حقوقيّون يدعون إلى “مصالحة حقيقيّة” في المغرب

حول وضعية حقوق الإنسان بالبلاد، خاصّة حرية الرأي والتعبير، وحَقَّي الاحتجاج والتّنظيم، اجتمع ناشطون حقوقيون في ندوة استقبلتها القناة الإلكترونية “ريفيزيون”، بمناسبة الذكرى 41 لتأسيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، ودعا إليها فرع أبرز الجمعيات الحقوقية بالمملكة، في خنيفرة.

“حاجة إلى الضّغط”

قالت خديجة الرياضي، منسقة اللجنة الوطنية من أجل الحرية لمعتقلي الرأي والتّعبير، إنّ “المخزن” المغربي نجح في استعمال تهم الحقّ العامّ، التي تدفع الحركة الحقوقية إلى التريّث قبل التعبير عن تضامنها مع المعتقلين، وتقسّمها للنّقاش حول هل تمّ الاعتقال بسبب مواقف المعتقَل أو لارتكابه أفعالا مجرَّمَة قانونا، علما أنّ “هناك من يتريّث بحسن نية، ومن له موقف مسبَق بعدم التضامن”.

وزادت الحاصلة على جائزة الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان أنّ هذا التّقسيم باستعمال تهم الحقّ العامّ هو ما حدث مع توفيق بوعشرين، وبشكل أقل مع سليمان الريسوني، وأيضا مع بعض الإسلاميين سنة 2003، الذين لم يدافع عنهم إلا قليل من الحقوقيين، بعدما اعتقلوا خلال فترة التفجيرات الإرهابية بالمغرب.

وترى الرياضي أنّ هناك “جبنا اليوم عند المخزن، وعدم قدرة على مواجهة من يعتبرهم خصوما له، ندّا لندّ، لما يعتبره فعلا يهدّده ويهدّد مصالحه (…) -بينما هم- أناس يتشبثون بحقهم في التعبير”، ونبّهت إلى الوسائل المستعملة من بينها “نشر معلومات مغلوطة تؤثر على الرأي العامّ”، مع ذكرها أنّ “كل متشبث بحريته وحقه في التعبير عن مواقفه وآرائه وانتماءاته مهدد بالاعتقال”.

وتشدّد الرئيسة السابقة للجمعيّة المغربية لحقوق الإنسان على أنّ للعمل الحقوقيّ نتائج تمتدّ إلى خارج المغرب، ولو ظهرت ردود الفعل الحقوقية من عرائض ووقفات وندوات بسيطة، واستحضرت في هذا السياق “تأثير المنظمات والصحافة الدولية في تاريخ المغرب، علما أنّها تأخذ بعين الاعتبار ما يجري بأرض الوطن، وتنتظر ما سيتمّ على المستوى الداخلي، وردود فعل الجمعيات المعروفة ذات المصداقية”.

وتزيد الرياضي شارحة أهمية الاستمرار في العمل الحقوقي بذكر أنّ من “المهم للمعتقل أن يعرف أن هناك نشطاء بجانبه يتحرّكون”، كما قدّمت مثالا على قضايا كان فيها لعمل الحركة الديمقراطية داخل البلاد وتحرّكها السّريع أثر جليّ على حجم صداها بالخارج، ما نتج عنه إطلاق سراح معتقلي رأي، مثل قضايا الصّحافيين: عمر الراضي وهاجر الريسوني وعلي أنوزلا.

وتذكر المتحدّثة أنّ “الحلّ الجذري للاعتقال السياسي لا يمكن أن يكون في ظلّ النظام الحالي، لأنّ هذا الاعتقال سلاحه كنظام يعتمد على الفساد والاستبداد ضد من ينشرون الوعي بهذا، وبالتالي يبقى الحلّ مع هذا المعطى الضغط من أجل الانفراج”، ثم استرسلت مفصّلة: “ما يغير الأمور هو ميزان القوى، والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين يحتاج ضغطا مثل حرَاك عشرين فبراير، الذي ولو لم يتمّ معه تغير جذري نتجت عنه بعض المكتسبات”.

وفي سياق متّصل، تحدّثت الرياضي بصفتها عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، قائلة إنّ هذه الهيئة تعرّضت لـ”قمع ممنهج بدأ بشكل قوي سنة 2014″، و”قد يكون الظّنّ وراءه أنّ ما سُلِّطَ على الجمعية عبر الحرمان من وصولات الإيداع والمنع مع وسائل الإعلام والقاعات العمومية والخاصة، وطرد ومنع الشركاء الذي تمسكوا بها، وبالتالي عدم بقاء الدّعم الذي كانت تستفيد منه، ودون هذا التمويل، ستغلق وترحل، في حين تتشكّل خمسة وثمانون بالمائة من ميزانيتها مِن دعم المناضلين والمناضلات، ومحيطها”، وهو ما ترى أنّ الجمعية أثبتته “بعد كلّ سنوات الحصار هذه، واستمرارها في القيام بأدوارِها”.

وزادت الرئيسة السابقة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان أنّ “ما تمّ التراجع فيه هو أنشطة التربية على حقوق الإنسان التي كان يستفيد منها الأطفال والمحامون والأساتذة والصحافيون والطّلبة”، وهو ما تَعتبر أنّه “يظهر أنّ ما كان يزعج الدولة هو نشر الوعي الحقوقي”، ثم استرسلت في ردّ على من يصف تقارير الجمعية بـ”السّوداء”: “ما يُسَوِّدُ التقارير هو سياسة الدولة والحكومة، وتقارير الجمعية تعكس هذا الواقع، وهي تقارير مازالت تنشر وتعتمد عليها الصحافة الدولية”.

وتضيف الرياضي أنّ “الجمعية اعتادت القمع، ولم يخفّف إلا في بضع فترات”، ثم زادت متفاعلة مع ما يروج بين الحين والآخر من اختلاف في التقديرات الحقوقية لهذه الهيئة: “عرفنا خلافات داخل وخارج مؤتمراتنا، ودبَّرناها، والمشكل هو ركوب المخزن على هذه الاختلافات والخلافات التي فيها تقديرات مختلفة، وهذا لا يؤثر في عمل الجمعية ولن يوقفها في عمل الدفاع عن المقهورين وضحايا الانتهاكات، وفضح هذه الانتهاكات، ونشر ثقافة حقوق الإنسان كلما كان ذلك ممكنا”.

“نكوص حقوقي”

يرى عبد الرزاق بوغنبور، منسق لجنة التضامن مع الصّحافي سليمان الريسوني، أنّ “المغرب دخل سنة 2014 في تراجعات ونكوص حقوقي، رافقه تدجين الأحزاب الموجودة بالبرلمان والتحكم في قادتها، هي والنقابات”، وزاد: “لم تبق بعد التراجع الذي تلا حَرَاك عشرين فبراير وما نتج عنه من انفراج نسبيّ، ودستور 2011 على علّاته، أيّ جهة ممانعة باستثناء جزء من الحركة الحقوقية، والصحافة الحرة والمستقلة”، وأضاف: “توجد مؤسّسات دستورية ذات طابع إغرائيّ، لإغراء الحقوقيّين”.

ووفق قراءة بوغنبور فإنّ الفرق بين سنوات الجمر والرصاص والوقت الحالي أنّه “على الأقل كان يتابع المتابَع بتهم مشرّفة هي التي قام بها فعلا”، في حين أنّ “الدولة حتى لا تحتكَّ بالمنتظم الدولي سارت في اتجاه آخر، تستعمل فيه تهما مسيئة، تنفّر المواطن العادي عند سماعِها”، وهو ما وصفه بأنّه “بالأساس يسيء إلى الدولة المغربية، ولا يسيء إلى المناضلين”.

ويضيف الحقوقي: “الانتهاكات الجسيمة مستمرة إلى حدود الآن، وقد نعود -مستقبَلا- إلى تجربة جديدة للعدالة الانتقالية بالمغرب، بعدما ضاق خناق الدولة وصدرها، إلى درجة أن مواطنا بسيطا يتحدث عن ظلم لحقه يمكن أن (…) -يواجه- بالمتابعة بالسجن والغرامة”.

ويسترسل بوغنبور قائلا إنّه لا يمكن القَبول بـ”توظيف كل أجهزة الدولة للمس بسليمان الريسوني، بمشروع تهمة، لأنّ الطرف المشتكي لم يشتك، بل عبر عما مسه في تدوينة مجهولة، فضلا عن أنّ الصحافي الريسوني كان من المنطق ألا يتابع في حالة اعتقال”، مضيفا أنّ هذا الملفّ يرافقه “تحرك خطير لتثبيت التهمة عليه”.

ويعتبر الحقوقيّ أنّ التّهم التي لم يجر بعد اتّهام سليمان الريسوني بها “ملفّقة بشكل من الأشكال”، بعد “اعتقال بشكل هوليودي بخمسة عشر فردا، ومحاكمة سياسية بنفس سيناريو توفيق بوعشرين وهاجر الريسوني، في صيغة جديدة تُستَغَلُّ فيها فئة معينة لكسر الحركة الحقوقية، حتى لا يجري دعم موحد من الحركة الحقوقية المحلية والدولية”، ثم زاد: “وهو ما لم يصمد طويلا”.

بدوره يتحدّث كبير قاشا، عن لجنة بودا لدعم المعتقلين السياسيين، عن “تفجر بؤر المتابعة والانتقام بمجموعة من المناطق، وعلى رأسها خنيفرة”، مقدّما مثالا بعبد العالي باحماد، الملقب بـ”بودا”، ومسجونين آخرين حكم عليهم بستة أشهر سجنا “في حكم قاس لنشرهم مقطع فيديو -يتضمّن تعليقا- حول القفة الإنسانية خلال كورونا”.

ويزيد المتحدّث أنّ “الأجواء مرشحة لمزيد من الاعتقالات”، بعد ما سمّاه “تفحش البطش المخزني، وبطش النظام واستبداده، والمحاكمات، والمتابعات، وصحافة التشهير، وتكبيل طلائع النضال في المدن والبوادي، وتأديب وتكبيل الصحافة والمدونين، وتشويه وضرب مصداقية المناضل والصحافي والحقوقي”، كما سجّل في هذا السياق أنّ ما جرى في محاكمة بودا ومعتقلي الرأي الآخرين أنّهم “كلهم كانوا مذنبين بما اتُّهِمُوا به لا بما تمّ إثباته، مع انتهاك للحق في الحرية بالاحتجاز غير الضروري الذي يرقى إلى الاحتجاز التعسفي”.

“الحاجة إلى مصالحة “

يقول خالد البكاري، ناشط حقوقي، إنّ المتابعات ذات الخلفية السياسية “أرجعت المغرب بسنوات ضوئية إلى الوراء”، وزاد متحدّثا عن حراك الرّيف ومجموعة من الحركَات الاجتماعية الأخرى بالمغرب: “تشتغل الدولة بمنطق الأمننة بدرجة أولى، لا بالبحث عن حلول للاحتجاجات، بل بقمعها وجعلها درسا”.

ويسجّل الحقوقي ما حدث من “قمع كبير لأي تحرك في الناظور، حتى لا تنتقل البؤرة القوية في الحسيمة إلى هذه المدينة”، ثم زاد: “جميع انتهاكات حقوق الإنسان حدثت في حراك الريف، مِنَ التعذيب الموثَّق خلال التوقيف وفي مرافق الشرطة والسجون، واعتقال القاصرين، في فترة الدّراسة، وإبعادهم عن آبائهم، مع توجيه تهمة المس بأمن الدولة لهم، إضافة إلى شبهة القتل في ملف عماد العتابي وحفيظ حداد، والعنصرية أثناء عملية التوقيف، وانعدام الحق في الحصول على المعلومة، والمحاكمات الصورية، ومرافعات النيابة العامّة في الدار البيضاء والحسيمة والناظور، وتعليلات الأحكام التي كانت صورة طبق الأصل لما قالته الضابطة القضائية، والتشهير وانتهاك الحياة الخاصة”.

ويقدّر البكاري أنّ الحسيمة عانت من “شكل من أشكال العقاب الجماعي للمنطقة مثل ما حدث سابقا في سيدي إفني”، وهو ما تجلّى في “الحصار ومداهمة البيوت”، مع تسجيله ما رافق هذا من “مس بحرية الصحافة بغلق بعض المواقع، وضرب حق الصحافيين في الوصول إلى مدينة الحسيمة، ومن بينهم صحافيون دوليون”.

وبرؤية بانورامية، يرى خالد البكاري أنّ المتتبّع سيجد “أنّنا أمام انتهاكات خطيرة” و”صورة مصغرة عن انتهاكات تمّت في حراكات أخرى”، ثم أضاف: “نحتاج قراءة نقدية. ويجب أن تجري القراءات النّقدية بشكل عاد بعدما يقع الحدث”، قبل أن يستدرك بالقول: “مازلنا في ما يقع، ونحن أمام انتهاكات تحتاج تدخّلا لوقفها، ومازالت بعض الجروح الشخصية والسياسية لم تندمل، ويمكن أن تؤدي القراءة النقدية إلى عكس المبتغى منها حاليا”.

ويسجّل الحقوقي أنّ الدولة المغربية في تدبيرها لحراك الرّيف “بقيت وفية لمنطقها الأمني”، ثم أضاف شارحا: “للعقل الأمني انتصارات آنية، حتى بمنطق الانتصار والخسارة الذي أرفضه. ويمكن لأي دولة حتى ولو كانت ديمقراطية توقيف احتجاج سلمي مدني بآلية العنف، ولكن هل حلَّت -بهذا- المُشكِلَ؟ لا. بل زادت الطين بلّة”.

ويزيد البكاري: “كان الحراك احتجاجات عقب المقتل المأساوي لمحسن فكري، وبعدما حدث لم تعد الاحتجاجات مرتبطة بملف مطلبي، بل بجرح فتح ويصعب أن يندمل في خمس سنوات، ويرتبط بعلاقة منطقة بالمركز، وعلاقتها بالدولة. وصارت عندنا جروح الذاكرة والتاريخ، وهو ملفّ يحتاج مصالحات حقيقيّة لا مصالحات مغشوشة، مثله مثل ملفّ الصحراء، ويطرح أسئلة أكبر حول شكل النظام السياسي، وقنواته الإدارية، وهل يمكنها حل المطالبات؟ ليس بالريف وحده بل مختلف الجهات التاريخية”.