الفقر متعدد الأبعاد علة مزمنة تنخر جسد المنطقة العربية

خلف انتشار “كوفيد – 19 “ندبات عديدة شوهت وجه العالم، وأحدث جروحا غائرة بسبب تداعياته التي شلت الكثير من مفاصل الحياة، وخلفت وراءها هموما رفعت من معدلات الفقر، مع ركود الاقتصاد، وتسريح العمالة، بشكل فاقم الضغوط الاجتماعية، ودفع شرائح كبيرة إلى دائرة جديدة من الفقر، الذي يلامس جوانب مختلفة في الحياة، تصل إلى حد عصبها.
تشهد المنطقة العربية مرحلة استثنائية تكتنفها تحديات جسام على كافة الأصعدة، ففيما تعاني دول عدة فيها من تداعيات الوباء، تتفاقم الأمور في بعضها وتتضاعف معاناتها، بين نيران الوباء، والصراعات المسلحة، وحالات اللجوء، ونزوح أعداد غير مسبوقة داخل المنطقة وخارجها، حتى صار نحو نصف لاجئي العالم من العرب.
تكمن أزمة الفقر متعدد الأبعاد، في أنه فقر مالي مصحوب بنقص في الصحة العامة والتعليم، ما يعقد مبادرات وخطط الانتشال من براثنه، ويزيد التحديات أمام الحكومات، الأمر الذي جعل منظمة الأمم المتحدة تضعه الهدف الأول في خطط التنمية المستدامة لعام 2030 لخطورته على مستقبل التنمية في العالم.
وأعلن صندوق النقد حالة الاستنفار القصوى، بعد أن رصدت مؤشراته تسبب وباء كورونا في إضافة مئة مليون فرد إلى دائرة الفقر، فيما يعيش أكثر من مليار آخرون حول العالم داخل نطاق الفقر نفسه، نصفهم في الدول ذات الدخل المنخفض.
دوائر الفقر
تقع غالبية دول المنطقة العربية في هذه الدائرة، فيما تعد دول مجلس التعاون الخليجي استثناء في حساب معدلات الفقر بسبب طبيعتها النفطية وانخفاض عدد سكانها، لكنها تواجه ذات المشكلة بدرجات أقل حدة ومتفاوتة من دولة لأخرى.
لم يكن الفقر مستوطنا في المنطقة العربية بهذه الطريقة الحادة، بل هو نتيجة لظروف سياسية واقتصادية أدت في ظل غياب التخطيط السليم والإدارة القائمة على المنهج العلمي إلى تراجع النمو، ومن ثم كان من نتائجه الخلل في الوضع الاجتماعي، وما أفضى إليه من تفاوت في مستويات المعيشة.
أسفر هذا التراجع عن تعثر في مواكبة التنمية في البلدان العربية الأقل قدرة وثروة، فيما استطاع بعضها الخروج من دائرة الفقر، لكنها لم تحرز تقدما قويا على مسار التنمية.
أدت تلك الحلقة إلى التراجع، ليس على المستوى الاقتصادي والفكري فحسب، بل اصطحبت معها أيضا تداعيات انعكست على واقع المجتمعات العربية، ونتجت عنها نتائج سلبية، أهمها هشاشة النسيج المجتمعي، وتفشي الأفكار الهدامة بين قطاع من الشباب.
أمام هذا الواقع، فإنه لا مفر أمام حكومات الدول العربية إلا باتخاذ الإجراءات اللازمة لمكافحة الفقر عبر نظم إصلاحية تكون لبنتها الأولى لإصلاح التعليم والنظم التشريعية التي تصون حياة كريمة للأفراد وتضمن عدالة التوزيع ورعاية صحية لبناء أجيال قادرة على المشاركة في العمل وزيادة الإنتاجية لمواجهة التحديات التي يمثلها الفقر ومظاهره المتباينة.
تسببت الوتيرة السريعة لانتشار فايروس كورونا عالميا في آثار بالغة على حياة الناس، بعد أن فرضت أغلب الدول قيودا على التنقل والاختلاط بين الناس، وشجعت على العزلة، حتى لو لم تفرض ذلك بالقانون.
ويبدأ حل الأزمة من إعادة ضبط دفة الاقتصاد مجددا بعد أن فقد اتجاهاته بسبب صدمة كوفيد – 19، فقد آن الأوان لدمج فئات المهمشين ضمن منظومة تشغيله والاستفادة من تلك القوى البشرية المحركة، بدلا من أن تتحول إلى وقود يلتهم ثمار نموه وتدخل في دائرة أزمات.
وحذر مرصد البنك الدولي من التأثيرات البالغة لكورونا على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة الضعيفة اقتصاديا، ما يفاقم من التحديات الصحية العامة المتزايدة وتأثيراتها غير المباشرة على النشاط الاقتصادي، فضلا عن صدمات أسعار النفط التي تشكل ضغطا على الموارد المالية للدول المصدرة والمستوردة على السواء.
تتفاقم الصدمتان اللتان ضربتا اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وقت واحد بفعل التحديات الهيكلية التي تعاني منها منذ وقت بعيد، وأثرت على بيئة الأعمال، ورفعت من معدلات البطالة.
أسفرت تلك الأوضاع عن انعدام الأمن الاقتصادي على نطاق واسع، ففي منطقة تقل فيها أعمار ثلثي السكان عن 35 عاما، بلغت نسبة البطالة بين الشباب قبل الأزمة نحو 25 في المئة نصفهم من النساء، ومن المتوقع أن تتضاعف بعد ذلك.
رصد مؤشر انعدام الأمن الاقتصادي، حتى قبل الأزمة أن نصف سكان المنطقة يعيشون على دخل يقل عن 5.5 دولار للفرد في اليوم على أساس تعادل القوى الشرائية في عام 2011، والتي تعادل حاليا أقل من ثلاثة دولارات.
على صعيد آخر، أسهمت الصراعات الحالية في مضاعفة معدلات الفقر المدقع، قياسا بالأفراد الذين يعيشون على دخل يقل عن 1.90 دولار للفرد في اليوم، من 2.4 في المئة في عام 2011 إلى 4.2 في المئة.
ومع التوسع في قياس معدلات الفقر في المنطقة وفق المؤشرات متعددة الأبعاد، فإن معدل الفقر المدقع في طريقه إلى التضاعف بشكل مخيف بسبب الجائحة.
ولا تزال تقديرات تكاليف الأزمات التي تعصف بالمنطقة غير مستقرة بسبب صعوبة التنبؤ بكيفية تفاعل الاقتصاد العالمي مع سياسات دول المنطقة، إلا أن التقديرات تشير إلى انكماش خلال العام الحالي بنسبة 1.1 في المئة.
قياسات ومؤشرات
كبدت الأزمة الدول العربية نحو 116 مليار دولار، لكن حدة الانكماش تزداد على البلدان النامية المصدرة للنفط في المنطقة بنسبة 3.9 في المئة، وستؤدي الصراعات الدائرة في اليمن وليبيا وسوريا إلى تعقيد الجهود الصحية لتلك البلدان، تضاف إليها الأزمة اللبنانية المالية والسياسية الطاحنة.
ألقى مرصد البنك الدولي الضوء على مخاطر تلك التداعيات على عدد من دول المنطقة والتي من شأنها جر شرائح جديدة إلى الفقر متعدد الأبعاد، وقال إن الجائحة تتسبب في آثار سلبية على الأسر في تونس مثلا، من ناحية الدخل والاستهلاك، خاصة في ما بين الفئات الأشد فقرا التي تأثرت بفقدان الوظائف وزيادة أسعار الغذاء.
كشف مسح أجراه المرصد أثناء فترة الإغلاق العام، أن أفقر 20 في المئة من مجموع الفقراء كانوا لا يحصلون على أي دخل مطلقا، كما تضرر أصحاب الأعمال الحرة بشدة، فنحو ثلث المشاريع الأسرية لم تحصل على أي دخل تأثرا بتفشي كورونا.
وكانت الأسر في المناطق الريفية أشدّ تأثرا، فالأزمة طالت جميع شرائح المجتمع، وأصبح الحصول على المنتجات الصحية الأكثر تعقيدا بالنسبة للأسر الأفقر متعذرا.
وأكد أن انتشار كورونا المستجد سيؤدي إلى إبطاء الاستهلاك والاستثمار في دولة مثل الجزائر، بينما يؤدي انخفاض أسعار النفط إلى تراجع إيرادات المالية العامة وعائدات التصدير، ما يزيد من ضغوط الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي والتصدي لأزمة الصحة العامة ومواصلة الإصلاحات الهيكلية.
وأوضح أن اقتصاد المغرب بحاجة إلى تمويلات، وبالنسبة إلى ليبيا فإن الصراع في البلاد يفاقم الأوضاع ويزيد من معدلات الفقر بصورة تلقائية.
وتبدو مصر في موطن ضعف، بما في ذلك ضعف الصادرات، وأداء الاستثمار الأجنبي المباشر، وقد تتفاقم العواقب المدمرة والمتعلقة بجائحة كورونا، ما يستلزم الحاجة إلى تخطي التحديات الهيكلية لحماية التعافي المستدام.وتنطوي التوقعات في العراق على مخاطر كبيرة مرتبطة بانخفاض أسعار النفط، وتفشي كورونا، والقيود على تمويل الموازنة، والجمود السياسي، والحاجة إلى ضبط أوضاع المالية العامة.
أما الاقتصاد السعودي فتوقعات تحسنه ضعيفة حتى الآن مع استمرار العجز في أرصدة المالية العامة متوسطة الأجل، ما يهدد القدرةعلى تحقيق أهداف المالية العامة لرؤية 2030.
وتواجه دولة الإمارات العربية تحديات دقيقة في القطاع العقاري، على الرغم من تدشين برامج التحفيز المالي التي تستهدف تسهيل وتسارع نمو الاقتصاد.
وتكبد الاقتصاد العربي وفقا لتقديرات الخبير الاقتصادي المصري محمود محيي الدين منذ بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، نتيجة لأسباب جيوسياسية خسائر تزيد على 900 مليار دولار لتضيف عبئا جديدا على أعباء تراكمت من تراجع النمو والتنمية الشاملة.
ووصف هذه المرحلة بأنها مرحلة “المربكات الكبرى”، نتيجة حالات الاضطراب وعدم اليقين والحراك السريع الذي يشهده عالم شديد التغير، ويعاني من تقلبات بيئية وتغيرات في المناخ وزيادة مخاطر الجفاف.
يواكب كل ذلك ارتفاع في معدل النزوح وكثرة اللاجئين والمهاجرين قسرا بسبب الصراعات والكوارث الطبيعية وتسارع وتيرة التحولات التكنولوجية.
وتابع محي الدين “بينما نجحت بعض الأقاليم الاقتصادية حول العالم من تخفيض نسبة من يعانون من الفقر المُدقِع، إلا أن هذه النسبة زادت عربيا إلى الضعف من 2.6 في المئة إلى 5 في المئة”.
ويعد الإقليم الاقتصادي العربي الأسوأ في عدم عدالة توزيع الدخل، إذ يستحوذ أغنى 10 في المئة من السكان على 61 في المئة من الدخل القومي، في حين أن العشرة فيس المئة الأغنى في أوروبا لا يتجاوز نصيبهم 37 في المئة وفي الصين 41 في المئة والهند 55 في المئة.
وما يزيد من تعقيد هذا التوزيع المجحف أن معدلات البطالة التي تفضي إلى فقر أشد تركزا بين شباب العرب، وأعلى بين النساء مقارنة بالرجال.
احتياجات عربية
يحتاج الاقتصاد العربي إلى توليد 10 ملايين فرصة عمل جديدة كل عام حتى يتصدى لمعضلة الفقر والبطالة، على أن تتاح هذه الفرص وفقا لسياسات نمو شاملة تعزز من فرص مشاركة النساء في سوق العمل لتعزيز التنمية التي لا تنال من حقوق الناس أو تهدر طاقتهم عبثا.
ورغم تفاقم الفقر في المنطقة العربية، إلا أن مجتمعاتها تزداد شبابية في هرمها السكاني، الأمر الذي يسّرع من وتيرة التحسن ومواجهة الفقر بكافة أبعاده.
وما يقارب من 60 في المئة من السكان تحت سن الثلاثين، تزامنا مع زيادة توقعات العمر، وهي أمور إيجابية إذا أحسن الاستعداد لها بزيادة الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية كمكونات رئيسية لرأس المال البشري.
ومع أن الدول هرعت إلى تنفيذ إجراءات لحماية الفقراء من خلال زيادة المعونات الغذائية والتحويلات النقدية الموجهة للمستحقين، غير أن حدة الأزمة، تحتاج لجهود إضافية لتخفيف حدة الضرر الناجم عن فقدان الوظائف وتقليل فجوات عدم المساواة، وهي ظواهر ترتبط تاريخيا بتفشي الأوبئة.
وتتفاقم الأوضاع مع تزايد معاناة الأطفال في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة لإطلاق تحذيرات من تلك التداعيات، حيث يصل عدد الأطفال ممن يعيشون تحت خط الفقر في البلدان منخفضة ومتوسط الدخل نحو 672 مليون طفل.
تضع الأزمة الراهنة لجائحة “كوفيد – 19” الدول أمام تحديات كبيرة تختبر سياساتها وأجهزتها لعبور تداعيات الأزمة التي شوهت هياكل الدول ماليا، وزادت حدة الضغوط المجتمعية، فلا مفر من تخطيها إلا بإجراءات تضمن المساواة في توزيع الدخل، الذي تحصد ثماره جميع فئات المجتمع.
ويحتاج ضبط هذه المنظومة إلى نظم تحفيز مالية تعود بالنفع على الأفراد، ويعني هذا زيادة الاستثمارات العامة في الرعاية الصحية لحماية الفئات الأكثر ضعفا وتقليص المخاطر التي تترتب على الجوائح المستقبلية. كما أنه من الضروري أن تواكب هذا التوجه تقوية شبكات الأمان الاجتماعي، والتوسع في إتاحة التعليم عالي الجودة، والمياه النظيفة، والمرافق الصحية، والاستثمار في البنية التحتية.

بقلم: محمد حماد

صحافي مصري