أكاديميون يثيرون شجون احترام أخلاقيات “صاحبة الجلالة” بالمغرب

أكاديميون يثيرون شجون احترام أخلاقيات "صاحبة الجلالة" بالمغرب

حضرت هموم احترام أخلاقيات المهنة، وواجب آليات الضبط في محاسبة المخلّين بها، وذكرى عمل الفقيد محمد العربي المساري في هذا المجال، خلال ندوة نظمها، الجمعة، كرسي محمد العربي المساري لأخلاقيات الإعلام والاتصال التابع للمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط.

وقال جمال المحافظ، صحافيّ باحث في مجال الإعلام وتاريخه بالمغرب، إنّ “سلوك الالتزام بالأخلاقيات يجب أن يكون طيلة السنة، لا في وقت الأزمات فقط”، وأضاف أنّ المغرب في حاجة إلى “مدونة سلوك جماعية، تحتل فيها اتحادات ونقابات الصحافيين مواقع متقدّمة، والمفاوضة حولها ومراقبة تطبيقها”.

ويسجّل الباحث أنّ الساحة الإعلامية بالمغرب صارت تعرف تزايدا في عدد من المنابر، “وهذا إيجابي عدديا”، ثم زاد مثيرا جانبها السلبي، المتمثل في: “استعمال -بعضها-في مهاجمة المعارِضين والنّاشطين السياسيين، الذين تريد السلطة، أيّ سلطة، الحدّ من تأثيرهم لدى الرأي العام، لتصير شكلا من أشكال القمع، بتعبير بحث لأحد طالباته”.

ويقدّر المحافظ أنّ “الإخلال الكبير بالأخلاقيات، والنقص الكبير في التكوين لدى الصحافيين، مرتبط بوضعيّتَهم الاجتماعية”، ثم يدعو إلى “قيام الهيئات التمثيلية للصحافيين بمراجعة بنياتها الداخلية، وسياستها في استقطاب الصحافيين”، و”إعداد تقرير سنوي للأخلاقيات في مجال الإعلام، وإحداث جائزة للأخلاقيات في مجال الصحافة”.

ويرى المتدخّل أنّ الأوان قد آن “لتَحَوُّل المجلس الوطني للصحافة إلى مؤسّسة دستورية” يكون فيها “مجلس حكماء، لا ينتخب، بل يكون ممّن يحظون بحظوة واحترام المجتمع، لأنّ المنافسين في الانتخابات لن يريدوا أن يفرض عليهم ميثاق ممّن نافَسوهم”.

بدوره، عدّد يونس مجاهد، رئيس المجلس الوطنيّ للصّحافة، ثلاثة تحديات للإعلام الرقمي والصحافة اليوم، قائلا إنّ كل قضايا الصحافة الرقمية مندمجة مع الصحافة الورقية، مع ما يطرح من إشكاليات جديدة على أخلاقيات المهنة، نتيجة مزاوجة المؤسسات بين الرقمي والورقي، وإشكالات البثّ المباشر التي كانت مطروحة في السابق مع التلفزة. ثم تساءل: “كيف يمكن خلق اجتهادات جديدة مرتبطة بالإعلام الرقمي، انطلاقا من المبادئ الكبرى؟ وكيف نعالج إشكالات تطرح علينا باستمرار وهي من صميم التطوّر التكنولوجي الحاصل؟ وكيف نبقى مرتبطين بالمبادئ الأساسية والحفاظ عليها مع معالجة التطورات الجديدة؟

ويذكر مجاهد أنّه على الصعيد العالمي “يعالَج هذا بفريق عمل من مؤسسات”، ثم يضيف: “التحدي الثاني هو تحدّي شبكات التواصل الاجتماعيّ، والسؤال الفكري والسوسيولوجي والأنثروبولوجي المطروح، هو ما تأثير الزمن الرقمي في التواصل الاجتماعيّ والتكنولوجيات الحديثة والانبهار بهذا العالَم، على الصّحافة؟”.

ويستشهد رئيس المجلس الوطني للصحافة بدراسة أعدّها المجلس، ولم تنشر بعد، حول الأخلاقيات والأداء المهني خلال الجائحة، ووصلت إلى خلاصة مفادها أنّه “في ظرفيّة الجائحة عاد الناس إلى الصّحافة الكلاسيكية، ليشاهدوا التلفزات أكثر، ونسخ بي دي إف الجرائد ليس لأنّها مجانية فقط”، وتساءل في هذا السياق: “هل هذه عودة مؤقتة؟ وكيف يمكن تكريسها؟ وهل يمكن أن تستمرّ؟”.

ومع تحديات الإعلام التي تسائل مستقبل الصحافة في علاقة بوسائل التواصل الاجتماعيّ وصحافة المواطن وإدخال الروبوتات في الصياغة الإعلامية وتحدي صناعة الشركات الكبرى للإعلام مستقبلا، يطرح مجاهد مجموعة من الأسئلة حول “الحاجة إلى إعادة تأسيس للصّحافة” و”مستقبل الصحافة”، قبل أن يزيد متفاعلا مع سؤاله: “هذا سؤال مجتمعي لن يجيب عنه مجلس الصحافة وحده ولا المعهد العالي للإعلام والاتصال وحده، ولا الصحافيون، علما أن الصحافة ضرورية وكل مجتمع يحتاج صحافة حرّة وديمقراطية ونزيهة”.

بدوره، يذكر عبد الجبار الراشدي، أستاذ باحث، أنّ المجلس الوطني للصحافة هو المسؤول عن البتّ في القضايا المهنية، وذكّر بصدور ميثاق الأخلاقيات في الجريدة الرسمية قبل سنة، ممّا أعطاه قوة إلزامية معنوية.

ويزيد المتدخّل: تطور تكنولوجيات الإعلام يضع حرية الإعلام والأخلاقيات في مأزق حقيقيّ، وأفرز واقعا جديدا، فمن الصعب أن يمسك الجانب القانوني والأخلاقي بالتطورات المتسارعة لهذه الثّورة المتواصِلة، التي لا تهدّد حرية الصحافة بل الديمقراطية في العالَم، خاصة الديمقراطية التمثيلية التي يتمّ تجاوز مؤسّساتها التقليدية من برلمانات ومجالس منتخبة.

ويوضّح الراشدي أنّ نموذج المقاولة الإعلامية الإلكترونية الاقتصاديّ في المغرب، “قابل للاختراق بسرعة نظرا لمستويات الهشاشة الثلاث فيها في النموذج الاقتصادي، والهشاشة المهنية في عدد من مواقعها، ومستوى أخلاقيات المهنة”.

ثم يزيد المتحدث مسجّلا عدم صدور أيّ تقرير للمجلس الوطني للصحافة منذ سنة حول الخروقات المهنية، وعدم إقراره قرارات حولها، قبل أن يسترسل متسائلا: “هل له الإمكانات البشرية والإلكترونية التي سيرصد بها كلّ الخروقات الإلكترونية المتعلّقة بأخلاقيات المهنة؟”.

ويشدّد الراشدي على أنّ الدعم العمومي للصحافة “لا يمكن ألا يربط بمعيار احترام أخلاقيّات المهنة”، وزاد: “باستثناء ما يقوم به المعهد العالي للإعلام والاتصال وبعض الدّورات التكوينية، لا تقوم المؤسسات بتكوين صحافييها، وعلى النقابة ومجلس الصحافة القيام بمجهود كبير في هذا المجال”.

من جهته، ذكّر عبد اللطيف بن صفية، مدير المعهد العالي للإعلام والاتصال، ببادرة مصطفى الخلفي، وزير الاتصال السابق، في تأسيس كرسي الفقيد المساري بالمعهد، شاكرا تسيير بنعيسى عسلون، أستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، له، ومن خلفه في هذا العمل دون أن يريد الظهور محمد عز الدين المنصوري، أستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال.

واقترح بنصفية “مشروعا لبناء الذاكرة المغربية لبلادنا”، يجمع أرشيف المغرب والمجلس الوطنيّ للصّحافة والمعهد العالي للإعلام والاتصال، “ولو لنصدر مجلَّدا في السّنة فقط”.

واستحضر مسيّر اللقاء نتائج دراسة أعدّها، وسيقدّمها للكرسي، حول أثر درس أخلاقيات المهنة لدى الصحافيين المهنيين من خريجي المعهد، قائلا: “يوجد غياب شبه كلي لمسؤولية المؤسسات الإعلامية في التأطير الأخلاقيّ للمهنيّين، فيما للمؤسسات الإعلامية الأجنبية معاهد ومؤسسات خاصة بالتأطير الأخلاقي، ونحتاج هذا وطنيا بجعل برامج تكوين مؤسساتنا الإعلامية تتسع لمثل هذه المواضيع”.

من جهتها، قالت منى المساري، ابنة الفقيد محمد العربي المساري، إنّه كان رجلا “كرّس حياته للدّفاع عن حرية الصحافيين، وأخلاقيات مهنة الصحافة ورسالتها النبيلة للمجتمع”، و”كان يؤكّد دائما على توسيع هامش الحريات العامة ببلادنا، وخاصة الصحافة والإعلام، مع التقيّد بالضّوابط المهنيّة وأخلاقيات مهنة الصحافة”.

وأضافت المتدخّلة: “لقد انشغل عندما كان كاتبا عاما للنقابة الوطنية للصحافة المغربية بموضوع أخلاقيات الصحافة، مثل انشغاله بموضوع حرّيّات الصّحافة، وبحث مع باقي الصحافيين بالنقابة عن إمكانية تنفيذ مقتضيات ميثاق الشرف، لأنه كان يدرك خطورة عدم التقيّد ببعض المبادئ المؤطّرة للأخلاقيات، لا على الصحافيّ فقط بل على مهنة الصحافة، باعتبارها سلطة رابعة وصاحبة الجلالة كما يسميها البعض، وكان يرصد جميع القصاصات التي تتضمّن خرقا لأخلاقيات المهنة وكان يضمّنها التّقرير السنوي للنقابة”.

ووصف جامع بيضا، مدير مؤسسة أرشيف المغرب، محمدا العربي المساري بكونه “من خيرة أبناء هذا الوطن”، وزاد: “وهب للوطن كلّ حياته، وتفانى في خدمته وتقديسه، وبموازاة ذلك كان فضلا عن الدبلوماسي والإعلاميّ المُحنَّك والمقتدر، مثقّفا فذّا وحريصا على الإلمام بقضايا عصره ووطنه، والمساهمة والمشاركة فيها”.

ويضيف بيضا: “كان المرحوم شغوفا بالتاريخ والأرشيف، وكان يعي جدّا بأن الأرشيف كان الحلقة المفقودة في أركان المغرب المستقلّ والمعاصر، وكان يتأسّف كثيرا لانعدام أيّ مبادرة جدية، قبل تجربة الإنصاف والمصالَحة، لملء هذا الفراغ؛ فقام في 29 مارس سنة 1995 بمراسلة عبد الوهاب بنمنصور، مؤرخ المملكة سابقا، حول هذا الشأن، وسلَّمني نسخة من الرسالة الجوابية المؤرخة بـ 21 يونيو 1995”.

ويذكر المتحدّث أن “بعد مرور 16 سنة على هذه المراسلة، جاءني المرحوم (المساري) ذات يوم فرحا منبسطا ومهنّئا بميلاد مؤسسة وطنيّة تُعنى بالأرشيف، ومنذ إذ لم يبخل على المؤسسة ومديرها بالنصيحة القيمة النابعة من تجربة وغيرة على مصلحة الوطن”. كما ذكّر بأنّ أسرته قد ائتمنت مؤسسة أرشيف المغرب على أرشيفات الفقيد، وهو ما تمّ “استكمال رصده قبل أسبوعين، ونشر فهرسه على موقع الأرشيف ليطلع عليه القاصي والداني”.

ويتحدّث علي كريمي، أستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، عن الترابط القوي والتلاحم بين ما هو قانوني وما هو أخلاقي في مجموعة من القوانين والاتفاقيات وفي القانون الدولي للإعلام، والأخلاقيات المهنية نشأت من رحم فلسفة الأنوار، ويضيف: “القواعد المرتبطة بالأخلاقيات عمقها ووجودها فيما هو قانوني، التشريعات الداخلية والدولية”.

ويستحضر كريمي مجموعة من الضوابط الأخلاقية المهنية، من قبيل: “عدم التمييز وعدم التشهير، وتقييد تكنولوجيات الإعلام في عدم التمييز ومحاربة الإرهاب واستغلال الأطفال جنسيّا”، وهو ما “ضبط في اتفاقيات وقرارات عديدة”، عدّدها، قبل أن يسترسل قائلا: “ازداد الطين بلة بدخول تكنولوجيات الإعلام لهذا الجانب”، بعدما قدّم تجاوزات صحف عربية، وقدّم مثالا بالحق في الصورة الذي يُتعامَل معه باستسهال، مع أنّه مؤطّر قانونا.

وفي ختام تدخّله، ذكر الأكاديمي أنّ “رجال القانون يلهثون وراء تنظيم التكنولوجيا؛ ولكن هناك فرق بين سيرها سير السلحفاة، وبين سرعة الضوء التي تتطوّر بها تكنولوجيات الإعلام”، ثم أجمل قائلا: “بين هذا البَون، تُختَرَق حقوق الإنسان”.