القيم والأخلاق … أحـزاب تقاعسـت عـن التأطيـر

بنيس قال إن التطرف والاغتصاب والانتحار و״التشرميل״ دليل على اختلال المنظومة القيمية

انهارت القيم الاجتماعية التي كانت سائدة في مغرب القرن العشرين، من قبول التعايش المشترك مع ديانات مختلفة بين اليهود والمسلمين في أحياء المدينة الواحدة، إلى التضامن والتآزر مع الفقراء لتجاوز المحن، والمشاركة في رفع الظلم، والدفاع عن العدالة الاجتماعية، والإحسان إلى المهمشين، دون انتظار مقابل ذلك.

ورغم أن 95 في المائة من المغاربة كانوا يعيشون تحت عتبة الفقر، فإنهم لم يبيعوا كرامتهم، ولم يمارسوا العنف ضد الآخرين المختلفين معهم، ولم يعتدوا جسديا على طريقة ” تشرميل” لسرقة محفظة بها 10 دراهم، ولم يتلذذوا باغتصاب فتاة وتصويرها، ولم يكونوا يعتدون حتى على ممتهنات الجنس في ساعات متأخرة من الليل، إذ الكل يحترم الآخر.

ولم يتفق المغاربة وهم يناقشون الوضع السياسي في مقار أحزابهم، على أن يتنافسوا على اقتناء العقارات، واستغلال النفوذ لشراء أراض فلاحية بأسعار بخسة، وإدخالها إلى المدار الحضري، لبناء عمارات سكنية، وتحويل مشاريع عامة إلى مشاريع عائلية، ونهب المال العام في المؤسسات العمومية، واستغلال البسطاء للكذب عليهم، وشراء ذممهم انتخابيا، والتحايل على القانون، لتهريب الأموال، وخوض معارك باستعمال المال لربح مقعد انتخابي، وممارسة الضغوطات للتعيين في المناصب العليا، ولتبادل المنافع، وتهميش الكفاءات.

وأطرت المركزيات النقابية والأحزاب السياسية المواطنين منذ ستينات القرن الماضي إلى الثمانينات، عبر أذرعها الجمعوية في نوادي السينما، ودور الشباب والمخيمات الصيفية، على قيم الدفاع عن الحقوق، والقيام بالواجبات التي يمليها الضمير المهني بنكران الذات، ومساعدة التلاميذ على تقوية قدراتهم العلمية والتعليمية، بتخصيص ساعات إضافية مجانا، في الرياضيات والفيزياء، واللغات الأجنبية، إذ استبقت هذه الأحزاب دستور 2011، وساهمت في تكوين المواطنين، والمساهمة في نشر الوعي والثقافة بينهم عبر إصدار ملاحق ثقافية أسبوعية والتنافس بينها لزرع قيم التسامح لحظة حصول اختلاف فكري وسياسي، وعززت انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن المحلي والعام، بالحرص على نظافة اليد، وخدمة المواطنين، والمصالح العليا للوطن، إذ تكامل عمل الأحزاب مع وظائف الأسرة، والمدرسة والحي، والإعلام العمومي في التربية على قيم حقوقية كونية، رغم انتشار الأمية وسط الملايين من المواطنين.

لكن ماذا تغير حتى انهارت القيم المجتمعية، وتراجع دور الأحزاب في تأطير المواطنين، وتخليق الحياة السياسية، وتراجع دور الأسرة، والمدرسة والإعلام العمومي، في التكوين وتعلم السلوك المتحضر في التعامل مع البيئة، والحيوانات، والإنسان.

يتساءل سعيد بنيس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط، في تصريحات ل” الصباح”، عن الكيفية التي يمكن من خلالها توصيف الوضعية السوسيولوجية للمنظومة القيمية؟ وهل هي من قبيل اختلال، أو عطب ناتج عن تغير أو تحول، أو دينامية أو مكاشفة، أو تفاقم، أو “وسائطية” متضخمة، أو تعتيم، أو انحلال، أو تحلل، أو موت، أو أزمة؟
وقال بنيس، إن من الظواهر والوقائع المتصلة باختلال المنظومة القيمية يمكن ذكر أمثلة مثل التطرف والانتحار، وإضرام النار في الأجساد وحرب الطرقات والاغتصاب والسرقة المقرونة بالعنف والغش في الامتحانات والتحرش الجنسي و” التشرميل” والشغب الرياضي والعنف ضد الأصول.

وأكد الأستاذ الجامعي، أن الظاهرة القيمية بالمغرب لا يمكن فهمها من زاوية أنها أزمة قيم، بل من باب أنها “احتباس قيمي”، على منوال “الاحتباس الحراري”، التي سترهن مستقبل الأجيال المقبلة، ذلك أن التحول القائم في السلوكات سيؤدي إلى كوارث اجتماعية يصبح معها التعايش والعيش المشترك مستحيلا، كما هو الأمر بالنسبة لظاهرة الاحتباس الحراري الذي يهدد حياة الإنسانية، مضيفا أنه استعمل مفهوم “الاحتباس” لتحميل المسؤولية للمجتمع، جراء تراكم أفعال “الانفلاتات القيمية”، ولهول العواقب خاصة بالنسبة للشباب الذين يتحركون وينشطون دون مرجعية قيمية، ما رفع من شأن كل الأشكال الإجرامية المتنوعة، والإيديولوجيات المتوحشة والمتطرفة.

وأضاف بنيس أن هناك جسورا عدة تساعد على التحول القيمي من جسر الرقمي، الذي فسح المجال للمواطنين الاطلاع على عوالم جديدة بمتابعة حوادث القتل بالأسلحة والتفجيرات، وكأنه يشاهد مشهدا من أفلام الرعب، فيصبح تحت تأثير العنف، والعنف المضاد، فجسر الإعلام العمومي الذي أصبح مهتما بالإشكالات العائلية، والعنف، والجريمة ونوعية المجرمين بطريقة ترسخ سلوكات بدون قيم، ما يعني “احتباسا قيميا” يتطور من الأزمة إلى الكارثة، إذ أصبح الفضاء العام مستباحا، ولم تعد المؤسسات تقوم بواجباتها في المجال التربوي، من الأسرة إلى الحزب، مرورا بالمدرسة ودور الشباب، والإعلام العمومي وغيره، لذلك لا بد من إحياء القيم، حتى في ظل انهيار المؤسسات.

أحمد الأرقام