عمليات الاغتيالات تعرقِل جهود “دعم الاستقرار” في العالَم العربي

تتتبّع ورقة بحثيّة أوجه إسهام محاولات اغتيال، أو اغتيال رؤساء حكومات وباحثين سياسيين ورجال دين ومواطنين، في “تغذية مضاعفات عدم الاستقرار في المنطقة العربية من نواحٍ عديدة”.

وتقدّم ورقة لمركز المستقبل للأبحاث والدّراسات المتقدّمة مجموعة من نماذج الاغتيالات التي تقوم بها “جماعات مجهولة، وكتائب مسلحة، وتنظيمات إرهابية في عدد من الدول العربية، مثل السودان وليبيا وتونس والصومال وسوريا والعراق”، وما تؤدّي إليه من “عرقلة الجهودِ الداعمة للاستقرار”.

وتخلص الورقة البحثيّة إلى أنّ عمليات ومحاولات الاغتيال في الدول العربية تعكس “حالة عدم الاستقرار المزمن في المنطقة، بدرجات متفاوتة”، دون أن توجد “مؤشرات توحي بقرب الخروج منها”، بل “تتزايد المتغيرات الداعمة لاستمرارها وربما تفاقمها”.

ومن بين نماذج الاغتيالات التي تستشهد بها الورقة ما يتعلّق بـ”مقاومة جهود وضع الأسلحة السائبة تحت سيطرة الدولة”، وهو ما تشير إليه حادثة اغتيال الخبير الأمني والمحلل السياسي هشام الهاشمي في العراق، في 6 من شهر يوليوز الماضي، على يد شخصين يستقلان مركبة، وهو الذي تشير كتابات إلى أن سبب اغتياله “يعود إلى التحول في مواقفه، فبعد دعمه دور قوات “الحشد الشعبي” في مواجهة تنظيم “داعش” وإنهاء سيطرته على عدد من المحافظات العراقية، بدأ يتخذ موقفاً مناوئاً من بعض الميليشيات المدعومة من قبل طهران”.

وتزيد الورقة: “كان يدعم الهاشمي خيار الإصلاحات التي تود حكومة مصطفى الكاظمي تنفيذها في القطاع الأمني، وخاصة ما يتعلق بوضع الأسلحة تحت سيطرة الدولة”؛ كما سبقت ذلك تصريحات أدلى بها بشأن “ضرورة تقديم الأشخاص المنضوين تحت سيطرة الميلشيات إلى العدالة بعد دورهم في مواجهة الحراك الشعبي منذ نهاية سبتمبر 2019″، وقد تلقى قبل وفاته تهديدات بالقتل من قبل “كتائب حزب الله العراقي”، إذ نشر زعيم تيار “مواطنون” العراقي، غيث التميمي، عبر حسابه الرسمي في موقع “تويتر”، محادثة جرت بينه وبين الهاشمي قبل تعرضه للاغتيال، تبرهن ذلك.

وتقدّر الورقة البحثية أنّ المرحلة المقبلة قد تشهد “تزايداً في عمليات استهداف الأكاديميين والصحافيين والجنود العراقيين، نظراً لوجود كم كبير من الأسلحة خارج نطاق سيطرة الدولة، علاوة على أن عدداً كبيراً من الميلشيات آمنة إلى حد كبير، وبعيدة عن المساءلة”.

وفي ما يتعلّق بـ”قوة اقتصاد الظل في بؤر الصراعات المسلحة”، تذكر الورقة أنّه على نحو ما عكسته الاغتيالات الغامضة في صفوف العسكريين المقربين من ماهر الأسد في سوريا، التي وقعت في أواخر يونيو وأوائل يوليوز المنصرمين في دمشق وريفها، “تم إعلان مقتل نزار زيدان قائد ميليشيا تابعة للفرقة الرابعة في قوات النظام السوري والعقيد علي جنبلاط، قائد تلك الفرقة؛ كما اغتيل رئيس فرع المخابرات الجوية بالمنطقة الشرقية العميد جهاد زعل، مع عدد من مرافقيه، واغتيل أيضاً العميد في المخابرات الجوية ثائر خير بيك، والعميد معن إدريس”.

وترى الورقة أنّ اللافت للنظر في حوادث الاغتيال هذه في صفوف رتب عسكرية تراوحت بين العقيد والعميد، “وقعت أمام منازلهم أو في مكاتبهم، مع حالة واحدة جرى استهدافها بالسيارة”، ثمّ تستحضر ما تشير إليه مجموعة من الكتابات حول استيلاء الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد على اقتصاد الظل في سوريا، خلال سنوات الحرب في سوريا، وهو ما كان يشكّل نحو 55 في المائة من حجم الاقتصاد السوري قبل الحرب، لكنه اتسع خلال سنوات الحرب ليصبح 70 في المائة، عبر “فرض سيطرتها على مديرية الجمارك العامة، ونشر حواجزها على الطرق التجارية، وكذلك الطرق الواصلة إلى المعابر الحدودية، بما مكنها من إدارة شبكات تهريب تضرر منها آخرون”.

ومن أوجه عرقلة الاغتيالات للجهود الدّاعمة للاستقرار “تصفية الخلافات بين الميليشيات المسلحة”، وهو ما ترى الورقة أنّه برز بشكل واضح “في الساحة الليبية بعد تدفق المرتزقة برعاية الاستخبارات التركية لدعم حكومة الوفاق في مواجهة الجيش الوطني الليبي ضمن أعمال التحضير لمعركة سرت”.

ويذكّر المصدر البحثيّ ذاته بما تشير إليه عدد من وسائل الإعلام، في هذا السياق، مِن “حدوث عمليات اغتيال في صفوف الميلشيات، بعد تدفق المرتزقة من سوريا إلى ليبيا، وخاصة بعد مقتل بسام أبوغرسة، معاون آمر مليشيا “فرسان الغضب” في 17 يوليوز المنقضي”، إضافة إلى ما كشفته “كتابات أخرى عن اندلاع اشتباكات دامية بين مجموعة من المرتزقة السوريين، ينتمون إلى ما يسمى “لواء صقر الشمال” بسبب تأخر أجورهم، أسفرت عن مقتل وجرح بعضهم”.

وتتحدّث الورقة أيضا عن “معارضة التيارات المدنية ممارسات حركات الإسلام السياسي، وخاصة حركة “النهضة” في تونس”، وتضيف: “عاد الحديث مرة أخرى عن الاغتيالات السياسية في تونس مع تلقي عدد من الرموز المدنية التونسية تهديدات بالقتل، وخاصة عبير موسى رئيسة “الحزب الدستوري الحر”، التي تلقت في 11 مايو الماضي تهديدات بالاغتيال بعد يوم واحد فقط من انتقادها التضارب في البيانات بشأن سماح الرئاسة التونسية بهبوط طائرة تركية تحمل مساعدات طبية مثيرة للشكوك، في مطار جربة الجنوبي، لإرسالها لدعم حكومة الوفاق الليبية”.

كما تشير الورقة إلى وجود “بيئة خصبة تكرس المخاوف من عودة منهج الاغتيالات”، وهو ما يظهر في “نجاح القوى السياسية والتيارات المدنية التونسية في مناوأة التمدد التركي في الداخل التونسي، ودول الجوار وخاصة ليبيا”، وهو ما ترى الورقة أنّه “يدفع أنقرة إلى دعم حركة “النهضة” للهيمنة على مفاصل الدولة وتقليص دور الخصوم”.

وتسجّل الورقة “تزامن حديث الاغتيالات مع تنامي الخلافات بين الرئيس قيس سعيّد وحركة “النهضة”، بالإضافة إلى تفكك التحالف الحكومي الذي كان يجمع “النهضة” و”حزب حركة الشعب” و”التيار الديمقراطي” و”تحيا تونس”، ولاسيما في ظل محاولات تركيا الهيمنة على الاقتصاد التونسي، وضم تونس للاصطفاف الإقليمي الداعم لأنقرة”.

وعن “تعزيز قدرة التنظيمات الإرهابية على البقاء”، تقول الورقة إنّ هذا ما تشير إليه “عمليات الاغتيال الفردي التي تقوم بها حركة “شباب المجاهدين” في الصومال، والتي تستهدف شرائح متعددة، مثل رجال الدين وضباط الأمن والسياسيين والمواطنين العاديين”.

وتستحضر الورقة اغتيال هذه الحركة “الشّيخَ آدن معلم عبدالله، العضو البارز في هيئة علماء الصومال، في 27 أبريل الماضي، في هجوم هو الثالث من نوعه ضد علماء الدين في الصومال خلال الشهر نفسه، إلى جانب مجموعة أخرى من الاغتيالات طالت عدداً من رجال الأمن والسياسيين”، وتذكّر بـ”استهداف أحد الضباط في الشرطة الصومالية، في 21 أبريل الماضي، وذلك بمنطقة أرجنتين في مديرية كاران بالعاصمة مقديشيو”، وإعلان الحركة، في 15 من شهر أبريل، مسؤوليتها عن “ثلاثة اغتيالات طالت جنديين حكوميين وطبيباً صومالياً”، وقتلها أيضاً “مواطنين بتهمة التجسس لصالح الولايات المتحدة الأمريكية”.

ويأتي هذا، وفق المصدر ذاته، “بعد أن كانت الحركة تركز على الهجمات الإرهابية التقليدية، التي يتم تنفيذها بالمتفجرات على غرار السيارات المفخخة أو الأحزمة الناسفة، وهو ما كان يؤدى إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين داخل المدن الكبرى في جنوب ووسط الصومال”.

وترى الورقة في توسّع الحركة في عمليات الاغتيال والقتل الفردي “جملة من الأهداف تتمثل في محاولة تحقيق إستراتيجية الردع بالخوف، القائمة على بث الرعب في صفوف الشعب الصومالي، واحتكار الخطاب الديني”؛ لإدراكِها “مدى الخطورة التي تمثلها الهيئات الدينية الوسطية، على غرار هيئة علماء المسلمين الصومالية التي ينتمي إليها الشيخ آدن معلم عبد الله، والتي تسعى إلى نشر تعاليم الوسط والاعتدال، ومحاربة الفكر المتطرف الذي تعتنقه الحركة”.

ومن أمثلة “عرقلة مسار المرحلة الانتقالية”، حَسَبَ الورقة، تعرّض رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك لمحاولة اغتيال استهدفت موكبه في العاصمة الخرطوم، في 9 من شهر مارس الماضي، وهو ما يأتي “في سياق محاولة بعض الأطراف الداخلية إعاقة الحكومة عن القيام بمهامها، وتجاوز مرحلة حكم نظام الإنقاذ”، على نحو ما عكسه البيان الصادر عن جامعة الدول العربية، الذي عبّر عن صدمته جراء “وقوع هذه المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس الوزراء، وجدد التزامها بالوقوف مع السودان في عملية الانتقال الديمقراطي التي تمر بها البلاد، وفي كل ما يتخذه من إجراءات للحفاظ على أمنه واستقراره، ومواجهة كل تهديد يمس سلامة أراضيه”.

وترى ورقة “مركز المستقبل للأبحاث والدّراسات المتقدّمة” أنّ السياسات التي تبنتها الحكومات في المنطقة العربية لمواجهة ظاهرة الاغتيالات قد تنوّعَت، ومنها “تشكيل لجان قضائية للتحقيق في حوادث بعينها”، مقدّمة مثالا بما أعلنه “مجلس القضاء الأعلى في العراق، وفقاً لبيان صادر عن وكالة الأنباء العراقية في 17 يوليوز 2020، مِن تشكيل هيئة قضائية تختص بالتحقيق في جرائم الاغتيالات، بالتنسيق مع وزارة الداخلية، ستتكوَّن من 3 قضاة، بالإضافة إلى عضو ادعاء عام”.

وتذكّر الورقة بأنّ النّظام السوري “لا تشغله سوى قدرته على البقاء، مهما تزايدت التصفيات الغامضة في صفوف قوات داعمة لأسرة الأسد”، التي ترى أنها تعبر عن “شبكات ظل اقتصادية وليس خلافات أجنحة عسكرية”، في حين إنّ “تزايد الاقتتال الميلشياوي في ليبيا” مرتبط بـ”تأخر المخصصات المالية للعناصر المرتزقة التي جلبتها الاستخبارات التركية وخاصة من سوريا”، بينما ستتواصل عمليات الاغتيال الفردي لحركة “شباب المجاهدين”، في الحالة الصّوماليّة، “بسبب ضعف الحكومة المركزية”.

وتشير حالات أخرى، وفق المصدر نفسه، إلى “دعم القوى المدنية التونسية للمؤسسات السيادية، وخاصة الجيش وجهاز الأمن القومي، لكونهما النواة الصلبة للدولة التونسية”، وهو ما ترى ورقة مركز المستقبل أنّه “يشكل حائط صد أمام تحرّكات “النهضة”، خاصة في ظل مساعيها لتعزيز اصطفاف تونس إلى جوار تركيا في دعم حكومة الوفاق الليبية”، مذكّرة في هذا السياق بتأكيد الرئيس قيس سعيّد، في 25 من شهر يوليوز الفائت، “استعداد المؤسسة العسكرية للتصدي لكل من يحاول التعدي على الدولة والخروج عن الشرعية، سواء من الداخل أو الخارج”.