هذه إشكاليات التغطيات الإعلامية لقضايا الاعتداء الجنسي بالمغرب

سلط عبد الغني بردي، باحث مغربي، الضوء على واقع التغطية الإعلامية لقضايا الاعتداء الجنسي في المغرب، معتمدا في تحليله على عينة أولية تتشكل من 2334 مقالا تتناول قضية من قضايا الاعتداء الجنسي، خاصة جريمة الاغتصاب.

لذلك، قال الباحث في مقال بعث به لهسبريس، تحت عنوان “التغطية الإعلامية لقضايا الاعتداء الجنسي بالمغرب”، إن “التغطية الإعلامية لقضايا الاعتداء الجنسي، في غالبيتها، هي تغطية إعلامية مناسباتية، تفرضها وقائع الأحداث وجسامتها”.

وأضاف بردي أن “الصحافي عندما يكون ملما بالجوانب الحقوقية لقضايا الاعتداء الجنسي، يمكن أن يكون مساهما في مقالاته وتحليلاته وتحقيقاته في تغير العقليات وتسليط الضوء على القضايا المهمة في هذا الجانب”.

وإليكم المقالة:

المحور الأول: رصد التغطية الإعلامية لقضايا الاعتداء الجنسي بالمغرب-تحليل أولي

من خلال تحليل أولي لعينة من 2334 مقالا تتناول قضية من قضايا الاعتداء الجنسي، وخاصة جريمة الاغتصاب، مؤرشفة في منصة للرصد الإعلامي لقضايا حقوق الإنسان يتوفر عليها المجلس الوطني لحقوق الإنسان (العدد الإجمالي للمقالات المؤرشفة بالمنصة: 153 ألف مقال)، يمكن الوقوف على سبع ملاحظات رئيسية:

– الملاحظة الرئيسية الأولى: التغطية الإعلامية لقضايا الاعتداء الجنسي في غالبيتها هي تغطية إعلامية مناسباتية، “تفرضها” وقائع الأحداث وجسامتها.

– الملاحظة الرئيسية الثانية: تطرح قضايا الاعتداء الجنسي في وسائل الإعلام الوطنية في غالبية المقالات من زاوية تتبع أخبار المحاكم، أي تغطية المحاكمات، وتتبع الأخبار المتعلقة بالأحكام، بالإضافة إلى نقل أخبار الاعتقالات والتوقيفات على خلفية قضايا الاعتداء الجنسي.

– الملاحظة الرئيسية الثالثة: نجد في تغطيات وسائل الإعلام الوطنية للاعتداء الجنسي نقلا لأخبار اعتداءات ضحاياها أو الناجين منها نساء وقاصرين وأشخاصا في وضعية إعاقة والمسنين (نساء ورجالا). غير أنه بالنسبة للعينة العشوائية المعتمدة في هذا التحليل، نجد أن الاعتداءات التي يكون ضحاياها قاصرين تحظى بنصيب الأسد من مجموع تغطيات وسائل الإعلام المكتوبة (الورقية والإلكترونية) للاعتداءات الجنسية.

– الملاحظة الرئيسية الرابعة: هناك حضور لا بأس به في التغطية الإعلامية للاعتداء الجنسي لصوت الفاعل الحقوقي، أي إن الإعلام يستمع بالفعل إلى انشغالات الفاعل الحقوقي والهيئات والمؤسسات الحقوقية في قضايا الاعتداء الجنسي وينقلها إلى الرأي العام.

– الملاحظة الرئيسية الخامسة: ضعف حضور صوت الأطباء والخبراء والاختصاصيين النفسيين في التغطية الإعلامية للاعتداء الجنسي.

– الملاحظة الرئيسية السادسة: ضعف، إن لم نقل شبه غياب تام، لصوت ضحايا الاعتداء الجنسي (مع العلم أن هذا الأمر ليس يسيرا، ويتطلب حرصا وصرامة أكبر في التعامل).

– الملاحظة الرئيسية السابعة: الغالبية العظمى للمقالات المرصودة هي مقالات إخبارية، تكتفي في الغالب بنقل للخبر.

المحور الثاني: مسؤولية الصحافة تجاه المجتمع وأهمية التقاء الوعي الإعلامي بالوعي الحقوقي

بالإضافة إلى دور الصحافة والإعلام في نقل الخبر، بعد التأكد وإعادة التأكد منه ومن صدقيته، خاصة في قضايا الاعتداء الجنسي، يمكن أن تلعب الصحافة أدوارا مهمة وحاسمة في قضايا الاعتداء الجنسي، استحضارا لمسؤولية الصحافي تجاه المجتمع، التي أصبح يكرسها ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة، وأيضا الممارسات الإعلامية الفضلى في هذا المجال. ويبقى من بين أهم ما يمكن أن يساعد على ذلك في مثل هذه القضايا الحقوقية، التقاء الوعي الإعلامي بالوعي الحقوقي.

ما الذي يمكن أن يتحقق في حال التقاء الوعي الإعلامي بالوعي الحقوقي؟ عندما يكون الصحافي ملما بالجوانب الحقوقية لقضايا الاعتداء الجنسي، يمكن أن يكون مساهما في مقالاته وتحليلاته وتحقيقاته في تغير العقليات وفي تسليط الضوء على القضايا المهمة في هذا الجانب، فإذا توفرت الدراية الوافية بالموضوع، قد لا يكتفي فقط بالخبر، بل يمكن أن يتطرق إلى إشكالات أخرى ترتبط به، ويسائلها: من قبيل حماية الضحية، التكفل بضحية الاعتداء وتوفير الدعم لها، أدوار الفاعلين ومنظومة الحماية والتبليغ، تسليط الضوء على حجم الظاهرة.

إسماع صوت الناجيات والناجين: تسليط الضوء على تجاربهن وتجاربهم بعد التعرض لاعتداء جنسي، ليس آنيا بل بعد حين، من خلال تسليط الضوء على الأثر السيكولوجي للاعتداء الجنسي وكيف تتعايش معه الضحية طيلة فترات حياتها.

بطبيعة الحال، نقل أصوات الضحايا يخضع لضوابط أخلاقية وشروط صارمة، حتى لا نزيد من معاناتها، وهو أمر يحتاج إلى دعم كبير من الاختصاصيين والفاعلين والجمعيات التي تشتغل مع ضحايا الاعتداء الجنسي. (إسماع صوت الضحية لا يعني أن نقفز على الضحية بميكروفون وتشغيل آلة تصوير من أجل إسماع صوتها. سيكون ذلك من باب العبث).

تكسير طابو التبليغ عن الاعتداءات الجنسية: يمكن للإعلام أن يساهم بشكل كبير في التطبيع مع ثقافة التبليغ عن الاعتداء الجنسي، من خلال الحث والتشجيع الدائم، وفي كل فرصة ممكنة، على التبليغ على الاعتداء الجنسي، كيفما كان شكله أو نوعه أو العلاقة بمرتكبه، وأيضا من خلال تسليط الضوء على الإشكالات المطروحة في هذا الإطار.

في عدد من التجارب الدولية، يكون هناك صحافيون متخصصون في قضايا الاعتداء الجنسي والقضايا الحساسة. الأجمل في مثل هذه التجارب، أن الصحافي(ة) يراكم معارف وخبرة في مثل هذه القضايا، تؤهله(ا) إلى تأليف كتب عنها والمحاضرة، وتأطير الدورات التكوينية لفائدة الصحافيين والإعلاميين في هذا المجال. إلى أي حد هذا الأمر ممكن في المشهد الإعلامي المغربي؟ الجواب على هذا السؤال يبقى رهينا بقدرة المقاولة الإعلامية المغربية على صحافة التخصص.

لكن على الأقل، يجب أن تتوفر هيئات التحرير الوطنية على دليل عملي لتغطية قضايا الاعتداءات الجنسية والقضايا الحساسة، يضع التعريفات ويستحضر التراكمات والمعايير الدولية لحقوق الإنسان ويحدد بوضوح كيفية تغطية هذه القضايا، بشكل يؤطر عمل الصحافي(ة) لتفادي أي أخطاء قد تكون لها عواقب على حياة الناس.

لعل مبادرة المنتدى المغربي للصحافيين الشباب لتنظيم ورشات في الموضوع من أجل إنجاز دليل للماركات الفضلى، مبادرة مهمة في هذا السياق. كما أن فكرة وضع مواثيق موضوعاتية تستند إلى المبادئ الكبرى التي ينص عليها ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة تبقى ذات راهنية كبيرة.

التقاء الوعي الإعلامي بالوعي الحقوقي يستلزم أيضا تطوير العلاقة بين الفاعل الحقوقي والفاعل الإعلامي. هذه العلاقة يجب أن تكون علاقة استراتيجية، لا تقتصر فقط على البلاغات ونقل التصريحات والمشاركة في البرامج الإعلامية. في قضايا الاعتداء الجنسي، يمكن لهذه العلاقة أن تتعزز بشكل استراتيجي في عدة جوانب، لعل أبرزها:

– تعزيز انخراط الفاعل الحقوقي في تكوين الصحافيين والرفع من قدراتهم في المجالات المرتبطة بحقوق الإنسان بشكل عام، وبقضايا الاعتداء الجنسي والإشكاليات الحقوقية المرتبطة به بشكل خاص.

– تشجيع العمل الصحافي الاستباقي (proactive)، سواء من خلال مساعدة الصحافي(ة) على إسماع أصوات الناجيات والناجين من الاعتداءات الجنسية، أو تعزيز خلق فرص تسليط الضوء على القضايا المرتبطة بمثل هذه الاعتداءات.

– تسليط الضوء على الإشكالات التي يطرحها التعاطي الإعلامي مع قضايا الاعتداء الجنسي.

المحور الثالث: إشكالات تطرحها بعض التغطيات الإعلامية لقضايا الاعتداء الجنسي (يجب وضع الآليات اللازمة الكفيلة بتفاديها):

التشهير بضحايا الاعتداء الجنسي: (سبق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان أن نبه إلى هذا الأمر في تقريره السنوي 2019).

المس بقرينة البراءة وتجنب “trial by media”: من خلال تجنب وصف “المعتدي المحتمل” بأوصاف جازمة مثل “المجرم”، “المغتصب”…، حتى قبل أن تدينه المحكمة.

الكشف عن هويات الضحايا: (في 2018، أنذرت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري قناة وطنية لهذا السبب. كما أن هناك أمثلة متعددة لهذا الخرق: نشر صور ضحايا الاعتداءات الجنسية، نشر فيديوهات تظهر وجه الضحية، التصوير بقرب سكن ضحايا الاعتداءات الجنسية،…).

التطبيع مع الاعتداء الجنسي و”ثقافة” التحرش: من خلال التركيز على ملابس الضحية (مثلا في القضية التي كانت قد أثيرت بمدينة إنزكان)، التركيز على وقت خروج الضحية وعلاقتها بالمعتدي (لا بد في هذا الباب من استحضار أمر مهم، وهو أن العلاقة الجنسية بين راشدين هي علاقة يحكمها مفهوم الرضا، والرضا ليس مطلقا، يمكن أن يتغير في أي وقت وحين. وإن كان السكوت في العموم، كما هو مشاع، علامة الرضا!؟ فالسكوت في قضايا الاعتداء الجنسي قد يكون دليلا على الخوف، وقد يكون رد فعل طبيعيا ومحتملا أمام هول الصدمة ووقع الاعتداء.

مشكل الاعتداء الجنسي والاغتصاب والتحرش ليس مشكل الضحية، ولا يجب البحث عنه وعن أسبابه أو مسبباته عند الضحية، بل هو المعتدي، تشبع المعتدي بثقافة العنف، سادية المعتدي، رغبة المعتدي في التحكم وفي السيطرة وفي التسلط، إجرام المعتدي…)؛ يمكن تأويلها كأنها مبررات للاعتداء الجنسي وتوقع اللوم أو بعضا منه على الضحية.

استخدام لغة ومصلحات من شأنها التخفيف من فضاعة جريمة الاعتداء الجنسي.

التشكيك في تصريحات أو أقوال الضحية: (في قضية غطتها الصحافة الوطنية والدولية بشكل كبير، كانت هناك تصريحات تشكك في ادعاءات الضحية (خديجة)، تعليقات وتصريحات نقلتها وسائل الإعلام مفادها مثلا أن الوشم على جسد الضحية ليس جديدا!؟ (هنا أفتح قوسا، حتى استعمال مصطلحات مثل “فتاة الوشم” فيه وصم، خاصة أن الأمر كان يتعلق بفتاة قاصر)، القضية كانت معروضة على القضاء، والقضاء يمكنه أن يأمر بالخبرة للتأكد من أقوال الضحية. التشكيك المسبق في أقوال الضحية قد تكون له عواقب وخيمة عليها.

استجواب أفراد من عائلة المعتدي أو أقربائه: (بحكم الأشياء، سيكون لهؤلاء انحياز ضد الضحية. تصريحات من قبيل أن المعتدي شخص طيب، أو أب لأطفال، أو أنه لا يمكن أن يصدر أمر مثل الاعتداء الجنسي من شخص مثله، أو أنه “ولد الناس” أو والديه طيبين، تدفع المتلقي والقراء إلى التعاطف مع المعتدي، على حساب من؟ على حساب الضحية المفترضة، التي هي أصلا تعيش تجربة قاسية جدا، سترافقها مدى الحياة وقد تكون لها عواقب كارثية عليها وعلى أسرتها….) الأمر نفسه والحيطة نفسها في التعامل الإعلامي، يجب استحضارها خلال استجواب أقارب الضحية، خاصة قبل قول المحكمة لكلمتها.

ربما يبقى من الأفضل الاستغناء عن ذلك بنقل وجهة نظر الخبراء والمختصين والأطباء النفسيين، وهو ما من شأنه المساهمة في تسليط الضوء على جوانب أخرى عن هذا الاعتداء أو ذاك.

وهذه مصادر يمكن الاستناد إليها لوضع دليل عملي للتغطية الإعلامية لقضايا الاعتداء الجنسي:

REPORTING ON GENDER-BASED VIOLENCE IN HUMANITARIAN SETTINGS

A JOURNALIST’S HANDBOOK, UNPF, 2020

REPORTING ON VIOLENCE AGAINST WOMEN

A HANDBOOK FOR JOURNALISTS, UNESCO, 2019

TRAUMA REPORTING: A JOURNALIST’S GUIDE TO COVERNIG SENSITIVE STORIES

London; New York: Routledge, 2019

CHILDREN AND THE MEDIA

A GUIDEBOOK ON ETHICAL REPORTING, UNICEF, 2018

TERMINOLOGY GUIDELINES

FOR THE PROTECTION OF CHILDREN FROM SEXUAL EXPLOITATION AND SEXUAL ABUSE, ECPAT International, 2016