فيديو مبكي : ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله عز وجل فيها من هذه الأيام

مبكي و مؤلم جدا رحمكم الله رحلتم و اشتد الشوق إليكم

 

تفرّد الله سبحانه وتعالى بالخلق والاختيار، قال تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون} (القصص:68)، ومن رحمته بالعباد أن فاضل بين الأوقات والأزمنة، فاختار منها أوقاتاً خصّها بمزيد الفضل وزيادة الأجر؛ ليكون ذلك أدعى لشحذ الهمم، وتجديد العزائم، والمسابقة في الخيرات والتعرض للنفحات، ومن هذه الأزمنة الفاضلة أيام عشر ذي الحجة التي اختصت بعدد من الفضائل والخصائص.

فقد أقسم الله بها في كتابه تنويها بشرفها وعظم شأنها فقال سبحانه: {والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر} (الفجر:1-3)، قال عدد من أهل العلم: إنها عشر ذي الحجة.

وشهد النبي صلى الله عليه وسلم بأنها أعظم أيام الدنيا، وأن العمل الصالح فيها أفضل منه في غيرها، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا: يارسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) رواه الترمذي ، وأصله في البخاري ، وفي حديث ابن عمر (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) رواه أحمد .

وفيها يوم عرفة الذي قال فيه – صلى الله عليه وسلم – كما في حديث عائشة رضي الله عنها: ( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء ؟ ) رواه مسلم ، وهو يوم مغفرة الذنوب وصيامه يكفر سنتين.

وفيها أيضاً يوم النحر الذي هو أعظم الأيام عند الله قال صلى الله عليه وسلم: (أعظم الأيام عند الله تعالى، يوم النحر، ثم يوم القرّ) رواه أبو داود .

وإنما حظيت عشر ذي الحجة بهذه المكانة والمنزلة لاجتماع أمهات العبادة فيها وهي: الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها.

وقد تكلم أهل العلم في المفاضلة بينها وبين العشر الأواخر من رمضان، ومن أحسن ما قيل في ذلك ما ذهب إليه بعض المحققين من أن أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان الأخيرة، وليالي عشر رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة جمعاً بين النصوص الدالة على فضل كل منها، لأن ليالي العشر من رمضان إنما فضلت باعتبار ليلة القدر وهي من الليالي، وعشر ذي الحجة إنما فضلت باعتبار الأيام، ففيها يوم النحر ويوم عرفة ويوم التروية.

وهناك أعمال صالحة تتأكد في هذه العشر جاءت النصوص بالحث عليها، والترغيب فيها من أهمها:

التوبة النصوح والرجوع إلى الله، والتزام طاعته والبعد عن كل ما يخالف أمره ونهيه بشروط التوبة المعروفة عند أهل العلم، فقد أمر الله بها عباده المؤمنين فقال: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} (النور:31)، ولا غناء للمؤمن عنها في جميع الأوقات والأزمان.

ومن أعمال عشر ذي الحجة الحج إلى بيت الله الحرام، فمن المعلوم أن هذه الأيام توافق فريضة الحج، والحج من أعظم أعمال البر كما قال صلى الله عليه وسلم وقد سُئل أي العمل أفضل، قال: (إيمان بالله ورسوله، قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور) متفق عليه، فينبغي للمسلم إن وجد سعة في ماله، وصحة في جسده أن يبادر بأداء هذه الفريضة العظيمة، لينال الأجر والثواب الجزيل، فهي خير ما يؤدّى في هذه الأيام المباركة.

ومن أعظم ما يتقرب به إلى الله في هذه الأيام العشر المحافظة على الواجبات وأدائها على الوجه المطلوب شرعاً، وذلك بإحسانها وإتقانها وإتمامها، ومراعاة سننها وآدابها، وهي أولى ما يشتغل به العبد، قبل الاستكثار من النوافل والسنن، ففي الحديث القدسي عن أبي هريرة (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه….) رواه البخاري .

وبعد إتقان الفرائض والمحافظة على الواجبات ينبغي للعبد أن يستكثر من النوافل والمستحبات، ويغتنم شرف الزمان، فيزيد مما كان يعمله في غير العشر، ويعمل ما لم يتيسر له عمله في غيرها، ويحرص على عمارة وقته بطاعة الله تعالى من صلاة، و قراءة القرآن، ودعاء وصدقة، وبر بالوالدين وصلة للأرحام، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وإحسان إلى الناس، وأداء للحقوق، وغير ذلك من طرق الخير وأبوابه التي لا تنحصر.

ومن الأعمال التي ورد فيها النص على وجه الخصوص الإكثار من ذكر الله عموما ومن التكبير خصوصاً لقول الله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} (الحج:28)، وجمهور العلماء على أن المقصود بالآية أيام العشر، وكما في حديث ابن عمر المتقدم (فأكثروا فيهنّ من التهليل والتكبير والتحميد) رواه أحمد .

ويسن إظهار التكبير المطلق من أول يوم من أيام ذي الحجة في المساجد والمنازل والطرقات والأسواق وغيرها، يجهر به الرجال، وتسر به النساء، إعلاناً بتعظيم الله تعالى، ويستمر إلى عصر آخر يوم من أيام التشريق، وهو من السنن المهجورة التي ينبغي إحياؤها في هذه الأيام، وقد ثبت أن ابن عمر و أبا هريرة كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.

وأما التكبير الخاص المقيد بأدبار الصلوات المفروضة، فيبدأ من فجر يوم عرفة ويستمر حتى عصر آخر يوم من أيام التشريق لقوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} (البقرة:203)، ولقوله عليه الصلاة والسلام: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله) رواه مسلم .

ومن الأعمال التي تتأكد في هذه الأيام الصيام، وهو بالإضافة إلى أنه داخل في عموم العمل الصالح إلا أنه قد ورد فيه أدلة على جهة الخصوص فعن حفصة رضي الله عنها قالت: (أربع لم يكن يدعهن النبي صلى الله عليه وسلم: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة) رواه أبو داود وغيره، والمقصود صيام التسع، لأنه قد نُهِي عن صيام يوم العيد، قال الإمام النووي عن عشر ذي الحجة ” صيامها مستحب استحباباً شديداً “، وآكدها صوم يوم عرفة لغير الحاج، فقد ثبت عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (يكفّر السنة الماضية والباقية) رواه مسلم .

ومن الأعمال أيضاً الأضحية وهي سنة مؤكدة في حق الموسر، بل إن من العلماء من قال بوجوبها وقد حافظ عليها النبي صلى الله عليه وسلم.

فهذه أهم الأعمال الصالحة التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها، ويبقى باب العمل الصالح أوسع مما ذُكِر، فأبواب الخير كثيرة لا تنحصر، ومفهوم العمل الصالح واسع شامل ينتظم كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فينبغي لمن وفقه الله، أن يعرف لهذه الأيام فضلها، ويقدر لها قدرها، فيحرص على الاجتهاد فيها، ويحاول أن يتقلل فيها ما أمكن من أشغال الدنيا وصوارفها، فإنما هي ساعات ولحظات ما أسرع انقضاءها وتصرمها، والسعيد من وفق فيها لصالح القول والعمل.


السؤال: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه قال: «ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله عز وجل فيها من هذه الأيام -يعني العشر الأولى من ذي الحجة- قيل له: يا رسول الله، ولا الجهاد؟، قال: «ولا الجهاد، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». فما هي الحكمة من تعظيم هذه الأيام وتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم لها بأن العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من سائر الأعمال في سائر الأيام حتى الجهاد؟

جواب فضيلة الشيخ: 

الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد…

هذه الأيام -الأيام العشر من ذي الحجة- هي من أفضل الأيام عند الله تبارك وتعالى كما روى الشيخان عن ابن عباس، الحديث الذي ذكرته هذا: «ما من أيام أحب إلى الله تعالى العمل الصالح فيهن من هذه الأيام»، يعني: الأيام العشر، لماذا فضلها الله تبارك وتعالى؟

أولا: التفضيل والتخصيص والاجتباء شأن إلهي، من شأنه سبحانه وتعالى أن يفضل بعض الأيام على بعض، وبعض الشهور على بعض، وبعض الساعات في الليل والنهار على بعض، كما يفضل بعض الأماكن على بعض.

لماذا فضل المسجد الحرام على المساجد الأخرى؟ وفضل المساجد الثلاثة -المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى- على سائر المساجد في العالم، ولا تشد الرحال إلا إلى هذه المساجد الثلاثة، وجعل الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما عداه من المساجد إلا في المسجد النبوي والصلاة فيه بألف صلاة، والمسجد الأقصى والصلاة فيه بخمسمائة صلاة؟ لماذا فضل مكة والمدينة على سائر البقاع؟ هذا من تفضيل الأماكن.

وهناك تفضيل الأشخاص، لماذا فضل النبيين على سائر البشر، وفضل النبيين بعضهم على بعض: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} (البقرة: من الآية 253)، الله من شأنه أن يفضل ويختار ويختص كما قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (القصص:68) ، فهو يختار من الأشخاص، ويختار من الأماكن، ويختار من الأيام ما شاء عز وجل لأسرار يعلمها هو سبحانه وتعالى، أحيانا يبين لنا سر هذا الاختيار، لماذا فضل شهر رمضان على غيره؟ قال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} (البقرة: من الآية 185)، لماذا فضل ليلة القدر على غيرها؟ قال: لأنه أنزل فيها القرآن، وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (القدر:1).

ثانيًا: لأن هذه الأيام من ذي الحجة، وهو شهر فضله الله تعالى لأمرين: لأن شهر ذي الحجة هو من الأشهر الحُرُم، والأشهر الحُرُم مفضلة عند الله سبحانه وتعالى على سائر الأشهر، كما قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } (التوبة: من الآية 36)، وهي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، فهذه الأشهر الحُرُم مفضلة عند الله، قال سبحانه وتعالى: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} (التوبة: من الآية 36)، وظلم النفس محرم في سائر الشهور، ولكن في هذه الأشهر أشد حرمة، فالأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة مفضلة؛ لأنها من الشهر الحرام شهر ذي الحجة .

ثالثًا: ولأن شهر ذي الحجة بالذات اجتمع فيه أمران: أنه من أشهر الحج، ومن الأشهر الحُرُم، يقول الله سبحانه وتعالى: { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} (البقرة: من الآية 197)؛ وهي: شوال وذو القعدة وذو الحجة. شوال من أشهر الحج وليس من الأشهر الحُرُم، ولكن ذو الحجة اجتمع فيه الأمران هو وذو القعدة، فهما من الأشهر الحُرُم وأشهر الحج.

رابعًا: لأن هذه الأيام يقع فيها كثير من أعمال الحج، يوم التروية في الثامن من ذي الحجة، ويوم عرفة في التاسع من ذي الحجة، ويوم الحج الأكبر وهو اليوم العاشر يوم العيد، يوم النحر، هو يوم العاشر من ذي الحجة، وأفضل أيام السنة في هذه العشر، وهو يوم عرفة، فليلة القدر هي أفضل ليالي السنة على الإطلاق، ويوم عرفة هو أفضل أيام السنة على الإطلاق، كما أن ليالي العشر من رمضان أفضل الليالي، فأيام العشر من ذي الحجة فيها أفضل الأيام، فهذه بعض فضائل هذه الأيام العظيمة التي صح في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التنويه بها، والحث على طاعة الله فيها، فيستحب فيها الصيام والصدقة والذكر والدعاء والتسبيح والتهليل والتكبير.

والله أعلم .

العربيةEnglishFrançaisDeutschEspañol