج؛ خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها؛ كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ [النساء: 127] الآية، فكان الرَّجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة، فيُلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك بها، لم يقدر أحد أن يتَزَوَّجها أبدًا، فإن كانت جميلة وهويها، تَزَوَّجَها وأكل مالَها، وإن كانت دميمة، منعها الرجال أبدًا حتَّى تموت، فإذا ماتت ورثها، فَحَرَّم الله ذلك ونهى عنه”؛ (تفسير القرآن العظيم، الإمام ابن كثير، المكتبة الشاملة).

 

هذه صور من الإيذاء لليتيمات في مُجتمعات لم تكن تتقي الله فيهن، ولا شكَّ أن كل من يقلد أيًّا من هذه المسالك يبوء بالإثم والتَّبعة على عاتقه.

 

وعلى ضفاف المعنى الكريم لرعاية وكفالة اليتيمات في سابق الأزمان، نَجد أنَّ القرآن الكريم يرسم صورة رائعة لمجموعة من أهل الخير الذين يتسابقون فيما بينهم على كفالة يتيمتهم وبنت حبرهم مريم بنت عمران، والدة سيدنا عيسى – على الجميع السلام – قال الله – تعالى -: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ [آل عمران: 44]، فقد كان كل واحد منهم يطمع في أن يفوز برعايتها، ولم يجدوا بدًّا من الاقتراع فيما بينهم وإلقاء أقلامهم في نهر الأردن أيهم يفوز بهذا الشرف العظيم، ألا وهو كفالة اليتيمة، حتَّى فاز بذلك نبي الله زكريا – عليه السلام.

 

اهتمامٌ فائقٌ باليَتَامى

وفي الإسلام آداب الكمال الخلقي والرحمة بالأيتام، فقد علمنا الله – تعالى – أنَّه أمر الأمم التي سبقت في وجودها الزَّمني أُمَّةَ الإسلام بالإحسان إلى اليتامى، انظر إلى حال بني إسرائيل حينما وصَّاهم الله – عزَّ وجل – وأمرهم بقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83]، فلماذا لا يذكرون أوامرَ رَبِّهم، ويُوقفون هذا الطُّوفان من القتل والتَّدمير، واستنزاف الدماء، على غرارِ ما أحدثه هؤلاء القُساة اللِّئام مؤخرًا في غزة الصَّامدة؟! ونحن نتساءل مع عجب الزَّمان: أما لهذه الدموع الطافحة بالعذاب من أيتام فلسطين من آخر، ومعهم يتامى العراق وغيرها من بلاد المسلمين؟! لقد أمر الله – عزَّ وجل – بني إسرائيل ومن يمشون في ركابهم، فلماذا ينسون؟! وأخذ عليهم الميثاق، فلماذا يفرطون؟!

 

وفي الإسلام أيضًا علمنا الله – جلَّ وعلا – بقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} [النساء: 36]، فتأمل واربط بين الحالين؛ لتعلم أنَّ إكرام اليتامى في الإسلام وقبله مقرونٌ بعبادة الله – تعالى – واحترام دينه.

 

وأمرنا الله – تعالى – على لسان نبيه – صلَّى الله عليه وسلَّم – بإكرام اليتيم ووعدنا بمزيد الأجر؛ كما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة – رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((أنا وكافل اليتيم في الجنَّة كهاتين))، وأشار بالسبابة والوُسطى”؛ (البخاري في الأدب: 5304، ومسلم في الزهد والرقائق، 42/ 2983).

 

فما أجملَ البشرى العظيمةَ! تلك التي تظلل الهام بأكاليل الفرح الغامر، وهي تشرح الصدر بالوعد السعيد بصحبة النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – في الجنة، ألا بالله ما أصدقه من وعد كريم من الذي وصفه ربه بقوله: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ [النجم: 3].

 

ومن حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -: أن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((أنا أوَّل مَن يفتح باب الجنة، فأرى امرأةً تُبادرني، فأقول لها: مَن أنتِ؟ فتقول هذه المرأة: أنا امرأة قعدت على أيتام لي))؛ (رواه أبو يعلى: 6621)، فهذا من منزلة صبر الأم على أيتامها؛ حيث يفيء عليها الأجر العظيم من ربِّ العالمين، وهي مع ذلك تقدم حنانها ورعايَتَها لأولادها ويطمئن قلبها عليهم، إنَّها غنيمة مرْضية للقلب، وأجر من واهب النِّعم، وذلك فضل الله الكريم يؤتيه من يشاء من عباده.

 

وفي معرض الحديث عن إكرام اليتامى في الإسلام يقول الله – تعالى -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 215]، فالإنفاق على اليتامى من أفضل صُور العطاء؛ لأنه يسد ثلمًا، ويقضي حاجيات، ويحقق مصالح هامة في حياتهم.

 

ووصف النبي الكريم – صلَّى الله عليه وسلَّم – المنفقين على الأرامل، وهن يُربِّين أيتامهن بأنَّ لهم أجورَ المجاهدين والقائمين والصَّائمين؛ وذلك من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((السَّاعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يصوم النهار، ويقوم الليل))؛ (البخاري: 5353، ومسلم 2982/ 41).

 

التحذير من أكل أموال اليتامى

وحذَّر الإسلام أشد الحذر من أكل أموال اليتامى بالباطل وعدَّه من الكبائر؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: ((الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ))؛ (سنن أبي داوود: 2490 )؛ بل أمر بإعطائهم حقوقَهم كاملة العد والقيمة بلا إبطاء؛ قال الله – تعالى -: ﴿ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ [النساء: 2]، فوصف أكل أموالهم بالظلم الكبير، الذي لا يعلم حدوده إلا الله – تعالى – ولهذا كان جزاء من يأكلون أموال اليتامى عاقبة الخسار والنَّدم.

 

إنَّ كلمات القرآن بهذا الصدد تصور مشهدًا صعبًا عجيبًا عصيًّا على التخيُّل من شديد آلامه؛ قال الله – تعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 10]، فهل لأحد طاقة على أن يأكلَ النار؟! فما بال أكلة أموال اليتامى لا يلتزمون بأوامر الله – تعالى – القائل: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ﴾ [النساء: 6]؟!

 

ومن أجلِّ المواقف الإيمانيَّة للصحابة الكرام الوقَّافين عند حدود الله، وطوع أمره: ما ورد عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: “لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [الإسراء: 34]، و﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ﴾. [النساء: 10] الْآيَةَ، انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ، فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِنْ طَعَامِهِ، فَيُحْبَسُ لَهُ؛ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَنْزَلَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿ … وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ… ﴾ [البقرة: 220]، فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِ”؛ (سنن أبي داوود: 2487).

 

معنى جديد لكفالة الأيتام

ولم يكن حُنُوُّ الإسلام في رعاية الفئات الخاصَّة في المجتمع، ووجوب جبر خواطرهم، ومُحاولات رفع المعاناة عنهم – هو جلَّ المرام في رعاية الأيتام، بمجرد الكفالة المادية فقط، كما يفهم البعض؛ بل إنَّ الأمر فيه فيض مستطاب لليتيم وراعيه، فقد ورد في الأثر: “خير البيوت عند الله – تعالى – بيت فيه يتيم يُكرم، وشر البيوت بيت فيه يتيم يساء إليه”؛ ذلك الكرم العام بشقَّيه المادي والرُّوحي، وبهذا المعنى، فاليتيم – بلا شك – محتاج إلى مَن يرعاه، والمؤمن الصادق يجد في قلبه باسم دينه احتياجًا وميلاً إلى رعاية اليتامى؛ وذلك بوازع من فطرته الطاهرة وقلبه السليم، هذه أوَّل المهام القلبية، التي يجب على القلب أن يقر بها وهو يُيمِّم وجهه شطر اليتامى لخدمتهم أو رعايتهم.

 

• مجرد محتاج إلى ثواب الله فيهم بإخلاص قلب وطهارة نية؛ ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110].

 

• ولا ينتظر الشكر من أحد، فإنَّ أكثر الناس لا يشكرون؛ بل رُبَّما تأتي قوارع النَّقد الآثم من أكثر الناس إحسانًا إليه، فلا بأسَ، ما عليه إلا انتظار الأحجار ممن قلَّ منسوب ماء الإيمان في نهر قلوبِهم، على حد قول مَن قال: “عندما ينقص ماء النهر تظهر الأحجار”.

 

• ومن ثم يرى أنَّ الله – تعالى – قد مَنَّ عليه بالاصطفاء من بين النَّاس؛ لارتياد هذا الموقع الاجتماعي الحساس في ميزان الإسلام، على اعتبار أنَّه من سُفراء الخير بين اليتامى وبين أفراد مجتمعه؛ إذ إنَّه من ثمرات سَعيه المبارك إصلاح النُّفوس من الفريقين.

 

• مباركة كل مَن يعمل على إكرام اليتامى، حتَّى ولو كان في عمله بعضُ القُصُور؛ فالكمال لله، فينصح لهم بطريقة مرضية؛ نشدانًا لأحسن العمل مع عدم تلمُّس عثراتهم، والبحث عن أخطائهم، والحرص عن البُعد عن اختبار النَّوايا، واكتناه السَّرائر، فذلك مرده إلى ديَّان يوم الدين، وليس إلى مَن نصبوا من أنفسهم قُضاة سوء بموازين مُعْوَجَّة أو سطحية من بعض الجاهلين أو الموتورين، ممن لا يَملكون نصابَ التقاضي، فضلاً عن ادِّعاء حكم القضاء على عباد الله، ومن ثم طفقوا يصدرون مراسيمَ الإثم والبراءة على الناس، وهم قابعون في بُيُوتهم دون أن يتجشموا معرفة الحقائق، وكأنهم ينظرون إلى الخلق من ثقب باب صغير، وعلى عيونهم عوائق مانعة من رُؤية الأمور على حقيقتها.

 

• البحث عن البعد المعنوي في كفالة الأيتام وتنميته؛ وذلك بالتَّواصل الدَّائم بين اليتيم وكافله بالحوار والسؤال عنه، والإهداء إليه وتمييزه بالعناية عن غيره من الأيتام، ومُتابعة تحصيله العلمي وحمل همِّه عند المرض، ومُحاولة الترفيه عنه كل فترة، بالخروج للمتنزهات مع أولاده الذين زادوا باسم كفالة اليتيم أخًا جديدًا؛ لعله سيكون سبب السعادة للجميع في العاجل والآجل.

 

• إن الهدف هو التكافُل، فلا تعدمَنَّ إلى الخير طريقًا حينما تضيق عليك الطُّرق إلى دور الكفالات المسجلة في الدَّوائر الرَّسمية والأهلية، فاكفل يتيمًا من جيرانك أو أقاربك، واجعله خبيئتك من العمل الصالح والمتاجرة مع الله – تعالى.

 

• من الشَّفاعة الاجتماعية الواجبة: ترقيق قلوب الناس على اليتامى، ومُحاولة استمالتهم دائمًا إلى الإسهام المتواصل في تنمية العمل التطوعي والأهلي، داخل المؤسَّسات وخارجها، وهذا الدور المنوط بأهل الفكر وأولي الأحلام والنُّهى، ومعهم رموز المجتمع الذين يثيرون أشواق الناس إلى ما يريدون، من أصحابِ أقلام، وخدمة مَحابر، وصحافيين، ومعلمين، وباحثين، ووعاظ، وغيرهم، بأنْ يحمل كل فردٍ منهم همَّ اليتامى من جديد على نية تنمية العمل لهذه الفئة الخاصة، وَفْقَ متطلبات المرحلة الراهنة بكل إمكانياتها.

 

ومن المؤسف أنَّ كثيرًا من هذه الشرائح التي يفترض فيها أنْ تكونَ مُؤثرة وفاعلة في تنبيه أفراد المجتمع إلى إكرام اليتيم – ما زالت في ذهول مطبق عمَّا يجب فعله؛ بل إنَّ الكثير منهم يضرب الصفح عن الخوض في مثل هذه السبل؛ إما جهلاً بقيمة نفسه، أو خوفًا من ملام الناس الدؤوب، ونقدهم الدائم لأهل الخير، ومن وراء ذلك تقاعس الكثير من المحسنين عن نشاطهم الإيجابي الذي يُحقق رضا الله، وكرامة المجتمع؛ بسبب الألسنة التي ترجُم الصَّالحين، ولا ترى عيونها عوجًا في مسالك الطالحين.

 

لا بُدَّ أنْ يثمر هذا العمر الطويل في رعاية وكفالة اليتامى في الإسلام، منذ نزل ثمارًا نضيجة من الفهم المستنير، وحسن التعمق في الفهم؛ حتَّى ندرك الأهداف التي من أجلها أمرنا الله – تعالى – بإكرام اليتيم.

 

إنَّ هذه القروش الزهيدة من المال، التي يُنفقها المحسنون على اليتامى في شكل كفالة، ليست كل شيء مطلوب، وإن كان مهمًّا؛ إن ذلك يحتاج فورًا إلى تغطية روحية ومعنوية، يتمُّ بها التواصُل بين اليتامى ومن يقومون على كفالتهم ورعايتهم.

 

التحذير من إيذاء اليتيم

ومن حقوق اليتامى في الإسلام: أنْ يكونوا في منعة عن الإيذاء بأي صورة منه؛ ذلك لأنهم مبتلون بالحرمان من الآباء، وإنَّ وَقْعَ الإيذاء على نفوسهم سيكون أثره عنيفًا وسلبيًّا؛ لذلك حرص الإسلام على إكرامهم، وحثَّ عليه، وعاتب من لم يكرمهم؛ قال الله – تعالى -: ﴿ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾ [الفجر: 17]، ونقم الشَّرع الحنيف على كل مَن آذى يتيمًا واصفًا إياه أنه من المكذبين بدين الله – تعالى – قال الله – عز وجل -: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ [الماعون: 1، 2]؛ أي: يظلمه ويهينه بأي صورة.

 

وقد تمادى بعض الذين ظلموا أنفسهم بإيذاء اليتامى، بعد أن أكرمهم الله – تعالى – بأن جعلهم مسؤولين عنهم، كأعمامهم، أو أزواج أمَّهاتهم، فساموهم سوء العذاب، وحوَّلوا حياة أيتامهم إلى جحيم لا يطاق، وأكلوا أموالهم، وواقعُ الحياة زاخر بأمواج البشر الذين آذوا اليتامى، وكانوا لهم في الأرض فتنة، وقصص الأشقياء بظُلمهم مَروية في سمع الأيام غير مطويَّة، نقرؤها بمداد الأسى على صفحات الجرائد، ونراها على الشاشات، ونطالع فصولاً حيَّةً من هذا اللؤم الاجتماعي الرخيص في بيوت الجيران أحيانًا، فأين هم من تحذير النبي الكريم – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنِّي أحرِّج حقَّ الضَّعيفين: اليتيمِ والمرأةِ))؛ (رواه أحمد (2/ 439)، وابن ماجه في الأدب 3678)؟!

 

مستقبل أولادك بعد رحيلك المقدور

لا شكَّ أننا جميعًا على جناح سفر، وسنودع هذه الحياة الفانية، وَفْقَ أقدار الله، التي لا يعلمها الناس، ورُبَّما أن الأجل قريب، وعمَّا قليل سيدخل أولادك عالم الأيتام، فهل فكرت في التأمين المنشود على مُستقبل أولادك بعد دخولهم في زمرة اليتامى؟

 

إن الإسلام يدعوك لذلك من طريقين:

الأول:

الكدح والسَّعي، وبذل الأسباب، والتخطيط لهم بعد رحيلك، فإنَّ أولادك هم امتدادك بعدك، ومن المطلوب التفكر في شأنهم بتدبير سديد؛ قال الله – تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ [الحشر: 18]، “ولما دخل النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – على سعد بن أبي وقاص يزوره في مرض الموت، قال له سعد: يا رسول الله، أريد أنْ أتصدق بثلثي مالي؟ قال: ((لا))، قال: أتصدق بنصف مالي؟ قال: ((لا))، قال: أتصدق بالثُّلث؟ قال: ((والثلث كثير))، ثم قال: ((إنَّك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تتركهم عالةً يسألون الناس))؛ (رواه البخاري في الجنائز 1295، ومسلم في الوصية 1628/5)، فهذه صورة من السنة المطهرة ترسخ لمعنى التوكُّل على الله – تعالى – إذ إنَّ التوكل هو تعلُّق القلب بالله – تعالى – مع الأخذ بالأسباب.

 

الثاني:

قبول الشرط مع الله – تعالى – بتحقيق التقوى، والقول السديد؛ حتَّى يُحقق الله الوَعد بحفظ أولادك إذا دخلوا في زُمرة اليتامى وهم ضعفاء؛ قال الله – تعالى -: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [النساء: 9]، فلا خوف، ولا قلق مع وعد الله – تعالى – برعايتهم وهو كفيل عباده.

 

إنَّه وعد يثير همة أهل التَّقوى، ويُحرضهم عليها سلوكًا لازمًا لهم، مع حفظ اللسان عن شوارده وبَغيه، ومن ثم يتولى الله أولادك بالادخار لهم من وراء كل تاجر، كما حفظ ولديْ أهل الصلاح في قصة موسى والعبد الصالح؛ حيث يقول الله – تعالى -: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ…﴾ [الكهف: 82]، فصلاح الآباء ينفع الأبناء بعد موت الوالدين، إذا كان لهما في التقوى، وحفظ اللسان منزعٌ ونصيب.

 

نداءات حية ورجاء ضارع

وأخيرًا:

مع التواصي بالخير للأيتام، وقد آذن البيان بالوداعِ أبث نداءاتٍ سريعةً خاطفة عجلى بلا ترتيب، عساها تغير شيئًا يطيب به الختام.

 

أولاً:

إلى أهل الدثور أصحاب الأموال، الذين أخلفهم الله – تعالى – في بعض ماله، وجعل لهم بين الناس جاهًا، وعزًّا، وصولة، وسلطانًا، وهو وحدَه القادر على أن يبقيه معهم، أو يقبضه منهم، فهو سبحانه القابض الباسط… أقول لهم: أنتم تعلمون أنَّ المال مال الله – تعالى – لأنَّه – سبحانه – القائل: ﴿ وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ… ﴾ [النور: 33]، ويقول: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ… ﴾ [الحديد: 7]، وأنَّ لهذا المال عند ربِّه ومالكه الحقيقي خطة، من التزم بها، أخذ خيرها، ومن حاد عنها، حُرم بركتها، فالزم الجادة، واحذر بُنَيَّات الطريق، وتأمَّل مع القائل قوله:

قَدِّمْ لِنَفْسِكَ خَيْرًا 
وَأَنْتَ مَالِكُ مَالِكْ 
مِنْ قَبْلِ أَنْ تُصْبِحَ فَرْدًا 
وَلَوْنُ حَالِكَ حَالِكْ 
وَلَسْتَ وَاللَّهِ تَدْرِي 
أَيَّ الْمَسَالِكِ سَالِكْ 
إِلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ أَمْ 
فِي الْمَهَالِكِ هَالِكْ 

 

لا شَكَّ أن جهاد الأغنياء يتجلَّى في الإنفاق في سبل الخيرات، هذا هو دورهم الخيري المنوط بهم في المجتمع المسلم؛ لأنَّ مالهم هو كلمتهم المسموعة، وهو أجنحتهم السبَّاقة إلى قلوب الناس، وهو وحدَه الذي يؤدي دور المتحدث الرسمي عنهم ببراعة وإقناع، وأنَّ الغنيَّ البخيل أبكم بين الناس، حتَّى ولو كان أفصح البلغاء، ولا زالت الدعوة من الله بذلك قائمة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها – فقط – لاختبار خلقه؛ كما قال الله – تعالى -: ﴿ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38]، والله – عز وجل – قد دبَّر أمر الخلق قبل أن يخلقهم، فهو – سبحانه – غير معلول في رزق يتيم إلى غنيٍّ، أو مالك مال في الدنيا مفلس في أمر دينه، كلاَّ كلاَّ، فمن يضيع أو يبخل فعن نفسه، والله – عز وجل – كفيل اليتامى؛ ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ [الزمر: 36].

 

فيا أيها الموسر الكريم:

لله أمرك وعطاؤك، والإخلاف من الكريم قادم بعد العطاء منك، وتقديم الدَّليل، فانثر بذور الخير في الدُّنيا، يطب لك المقام بجنات الخلود مع الذِّكر الجميل الخالص من أفواه الصادقين، والذكر للإنسان عمرٌ ثان.

 

أيها الموسر الكريم:

إنَّ التاريخ لم ينعت أبا بكر الصديق والمسمَّى قارونًا بنعتٍ واحد، وكلاهما كان مالكًا للمال، فالصديق خير من دَبَّ فوق الثَّرى بعد الأنبياء، والثاني خسيفٌ مدحور، وفرقٌ بين الثرى والثُّريَّا، وإنَّا على يقين أنك تحب الصديق أبا بكر – رضي الله عنه – فانهض إلى مثل عمله يرحمك الله.

 

أيها الموسر الكريم:

إنَّ هناك الملايين من المسلمين يرجون ربَّهم صباحَ مساء أنْ يكونوا في مثل مَوقع قيادتك لما تملك؛ حتى يلبُّوا داعيَ الله في الإنفاق في سُبُل الخيرات، التي منها الإنفاق على اليتامى، والله يعلم سرائرَهم، وقد أخبرنا ربنا – تبارك وتعالى – عن صنفٍ يتمنَّى فضل الله بوفرة المال، ويُشدد في العهود، ثم ينقض العهد مع أوَّل مذاقات الغنى، الذي يُربك مشاعر أهل الدنيا، وينسيهم مَبادِئهم، ويُمنيهم وعد الغرور؛ قال الله – تعالى -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [التوبة: 75 – 77]، فتذكر حالَك قبل النِّعمة، ولا تُخْفِرِ اللهَ عهودَك مع مَن لا يغفل، ولا ينسى ولا ينام، فانتقامه – كما علمت – لا يطاق، وقيِّد نعمة ربِّك بالشكر؛ حتى تدوم، والشكر قول وعمل.

 

وأسوق إليك – وُدًّا – هذه الوصية الغالية لشاعر النِّيل حافظ إبراهيم يقول فيها:

أَيُّهَا الْمُثْرِي أَلاَ تَكْفُلُ مَنْ 
بَاتَ مَحْرُومًا يَتِيمًا مُعْسِرَا 
أَنْتَ مَا يُدْرِيكَ لَوْ رَاعَيْتَهُ 
رُبَّمَا رَاعَيْتَ بَدْرًا نَيِّرَا 
رُبَّمَا أَيْقَظْتَ سَعْدًا ثَابِتًا 
يُحْسِنُ الْقَوْلَ وَيَرْقَى الْمِنْبَرَا 
رُبَّمَا أَيْقَظْتَ مِنْهُمْ خَالِدًا 
يَدْخُلُ الْغِيلَ عَلَى أُسْدِ الشَّرَى 
كَمْ طَوَى الْبُؤْسُ نُفُوسًا لَوْ رَعَتْ 
مَنْبَتًا خِصْبًا لَصَارَتْ جَوْهَرًا 
كَمْ قَضَى الْيُتْمَ عَلَى مَوْهِبَةٍ 
فَتَوَارَتْ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى 
إِنَّمَا تُحْمَدُ عُقْبَى أَمْرِهِ 
مَنْ لِأُخْرَاهُ بِدُنْيَاهُ اشْتَرَى 

 

ثانيًا:

إلى كل من ابتلاه الله باليتم، إلى أجنحة الرَّحمة ونسمات الإيمان المباركة في المجتمع، وإلى من هم أسباب مضمونة للسَّعادة في العاجل والآجل:

• في عقولكم كفاية الفكر، وفي راحتيكم فيض النَّدى وأنتم – بلا شك – لستم أقلَّ من غيركم فيما وهبتم به من ربِّكم ومولاكم، فارتادوا فضاء المجد من أوسع أبوابه؛ لأنَّكم أهله، ولا يعجزنكم شيء؛ فما ينقصكم شيء، إذا كان الله معكم.

 

• مواهب الخير كامنة في نُفُوسكم فأخرجوها، حتى تشرق الأرض بنور ربها.

 

• أبرق جو الإيمان، وسيمطر بكنز العطاء بعد قليل، فانتظروا الفرج.

 

• أكثر الناس ألَمًا هم أكثرهم حسًّا، ومن ثَمَّ أكثرهم رحمة وبرًّا وعطاءً.

 

• أمتكم في انتظار حظها من الأمجاد على أيديكم.

 

والله يرعاكم ويحفظكم بعينه التي لا تنام.

 

وأخيرًا:

أسأل الله – تعالى – بمنِّه وكرمه أنْ يُثيب كلَّ من يقوم على أمر اليتامى بجزيل الأجر، وواسع المغفرة، وأنْ يهبَ الرِّضا والنُّعْمَى والعوض الجميل لكل مُبْتلى باليتم وأنكاده، وأن يجعل هذا الجهد مقبولاً عند الله، ونافعًا بين العباد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

وصلَّى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/6388/#ixzz5c39XB3ok

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.