عن احترام الأمر القانوني الملكي

غريبة حقا هي فضيحة المقهى الموري، المسمى مقهى الأوداية في الرباط، الذي جرى هدمه عن كامله في الشهر الماضي تحت ذريعة صيغت بشكل موجز وفضفاض، وهي تنفيذ مشروع ترميمي يحافظ على الهوية الثابتة والأصلية والحقيقية للمكان.

لقد سال مداد كثير عن عملية الهدم هذه.

وأثارت المسألة حفيظة المهندسين المعماريين والخبراء والمخططين الحضريين والمؤرخين والسياسيين ومحبي الزمن المتوقف في مقهى عمَّر قرنا من الزمان داخل مكان عُمْره ألف عام.

لن يتم التعليق على ما أفاده والي الرباط، السيد محمد اليعقوبي، من أن المقهى آيل للسقوط.

ولن تتم إثارة كلمات رئيس بلدية الرباط، السيد محمد الصديقي، المُحرِّفة للحقيقة.

ولن يتم الخوض في استنكار اليونسكو من خلال صوت مركز التراث العالمي التابع لها.

سيكون تناول المسألة تناولا قانونياً بحتاً، لأن قضية مقهى الأوداية تقع أيضاً – قبل أي شيء – تحت طائلة القانون.

لن يتم الخوض في حيثيات القانون الدولي وبخاصة العنوان الرابع “إجراءات متابعة حالة صون ممتلكات التراث العالمي”، لا سيما المادتين 172 و173  ، المبادئ التوجيهية لتنفيذ اتفاقية اليونسكو الخاصة بالتراث العالمي، الصادرة في يوليو 2012 .

ولا في انتهاك التام الذي طالهما وأدى بمديرة مركز التراث العالمي المرموقة، السيدة ميشتيلد راسلر، إلى الرد بقوة.

ولكن سيتم التطرق للقانون الوطني، السيادي، المغربي.

لأن المسألة مسأـلة سيادة.

في نظر القانون، ينطبق على الأوداية مصدر واحد و فريد، وهو الظهير الملكي المؤرخ في 6 يونيو 1914:

ظهير شريف يعين به جميع أقسام قصبة الأوداية بالرباط من الآثار التاريخية

الحمد لله وحده

(الطابع الشريف لمولاي يوسف)

إلى خدامنا الأوفياء، العمال والقياد في إيالتنا الشريفة وإلى كافة رعايانا

يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره

أن جلالتنا الشريفة

  منصف فاضيلي، “المقهى الموري، المعروف بمقهى الأوداية”، المغرب الدبلوماسي، 20 يونيو 2020.

  من بين ما كتب في الموضوع، ثمة: نعيم كمال،”هنا يرقد مقهى الأوداية ميتا”، Quid.ma، 15 يوليو 2020/ كنزة اليوسفي وأنايس لوفيبور: “المقهى الموري: خفايا ترميم مثير للجدل”، تيل كيل، 16 يوليو 2020/ سهام جدراوي، “جدل حول ترميم المقهى الموري للأوداية”، أوجوردوي لو ماروك، 17 يوليو 2020 ، مايا زيدون، “تدمير المقهى الموري للرباط: هذا طرح الوالي”، لو 360، 17 يوليو 2020.

 لقد جرى إخبار اليونيسكو التي أدرجت مدينة الرباط عام 2012 ضمن قائمة التراث العالمي وأعربت عن موافقتها.

تدعو لجنة التراث العالمي الدول الأطراف في الاتفاقية إلى إخطار اللجنة، من خلال الأمانة، بأنها تعتزم القيام أو الترخيص بالقيام، في منطقة محمية بموجب الاتفاقية، بأعمال ترميم كبرى أو بناء إنشاءات جديدة، يمكن أن تؤثر على القيمة العالمية الاستثنائية للممتلك. وينبغي أن تقدم هذا الإشعار في أبكر وقت ممكن (مثلا، قبل تحرير الوثائق الخاصة بمشروعات معينة) وقبل اتخاذ أي قرار قد يصعب الرجوع عنه، لكي تتمكن اللجنة من المساعدة في الوصول إلى حلول مناسبة لتأمين المحافظة الكاملة على القيمة العالمية الاستثنائية للممتلك.

 تطلب لجنة التراث العالمي تضمين تقارير بعثات استعراض حالة صون ممتلكات التراث العالمي ما يلي: (أ) بيان ما يتهدد صون الممتلك من أخطار أو ما طرأ عليه من تحسينات ملموسة منذ آخر تقرير للجنة التراث العالمي؛ (ب) ما تم بصدد تنفيذ قرارات لجنة التراث العالمي السابقة بشأن حالة صون الممتلك؛ (ج) معلومات عن أي تهديد أو ضرر أو انحسار طرأ على القيمة العالمية الاستثنائية والسلامة و/أو الأصالة التي سوغت إدراج الممتلك في قائمة التراث العالمي.

نظرا لما يتعلق بصيانة قصبة الأوداية بالرياط من الفائدة الفنية والتاريخية؛

وبناء على ظهيرنا الشريف المؤرخ في السابع عشر من ربيع الأول عام 1332 وعلى استشارة رئيس إدارة الآثار القديمة والفنون الجميلة والأبنية التاريخية؛

وبناء على طلب الصدر الأعظم

قد أصدرنا أمرنا الشريف بما يأتي :

فصل فريد – تُقيَّد في عداد الأبنية التاريخية الأماكن الآتية الكائنة في قصبة الأوداية بالرباط وهي الباب الكبير والبناء المعروف بالمدرسة مع ملحقاتها والسور والحصون والأسوار المنيعة والزوايا المحصنة للقلعة والجدران وعلى العموم كل بناءات القصبة المذكورة التي هي ملك المخزن الشريف والسلام.

حرر برباط الفتح في الحادي عشر من رجب عام 1332

الموافق للسادس من يونيو سنة 1914.

يُعتبر المقهى الموري، المسمى أيضا بمقهى الأوداية، والذي افتتح ثلاث سنوات بعد صدور الظهير بطبيعته جزءا من القصبة المملوكة للمخزن، بما أنه صرحه يندمج هيكليا فيها.

ومادامت قصبة الأوداية وأيضا المقهى الموري التابع لها، مصنفين بموجب ظهير ملكي، فإن أي مساس بهما أيا كان نوعه، من ترميم وتعديل، ناهيك عن الهدم والتدمير، لا يمكن أن يتأتى إلا بقرار ملكي .

إن القول بذلك يُعلَّل بما يصطلح عليه بالتوازي بين الأشكال، وهو مبدأ مكرس في القانون الروماني والقانون العام، ومعمول به في العالم العربي (التوازي بين أشكال) : لا يمكن سحب قرار اتُّخذ في شكل معين أو حذفه أو إلغاؤه أو تعديله إلا بواسطة شكل مماثل.

ويرتبط مبدأ توازي الأشكال بمسألة إسناد الاختصاصات: فالدستور وحتى القانون يحددان هوية السلطة ذات الاختصاص بهدف تمكينها من التصرف على نحو مفيد بمقتضى تلك الصفة في مجال من المجالات.

فالشخص المرخص له على النحو المحدد في النصوص وحده له صلاحية تعديل أو إلغاء القرار الذي اتخذه بشكل قانوني.

أي أنه يمكنه عمليا اتخاذ قرار مخالف لحذف القرار المعني من المنظومة القانونية، بشكل تصبح آثاره سارية فقط في المستقبل، أو يتم اعتبارها وكأنها لم تكن.

ولكي يكون تصرف إداري ما صحيحاً، ويبُثَ فيه القاضي الإداري في حالة حدوث نزاع بشأنه، ينبغي له أن يحترم الشروط الموضوعية والشكلية، ويجب أن يكون صادرا عن سلطة لها الاختصاص في ذلك الشأن.

ويعني ذلك، أن التصرف يجب أن يصدر عن الشخص المختص أو السلطة المختصة، المخول له أو لها القيام بذلك. وإذا قررت هذه السلطة إلغاء التصرف، يجب أن تكون هي نفسها الجهة التي اتخذته أو أحدثته، عملا بمبدأ توازي الاختصاصات.

وفي جميع الأحوال، فإن السلطة المخول لها التدخل في مجال معين هي وحدها التي تستطيع اتخاذ إجراء إداري يتعلق بذلك المجال. وينبثق هذا التفويض عموما من قواعد دستورية أو تشريعية مكتوبة.

ولكن ماذا عن ترامي مرؤوس على اختصاصات رئيسه؟ يتعلق الأمر هنا بحالة واضحة لعدم الاختصاص الموضوعي.

وماذا لو اتُّخِذت قرارات إدارية أحادية الجانب؟ يمكن تحديد مسطرة اعتماد القرارات الإدارية أحادية الجانب بواسطة نصوص. وخلافا لذلك، سيتعين على الإدارة الالتزام بعدد من القواعد: يجب أن تُفسِح مسطرة إعداد القرار، عند الاقتضاء، المجال

 إن إسناد تدبير المقهى الموري- إلى جانب حديقة الأوداية إلى وزارة الثقافة لا يغير البتة النص الملكي الأصلي  القاضي بالتصنيف، باعتبار أن العقار غير المبني والمبني مملوك للمخزن.

للقيام بمشاورات وتحقيقات مسبقة. وعلاوة على ذلك، عندما يتعلق الأمر ببعض أنواع القرارات، يتعين على السلطة المختصة احترام مبدأ الاستماع لجميع الأطراف – الحق في تقديم ملاحظاتهم قبل اتخاذ القرار.

الكل، مع العلم أن القرار الإداري لا يمكن أن يتسم بالتعسف. إذ يُفترض أن يكون لديه أسباب مكتوبة تعلله، ناتجة عن مزيج من العناصر القانونية والواقعية.

في ضوء كل ما سبق، ماذا يمكن قوله عن والي يعتبر أن رئيسه هو “الملك، رئيس الدولة وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها”.

ينبغي التوضيح – رغم أن الأمر بديهي ولا يحتاج لذلك، أنه ما عدا الملك، لا يمكن لأي أحد أن يتطاول على قرار ملكي.

يقول تاليراند “إذا كان من نافلة القول، فالقول أفضل.”

لذلك دعونا نوضح: فمن خلال قراره الانفرادي، القاضي بهدم وتدمير المقهى الموري، المعروف بمقهى الأوداية، دون إجراء استشارة أو تحقيقات مسبقة، ودون احترام مبدأ الاستماع للأطراف، الكل دون تعليل ذلك قانونا أو فعليا، يكون والي الرباط قد انتهك القانون وتعسف في اتخاذ قراره.

والأسوأ هو أن الوالي من خلال قراره الانفرادي، القاضي بهدم وتدمير المقهى الموري، المعروف باسم مقهى الأوداية، المصنف كمعلمة تاريخية بموجب ظهير ملكي، وفرضه حالة من عدم الاختصاص الموضوعي، ومسه بمبدأ توازي الأشكال، يكون قد انتهك الدستور ومادته 46.

واحتياطيا، فإن الشخص المكلف بمهمة ضمان النظام العام قد تسبب للأسف وبكل التأكيد في عكس ذلك، إذ أخل بالنظام العام، وجرح الذاكرة المغربية الجماعية إلى الأبد.

ولقد ارتكبت مؤخرا سابقة شنيعة في الدار البيضاء.

إلى متى سيستمر النزيف؟

هاشم الفاضيلي