أحلام مفقودة

وفاء العنزي تكتب من المغرب احلام مفقودة

أفكر أحيانا في تلك الأيام عندما تصبح الحياة، فجأة ذات مذاق مر وحار،فكم من مرة تهدينا هموما تثقل كاهلنا،فنحتاج إلى غيبوبة لتعزلنا عن الدنيا لبعض الوقت.
فحينما تصبح المسألة أبعد من تقليم وبرد الأظافر، وأبعد من تصفيف الشعر، وأبعد من حف الحواجب وتركيب الرموش،وارتداء حقيبة يد تناسب الكعب العالي، المسألة أبعد من هذا وذاك، أبعد حتى من النظر في المرآة، حينما تصبح المسألة مسألة كفاح لأجل الحياة، والجدل حولها،لتتذوقها وتعيشها بالرغم من مرارتها ولتثبيت أن الحياة تستحق الحياة، تستحق أن تتحمل لأجلها،ترغب فيها بالرغم من خشونتها وشراستها،فلا بد لك أن تنحني لها احتراما، حتى وإن أهانتك ووضعت على أكتافك أحمالا لا طاقة لك بحملها.

هي حكاية لوجه لفحته الشمس بسمرة الكد، حكاية ساعد مرفوع بتعب الأيام، حكاية لإمرأة أهانتها الحياة فبارزتها بسيف الإرادة وسلاح الصبر والتحدي،إذ رغم نحافة جسمها،لكنه ما يزال محافظا على هدوئه متخطيا قسوة وجهامة العيش،عيناها الحزينتان تبرق في وجهها البيضاوي الذي كسته بعض من تجاعيد الشقاء، وكان ثمة ندب عميق وشم حاجبها الأيمن، بدت رقيقة وحنونة، فيما كانت دمعتها تنحدر على خديها، كما لو أن لها سرا يلازمها ويقلقها،ينتابها من حين لآخر وشعور بعدم الرضا، لكن الحياة عودتها الاستسلام لحتمية الواقع فكان لها البكاء منقدا.

هي حكاية جسم لا يعرف التعب وجبهة كواها ملح الكد وعرق الشقاء، وضيعات تحكي قصصا وتروي حكايات الموت والحياة يفصل بينهما حنكة امرأة وشجاعة امرأة، وتوسلات أخرى وموت أخرى و….صنعوا رجالا.

هي حكاية إمرأة لا تطمح لمنصب، ولا تتنافس على مقعد في البرلمان ولا تسعى لتحقيق مساواة بينها وبين الرجل فهي لا تعرف حتى مصطلح”مساواة”،هي فقط ترغب في حياة كريمة لا غير.
هي إمرأة تقوست قامتها من سلال كد وكدح،تعيش أقسى من غربة الوطن، تعيش إجهادا وإكهادا،للبحث عن لقمة عيش تسد بها رمق أفواه تنتظر، وتكفيها مذلة السؤال، هي حكاية لإمرأة سرقت الدنيا فرحتها واغتالت أحلامها، صبورة هي مع الحياة، فهي تقايضها بكل يوم تعيشه في أمل أن تضحك لها يوما مسكينة هي،ساذجة.

هي حكاية إمرأة في عقدها الثالت،تركها الصبر على ناصية الحزن لتنتظر الأمل، فهي لم تستسلم…..فلا بد أن يبقى الأمل حيا….فالحياة بلا أمل…هي الموت بعينه،فرغبتها في الحياة واستمرارها أقوى من الاستسلام لليأس، فلابد أنها تبحث عن أفق جديد تحلق فيه، فصدى ضحكتها البريئة، تملأ المكان الهادئ بالضيعة،وهي تنتقل بين صفوف الفاكهة، تبدو الفراولة وكأنها سقطت في حبها، فعندما تدنو لتلتقطها، وتأكل مما تساقط منها،كما لو كانت الفاكهة تقدم لها هدية عربون المحبة، بمناسبة ارتباطهما مع بعض وحبهما الكبير الذي أصبحا يجمعهما

هي حكاية إمرأة داس الزمن على تطلعاتها وحرمها من أحلامها،فبينهما وبين الفرح حجاب، آلمتها الأيام وليس لها سوى دموعها ولا مفر سوى أملها في الرجوع لبيتها سالمة من مخالب الذئاب، لها أمانة من الدمع تأبى إلا أن تردها كل يوم،قاسية هي الحياة عندما تصدمك بواقع مؤلم وفي سن مبكرة، حياة تجعلك تظهر أكبر من سنك، حياة جبارة موجعة،لا تعرف للرحمة سبيلا في أكثر الأحيان، فمن لم يأخذ بسننها،ويجري على مناهجها خلعته وداسته تحت قدميها.
هي حكاية إمرأة خرجت إلى الحياة تعب منها وتلمسها، فقد كان جوعها للحياة قاسيا، خرجت للحياة وكانت صادقة معها كل الصدق، فطالعتها بوجه طبيعي،دون مساحيق تجميل، وجه أصيل،فلم تكن أنانية ولم تأخذ منها بل أعطت كل ما لديها دون مقابل،فقد كان العطاء هو قانونها في الحياة تعمل به دائما وأبدا.

هي إمرأة كادحة تخرج من من بيتها المتهالك كل صباح تتأبط قفة بها قطعة خبز حافية وحبات زيتون وزجاجة بها شاي بارد، لا يسمن ولا يغني من جوع، وتحمل جراحها وآلامها معها، وتحمل معاناة ومقاساة جمة، لا ماضي لها ولا مستقبل، تمضي لتثبت الحياة والغصة في عينيها، فبكاء القلب أشد من بكاء العين، وإن كانت لها حياة أخرى بعد الموت، السؤال المطروح، هل هي فعلا كانت على قيد الحياة قبل الموت؟،فكلما ظنت أن الحياة أعطتها كل شيء، اكتشفت انها سرقت منها سنوات عمرها، وكلما ظنت أن الحياة منحتها حياة، تجد نفسها ضمن قائمة المقتولين، تجد نفسها معلقة خارج الموت والحياة، هي داخل احتضار بطيء، إنه فعلا واقع مؤلم، تعيشه بكل قسوته، وبكل صلابته بتعبيراته الصادقة الممزوجة بالألم والإصرار، فالحياة كفاح والعمل ملح الحياة، وإن كانت فيها مشقة وحتى مذلة، فهي تعيش بين مطرقة الفقر وسندان تحرش جنسي، “فالكابران” يهين كرامتها حين يتلمس خصرها وصدرها،ويتحسس وجهها ويتلصص…..كل حين،آه تم آه من الفراولة لما تكون ممزوجة بكل أشكال الاستعباد والاستبداد، وكأننا لا زلنا في عصر الجواري.

هو واقع مر ومرير، واقع امرأة تنتظر كل صباح بعيون جاحظة وقلب خائف السائق لنقلها مع باقي النساء للالتحاق بالضيعات، مقابل أجر يومي بخس، من قبل طلوع الشمس إلى مغيبها،منظرهن يتكدسن في الحافلات يذكرني بقوارب الموت ،هم فعلا وسائل نقل الموت، فقد راح ضحيتها أكثر من عائلة فقدن معيلهم الوحيد في عدة حوادث سير مميتة، هو واقع صعب لنساء لا زلن لم يتعدو رصيف الفقر بعد،فأين لهن من رصيف التنمية.
هي حكاية إمرأة كسرت جدار الصمت وتحدثت معي بكل صدق وعفوية، فقد كان وراء صمتها عملية إرهاص واختزان كامنة في الأعماق، تكابد الآهات إلى أن انفكت عقدة لسانها، ووعدتها وعد المرأة الحرة، ان أنشر معاناتها،ولاحظت ان أعماقها تشي بالحزن والخوف المقيم الذي تحاول أن تخفيه عن ملامح وجهها دون أن تفلح في ذلك، فهي تخشى من الزمن وتقلباته، تخشى أن يقوم رب عملها بتسريحها، وهي أرملة رحل معيلها بعد صراع مضن وطويل مع المرض الذي افترسه
وأقعده لسنين حتى وافته المنية، تاركا وراءه ثلاتة أطفال، هي المسؤولة عنهم وعن أخ رمي به الزمن فوق كرسي متحرك، وأب طاعن في السن وأم هدها المرض، هي إمرأة أسرتها الحياة منذ مدة فرافقها الحزن وهاجرها الفرح.،فذكرتها أني لن افعل شيئا مندهشا لها،ولكن سأحاول أن أجعل الحياة ممكنة التحمل وبأن أرافقها وأواكبها بزرع الأمل، وأتقاسم معها آلامها، فهي طلبت الحياة بعرف جبينها، وحصلت عليها بقوة ساعدها وسألت الخبز باسم الكرامة فطلبتها باسم العفة والقناعة،وحتما ان الله لن ينساها،وسيكون معها،هو شعور غريب أن تفقد طعم الحياة وتتذوق صعوباتها،فيصبح عقلك اكبر من عمرك،عندما لا تتحمل ضغط الحياة لأنها أخذت من طاقتك الكثير.

أقول لك سيدتي،ارفعي راسك فوق عالي،وامشي بثبات،فأنت السيدة المكافحة، الأبية، الطاهرة، الصبورة،المحترمة،الجميلة،أنت سيدة النساء،أفتخر بك سعيدة بك،أعتز بك،مبتهجة لصلابتك، فرحة لصمودك،الحياة دون خيبات قاسية ايضا، سيدتي،والحياة إن لم تكن مشفوعة بشىء من الأمل هي قاسية أيضا ،سيدتي،أملي وأملك كبير،إصراري وإصرارك متين،فلا زال في قلبي وقلبك بقايا أمنية ورجاء من رب كريم،ان تنتهي أحزانك وأحزاني، وأن تجمعنا الاقدار يوما لما هو أحسن وأفضل وأجمل، يا سيدة الفراولة، طابت أيامك بكل العطور، بكل سعادة الدنيا والآخرة ونعمتها الواسعة،،فألف تحية وتحية لك سيدتي.
مودتي ومحبتي وفاء العنزي