إنزلاق المسرح و الموسيقى في الرداءة

الفن كما هو معروف، مرآة تعكس هوية و ثقافة الشعوب، و حتى وعيها الوجودي، فكما تقول “نادين غورديمير”: (قد لا توجد طريقة أخرى لفهم الإنسان إلا من خلال الفن)، فالفن ليس له بداية و لا نهاية، الإنسان قبل أن يضع قدمه على هذه الأرض، و بعد أن داست قدماه عليها، لفتت الأرض عيناه من ذاك الجمال و الإبداع الموجود في الكون، و مازال الانسان حائرا لكل هذا الذي أمامه، و يقف منبهرا أمام خالق هذا الكون، و يقول مع نفسه، أي فنان هذا؟ و أي جمال هذا؟ يعجز الانسان على فعل كل هذا، و ينحني و يرفع القبعة لهذا المبدع الخارق. يحاول الانسان دائما أن يجاري كل شيء في الحياة، يجاري نفسه، و غيره، يتحدى حتى الكون و ما فيه. يجري نحو كينونته و قدرته و غرائزنه و أحاسيسه، يحاول أن يعبر عنها و يرمي بها نحو الوجود، ليجاريها بنو جلده، أو يسخط عليه آخرون، ليولد من هنا ذاك الاختلاف الذي هو سر وجودنا، و حقيقة تقدمنا في الحياة، و حقيقة انكسارتنا في نفس الآن.

عذوبة الحياة و تشبثنا بها هي كل تلك الاختلافات و الاعتقادات حتى نظرتنا للحياة، من إنسان مادي، و آخر روحاني يؤمن بالحرية و الكرامة و الحب و الهناء. إن الشعب الذي لا يقدر هويته و ثقافته و يستغلها من أجل أن يكسب منها أو أن يسترزق منها فهو بالأساس شعب أو مجتمع ميت داخليا و وجدانيا، لأنه هناك من يرى بأن هذه الحياة هي فرصة و تمر أو تنتهي عندما يفارق الانسان الحياة، أو أن حياته تنتهي عندما يغادر هذا الكون إلى دار البقاء كما يسمونها، و لكن هل حقا هذا ما يحدث؟ أليست هناك حياة أخرى؟ حياة تكون فيها غير موجود بين بني البشر، و لكن عندما يذكر اسمك، بالمدح أو الذم… أو لا يذكر نهائيا، يذهب اسمك في دواليب الرياح، و تنسى… إن نظرة الدول المغاربية في وقتنا الحالي للفن و الآداب في الآونة و العقود الأخيرة، تعكس حقيقتنا و و وعينا، فحين نجد أن الكاتب أو الفنان أو المبدع الذي يحفر في عيوبنا و مآسينا، و يبحث أو يوجهنا نحو حقيقتنا، يكفر أو يدان أو يهمش، فنحن إذن أمام أزمة ثقافة و أزمة ذات،

فحين ينظر إلى الفن على أنه ليس إلا وسيلة للتسلية و الترويح عن النفس، فإننا أمام إما خطأ أو تعثر. و قبل أن نضع الأصبع على ما يؤرقنا من كل هذا، لابد أن نشير إلى الحضارة المغاربية – الأمازيغية التي يقدر عمرها 700000 ألف سنة، غير أنه هناك من يريد أن يمحي هذا التاريخ كله، و يريد أن يختزل تاريخ المغرب في 1200 سنة، أي الفترة التي حكم فيها الأدارسة المغرب، و هذا موضوع آخر، فقط هي إشارة لمعرفة المنحنى التاريخي الحقيقي للمغرب. هذا الزمن الطويل و الحافل بكثير من الأحداث الذي هو استشراف للمستقبل، فكما يقال : (من لا تاريخ له لا مستقبل له).

فالفن له دور كبير في أن يعرف بتاريخ هذه الحضارة و ثقافتها، أن يعرفنا على أنفسنا و تاريخنا و تاريخ أجدادنا، في حين أن الفن عندنا صار وسيلة للإسترزاق و البحث عن طرف خبز ساخن، و هذا ما نشاهده اليوم، و النقد الذي يمكن أن نوجهه، إذا أردنا توجيه أصبعنا، فيكون ذلك انطلاقا من البيئة التي نحن فيها، أي أن نبدأ من نفسنا و محيطنا. فلا شك أن كل شخص له وعي بالفن و الإبداع قد يشمئز لما يحدث أمامه اليوم (أتحدث عن المهرجانات الموسيقية و المسرحية بالحسيمة)، ففي في السنوات الماضية كان الالحاح على الجانب الابداعي في هذه المدينة وعيا بهذا الجانب، ولكن حين تزاحمت الأرجل و الأيدي في القاع، فصار لم يعد ما يغري. “شربنا من البير ملي كان زين و ملي تخلطوا فيه اليدين خليناه لغسيل الرجلين” ففي تتبع لي لأحد المهرجانات المسرحية التي تظهر على الواجهة، حيث نظمت مسابقات في كثير من الأصناف الابداعية للمسرح، ولكن في صمت يغلب عيله الحذر، و حين الاعلان عن الفائزين، كان أيضا في حذر، و ما أغضبني كون أحد المشاركين في صنف الكتابة المسرحية، و الذي أعتبره متمكنا جدا من الأمازيغية، قبل بالرفض و أن كتاباته لم ترقى للمستوى الابداعي و اللغوي، و قد أثار المشارك غضبه من الأمر،

و هنا نتساءل، هل هناك من يردع هؤلاء الداخلين على الفن؟ أم أننا ضمن حفنة من السفهاء الذين يتقامرون في الابداع؟ و ما يغيض أكثر كون كل الندوات التي تنظم هي محصورة في مواضع لا تسمن و لا تغني هذا الفن، أي المسرح، فمثلا المسرح الأمازيغي لا يمكن أن نربط بينه و بين المرجعية العربية أو الفرنكوفونية و غيرها، لأنه لكل شعب خصوصية و لا يجب أن تداس على حساب هوية أخرى، فنجاح أي ابداع راجع بالرجوع للتراث و الهوية، لا أن نستسيغها من ثقافة أخرى، فهذا ازدراء و طمس للهوية، عن قصد أو عن غير قصد. في حين أن المهرجانات الموسيقية لها وجه آخر، كون المتلقي لا يعرف ما يحدث و لا يتساءل مع نفسه “حنا بغينا نشطوا وصاف”، ففي السنة الماضية في أحد المهرجانات الموسيقية، التي أقيمت بمدينة الحسيمة، و التي وصل بها الأمر إلى أن قامت بإشهار لأحد الشركات التي تبيع “المعكرونة” من أجل أن تنظم مهرجانها، دون أي استحياء، و أنت في قاعة العروض تشاهد الجمهور يستمتع بأكل “المعكرونة” و مشاهدة العرض الموسيقي “شخبط شخبط”،

هل أصبحت الموسيقة رخيصة لهذا الحد ليصل بنا الأمر إلى هذا الحال؟ و حين علقت على الأمر و رميت بموقفي في صفحتي هذه على الفيسبوك، و زرت المهرجان للمرة الثانية، استأذني مدير المهرجان و آخرون، و أبدو إزعاجهم مني و من موقفي، في حين أن شخص آخر أراد أن يتعارك (هههه). إن الوعي الذي يتحصن به الفنان أو المبدع صار مقترنا بالغضب و العراك، أو الاقصاء. إن النقد لم يكن يوما صراعا، فكما يقول “هلموت شميت” (من لا يتقبل النقد فلابد أنه يخفي شيئا)، فهو تعبير عن الجيد أو الرديء، في أفعال أو إبداعات، أو مواقف يتخذها الشخص أو مجموعة من الأشخاص في مختلف المجالات من وجهة نظر الناقد، و هي فرصة للمنتقد ، أن يعرّف بمكامن ضعف أي ابداع، ليس لتصحيحها بل للتجديد أو تقديم منتوج أفضل و السير به نحو الأمام، فبلا نقد ليس هناك تجديد، و بلا نقد سنبقى في مكاننا عالقين، الناقد هو صديق المبدعين و حليفهم، إنه ذاك المساند.

عبد الرحيم دادي التسولي