سعيد المغربي يضيء “بيت ياسين” بومضات من زمن الفن الملتزم

كأنّ الزمن عاد إلى سنوات السبعينيات من القرن الماضي، يومَ كان المغرب يغلي سياسيا واجتماعيا، وكان المبدعون الملتزمون يقبضون على الكلمة الحقِّ كالقابض على الجمر الملتهب، ومنهم الفنان سعيد المغربي، الذي أعاد مشاهدي الحلقة الأخيرة من برنامج “بيت ياسين”، الذي يقدمه الإعلامي المغربي ياسين عدنان، إلى تلك السنوات الخالية، بغضبها واحتقانها وخيباتها وانتصاراتها.

لا شيء تغيّر في الفنان سعيد المغربي، نبرات صوته المسكونة بالغضب والحزن مازالت قوية كما كانت زمن “سنوات الجمر والرصاص”، وترانيم عوده مازالت وفية لإبداع “الزمن الجميل”، أما مواقفه المبدئية فلم تتزحزح، ولازال يعبّر عنها بنفس الحماسة التي كان يعبر بها عنها أيام الشباب في أغانيه الخالدة المحفورة في ذاكرة محبّيه.

كان الفنان سعيد المغربي، ابن مدينة مراكش، “غيثا تستحقه الشجرة، وكان حُلما فاستوطن الأغنية، وكان رمزا لمغرب جديد ووعدا لمغرب غير الذي كابدناه”، كما وصفه ياسين عدنان في تقديم الحلقة التي استضافه فيها ببيته الثقافي على قناة الغد، وختم التقديمَ بجملة معبّرة عن أثرٍ نقَشه الفنان الضيف في قلب ياسين كما في قلوب الشباب من جيله فحواها: “أيها المغربي السعيد نصير كلنا سعداء حين نسمعك”.

انطلقت رحلة الفنان سعيد المغربي على درب الفن الملتزم في وقت مبكر من طفولته، إذ كان يغنّي أغاني معقدّة كما سماها، وهو بالكاد يضع رجْله الأولى على عتبة السنة السادسة أو السابعة من عمره؛ لم يشرح كيف نشأ هذا الشغف بالأغنية ذات الحمولة الكبيرة من المعاني في نفسه وهو بعد طفل صغير، فهذا ليس مهما، طالما أن الفن “هو الذي يختار وينتقي شخوصه”، كما قال.

ولم يكن مسار الفنان السعيد كما لقبه ياسين عدنان على درب الفن مفروشا بالورود، أو سالكا على الأقل وصالحا للسير، إذ ما كادتْ أنامله تنسج علاقة صداقة وألْفة مع أوتار قيثارته التي كافح في سبيل جمع ما يلزم من الدراهم لشرائها حتى كسرها والده، الذي لم يكن راضيا بأن يسلك ابنه طريق الفن؛ لكنّ الطفل العنيد الذي كانَه سعيد لم يستسلم، فبعد أن كُسرت قيثارته شمّر بدوره عن سواعد التحدي وكسر كل الحواجز التي اعترضته في طريق الفن.

بدأ شعاع أضواء الشهرة يتدفق على سعيد المغربي حين نجح في مباراة لاختيار مواهب فن الغناء إثر جولة قامت بها القناة التلفزيونية الأولى في مختلف جهات المملكة، وجعلته الصدف، بعد المباراة الانتقائية الأولى، يغني أمام لجنة التحكيم في استوديوهات القناة بالرباط إلى جانب المطربة نعيمة سميح. في ذلك الاختبار غنى سعيد المغربي أغنية بعنوان “جرح قديم”.

وكان الفنان الشاب على وشك أن يلتحق بالجوق السيمفوني الذي يقدم سهرات في القصر الملكي، بعد أن اختبر صوتَه الجنرال خشان، رئيس الجوق السيمفوني آنذاك، وأُعجب بالملكات الصوتية للفنان الشاب القادم من حي الداوديات العريق بمدينة مراكش، وغداة ذلك فُتح له باب الانضمام إلى برنامج “مواهب” الذي كان يقدمه الموسيقار الراحل عبد النبي الجيراري، ملحّنا للمقاطع الموسيقية ومؤدّيا لها.

غير أن سعيد المغربي “اختار أن يشيح بوجهه عن أضواء قناة “دار البريهي”، وإغراءات إحياء السهرات في القصر الملكي، ويديرَ الدفّة: باتجاه الوجع”، كما قال ياسين عدنان، فقرر العودة إلى قيثارته ليشدو أغاني متوافقة مع ما يمور في صدره وتعبّر عمّا لا يستطيع أن يبوح به جهرا داخل استوديوهات التلفزيون الرسمي.

يقول سعيد المغربي جوابا عن سؤال حول سبب تخلّيه طواعية عن أضواء التلفزيون، وعرض الغناء في القصر الملكي، و”إدارته للدفّة باتجاه الوجع”: “اخترت هذا الطريق بسبب الظروف التي كان يمر بها المغرب، والهيجان السياسي والشبابي الذي كان يعرفه آنذاك، وتأثيرات الحركة الطلابية العالمية على نظيرتها المغربية وظهور أشكال جديدة من الإبداع الفني والمسرحي بالمغرب”.

كانت هذه هي العوامل التي دفعت سعيد المغربي إلى الاصطفاف في صفّ الفنانين حاملي مشعل الأغنية الملتزمة، لكنّ العامل الحاسم في هذا الاختيار هو صديقه بندريس الكاتي، الذي كان له تأثير مباشر في توجيهه نحو هذه الوجهة، رغم أن الأغنية السياسية لم تكن ذات مرجعية فنية لدى الفنان الشاب الذي أراد أن يكرّس فنّه للدفاع عن المظلومين والمسحوقين المهضومة حقوقهم.

في الحلقة الأخيرة من برنامج “بيت ياسين”، شدا الفنان سعيد المغربي على أنغام عوده بأغنيته ذائعة الصيت “الأمّ الوطن”، الشهيرة بـ”ولدك آلالّة”، التي غناها سنة 1979، حول القمع الذي كان سائدا خلال تلك الفترة من تاريخ المغرب، والتي مازالت تستوطن ذاكرة ووجدان جيل ذلك الزمن إلى اليوم، وحفظها الناس، عندما غنّاها مبدعها بشكل لا يصدق، بتعبير ياسين عدنان، رغم أنها لم تكن تُبث لا على أثير الإذاعة ولا شاشة التلفزيون.

عندما ضاقت أرض المغرب بما رحبت بسعيد المغربي، اضطرّ إلى اللجوء إلى المنفى في باريس، وظل وفيّا للاختيار الفني الذي ارتضاه لنفسه، مزاوجا بينه وبين الدراسة الجامعية، حيث نال شهادة دكتوراه كان موضوع أطروحتها “الأصول النظرية للموسيقى المغربية الأندلسية”، وعاش منفيّا إلى غاية سنة 1994، حيث حصل على عفو من الملك الراحل الحسن الثاني، وعاد إلى المغرب.

لا يُخفي سعيد المغربي انزعاجه من كون الجامعة حيث يشتغل أستاذا سحبتْه من الساحة الفنية، بل يعتبر أن انضمامه إلى الجامعة أدّى إلى انكسار على مستوى مسيرته الإبداعية، وهو مازال، كما قال، قادرا على العطاء وعلى التجديد الموسيقي والفني، قبل أن يغرف من معين النكتة المراكشية معلقا على التحاقه بالتدريس الجامعي قائلا: “عطاونا عْظم نگرددوه”.