هل ستعيش الديمقراطية موجة جديدة من الحجر بسبب “كورونا”؟‎

قال أحمد بوز، أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري في جامعة محمد الخامس بالرباط، إنه “قبل اندلاع جائحة ‘كوفيد-19’، كانت بعض الدراسات أكدت عودة عدة دول إلى الوراء في مسار النظام الديمقراطي، وبداية ارتفاع موجة أوتوقراطية كونية في بلدان أقل ديمقراطية وأكثر سلطوية. كما ارتفعت أصوات كثيرة تناقش تحديات الديمقراطية النيابية أو التمثيلية، وتشكو من كون التمثيل الشعبي لم يعد يكفي لمعالجة قضايا الناس ومشاكل المجتمع”.

ومضى البوز في مقالة بعث بها ، تحت عنوان: “هل ستعيش الديمقراطية موجة جديدة من الحجر؟”، متسائلا: “هل يعني ذلك أن العالم سيدخل لا محالة موجة جديدة من الاستبداد، وأن “الحجر الديمقراطي” سيستمر إلى أمد بعيد، وأن ما يقدم في فترة الجائحة باعتباره إجراءات استثنائية لا مندوحة منها، قد يصبح قاعدة ويتحول إلى نظام عام وحالة دائمة، كما أن الحدود بين السلطوية والديمقراطية ستتهاوى أكثر فأكثر؟”.

إليكم المقالة:

قد لا يكون السؤال حول أزمة الديمقراطية بجديد، فمنذ مدة دخل الشك والريبة في قدرة النظام الديمقراطي على تجاوز الأزمات التي عرفتها عدد من البلدان وعلى بناء مشروع جماعي جديد، وعلى إيجاد الحلول المناسبة لحل مشاكل الناس. وقد تدعم هذا الشك بالنقد الكبير الذي وجهه مفكرو ما بعد الحداثة لهذا النظام، باعتباره وريث فلسفة الحداثة والمؤسسات البالية والبيروقراطية التي أتت بها، والتي كبلت حرية الفرد وهامش حركته، وكذا باعتباره يحيل إلى تفويض السلطة الذي يعطي حق التصويت لرجال ونساء لكي يمارسونه باسمنا.

وقبل اندلاع جائحة “كوفيد-19″، كانت بعض الدراسات أكدت عودة عدة دول إلى الوراء في مسار النظام الديمقراطي، وبداية ارتفاع موجة أوتوقراطية كونية في بلدان أقل ديمقراطية وأكثر سلطوية، كما ارتفعت أصوات كثيرة تناقش تحديات الديمقراطية النيابية أو التمثيلية، وتشكو من كون التمثيل الشعبي لم يعد يكفي لمعالجة قضايا الناس ومشاكل المجتمع. فنصف الناخبين تقريبا لم يعودوا يمارسون حقهم في التصويت، والثقة في المؤسسات المنتخبة اهتزت إلى أبعد تقدير، وانقطع التيار أو كاد بين الناخبين والمنتخبين.

وخلال بداية الألفية الثالثة، كان شعار “الحرب على الإرهاب”، الذي نادى به الرئيس الأمريكي السابق جورج وولكر بوش في أعقاب أحداث 11 شتنبر 2001، أطلق العنان لكثير من الدول في الشرق كما في الغرب، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، لارتكاب ممارسات وأفعال تشكل تجاوزا وانتهاكا واضحا للديمقراطية، وللحرية التي تعد مرتكزها الأساسي.

لكن، كون الديمقراطية ليست بخير، وأنها لا زالت تعاني في كثير من البلدان، وكون أن انتصارها المحقق لم يمنع من استمرار بعض الجوانب المتعلقة بها، سواء على الصعيد الفكري أو على صعيد الممارسة، بدون حل وموضوع جدل عميق، كما جعلها فكرة موضع خلاف، فإن ذلك لا يمنع من الاعتراف أن السؤال حول أزمة الديمقراطية أصبح، مع هذه الجائحة التي يعرفها العالم منذ بداية 2020، أكثر إلحاحا، حيث وجدت نفسها أمام تحديات كبرى، وربما غير مسبوقة، وهناك على الأقل ثلاثة أسباب تبين ذلك:

أولا: حجم وخطورة التداعيات التي خلفتها هذه الجائحة على الممارسة الديمقراطية. فعندما يفرض تهديدها على هذا الكم الهائل من الدول أن تعيش في ظل حالة طوارئ معلنة، ويصبح في كل مكان مبررا وعذرا لتقليص الحقوق والحريات، ويؤدي إلى تقييد حرية عدد كبير من الناس في التنقل، ويجبر ملايين الناس على توقيف ممارسة عاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم، كما ينقل جمهور المتدينين من حالة التدين الجماعي إلى حالة التدين الفردي. وعندما يفرض تأجيل الانتخابات في فرنسا وبوليفيا مثلا، ويجمد التجمعات الانتخابية في أقوى دولة في العالم، التي ينتظرها استحقاق انتخابي مثير، ليس فقط لأن خلاله سيتم انتخاب الرئيس ومجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ وآلاف من المناصب الأخرى، وإنما أيضا لأنه يعد حاسما في اختيار تمديد التفويض للشعبوية التي يمثلها دونالد ترامب أو إصابتها في مقتل.

وعندما يؤدي إلى إلغاء استفتاء تعديل الدستور في الشيلي وروسيا الفيدرالية، كما يلغي استفتاء مدرسيا في بلدة صغيرة في سويسرا كان سيشكل الأول من نوعه الذي يطلقه المواطنون في إطار ممارسة الديمقراطية التشاركية. وعندما يفرض تعليق عمل البرلمانات في بعض البلدان، ويصادر حق بعضها في التشريع إلى أجل غير مسمى لفائدة السلطة التنفيذية، كما حصل في هنغاريا مثلا، كما يفرض اللجوء إلى التعليم عن بعد الذي ظهرت الفجوة التي يمثلها على مستوى العدالة التعليمية.. عندما تكون الجائحة وراء كل هذه القيود، فمن المؤكد أن التداعيات التي كانت للأزمة التي تسببت بها، فاقت بشكل كبير ما تخلفه عادة الإجراءات الاستثنائية المألوفة في ظروف الأزمات.

ثانيا: إن خطورة الوباء، وشعور الناس بكونه يمثل تهديدا حقيقيا لأمنهم “البيولوجي” أو “الوجودي” بتعبير عالم الاجتماعي أنتوني جيدنز، وبأنهم فريسة ضعيفة لـ “زائرهم الأخير”، إذا كانت قد جعلت الوباء يوفر للحكومات الديكتاتورية والديمقراطية ـ على حد سواء – فرصة للتعسف وإساءة استخدام القرار وتقليص الحريات المدنية، كما جعلت السلطات التنفيذية تبدو كما لو أنها استنفدت مبرر الإرهاب لاتخاذ تدابير استثنائية، ووجدت في “اختراع وباء يمنحها الذريعة المثالية لتعميم إجراءاتها التي تتجاوز كل الحدود”، فإن المثير هو أن يتم ذلك هذه المرة بنوع من تسليم الناس بهذه الإجراءات، وتمثلهم لممارسات كانوا يرفضونها من قبل إلى ما يشبه تعبيرا عن حاجة مجتمعية.

نعم كانت هناك بعض المقاومات، ويمكن أن نستحضر هنا كيف وقف مثلا البرلمان في النرويج ضد محاولة السلطة التنفيذية الانفراد بالتصرف من خلال مراسيم، كما يمكن أن نستحضر الآراء التي عبر عنها مثقفون وإعلاميون وحقوقيون هنا وهناك، بل إن دولا هي نفسها طالما نبهت إلى عدم استغلال هذا الوباء لخنق الحقوق والحريات، كما فعلت مثلا 13 دولة في الاتحاد الأوروبي، لما أصدرت بيانا مشتركا تحذر فيه من مخاطر المس بمبادئ حكم القانون والديمقراطية والحقوق الأساسية بفعل تبني إجراءات طوارئ. لكن ذلك لا يمنع من القول إنه كان هناك نوع من الاستسلام العام، والتقدير شبه الجماعي بأن التشدد هو السبيل لمواجهة تداعيات التهديد الحقيقي للوجود الإنساني، الذي شكله هذا الخطر القادم من الشرق، حتى ولو كانت بعض مظاهر ذلك التشدد، خاصة لما تسمح مثلا بتعقب مخالفي حظر التجول عبر استعمال نظام تحديد المواقع (GPS)، أو استخدام طائرات الدرون، ليست فقط تقيد حريتهم، وإنما تمسهم في حميميتهم وفي خصوصياتهم ومعطياتهم الشخصية.

ثالثا: جائحة “كوفيد-19” لأول مرة تطرح مثل هذا النقاش الحاد والمحير حتى في البلدان ذات الديمقراطيات العريقة حول كيف يمكن التوفيق بين الديمقراطية، بكل ما تعنيه من حرية الناس في التصرف وفقا لعوائدهم، وأن تكون لهم حقوق، كما يكون لهم رأي في قبول أو رفض الإجراءات الاستثنائية المتخذة، وبين متطلبات مواجهة خطر حقيقي وغير مسبوق. وبالتالي، فقد وجدت هذه الدول الديمقراطية نفسها أمام اختبار، ربما غير مسبوق، بين أولوية الحرية، أي الديمقراطية، وأولوية السلامة الصحية. لذلك، فعندما أطلق الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون صيحته الشهرية: “نحن في حالة حرب”، كان الاختلاف قويا حولها، بين من اعتبرها مجرد محاولة لحشد قوي لمواجهة الوباء وبين من ذهب في اتجاه “شيطنتها”، وإعطائها بعدا يرتبط بالرغبة في إيجاد مبررات لتجاوز القيود التي تفرضها الديمقراطية على ممارسة السلطة، كما فعل الأكاديمي النمساوي فلوريان بيبر، عندما قال عنها إنها تشكل نداء خطيرا، لأن الفيروس ليس جيشا عسكريا، ولأن استحضار فكرة الحرب قد يكون محاولة لتبرير إجراءات قمعية، وتحويل أزمة صحية لأزمة أمنية.

فهل يعني ذلك أن العالم سيدخل لا محالة في موجة جديدة من الاستبداد، وأن “الحجر الديمقراطي” سيستمر إلى أمد بعيد، وأن ما يقدم في فترة الجائحة باعتباره إجراءات استثنائية لا مندوحة منها قد يصبح قاعدة ويتحول إلى نظام عام وحالة دائمة، كما أن الحدود بين السلطوية والديمقراطية ستتهاوى أكثر فأكثر؟

إن الإجابة عن سؤال من هذا النوع قد تبدو تمرينا معقدا وصعبا، ففي عالم الكوارث والأزمات واللايقين وشعور الإنسان بالعجز أمام الطبيعة، والضغط الذي يمارسه الخوف من المجهول، تكثر الأسئلة وتقل الأجوبة، كما يقول أحد الباحثين، خصوصا لما يتعلق الأمر بمساءلة أزمة لها خصوصيتها المستمدة من كون الجائحة التي سببتها لم تصب فقط البشر والاقتصاد، وإنما مارست ضغطا رهيبا على عاداتنا اليومية، وعلاقاتنا الاجتماعية، ولما يتعلق الأمر أيضا بأزمة لا نعرف كيف نتعامل معها، كما لا نعرف لحد الساعة الزمن الذي ستنتهي فيه. مع ذلك، يمكن القول إن الانطباع السائد أو “الحس العام” يدفع إلى الحديث عن كون الإجراءات الحالية قد تنجح في التخفيف من انتشار الفيروس وتفشي الجائحة، لكن العالم سيواجه خطرا من نوع آخر، إذ ستكون العديد من البلدان أقل ديمقراطية بكثير مما كانت عليه قبل مارس من السنة الجارية، حتى بعدما يتراجع خطر الفيروس، لاسيما لما يستمر هاجس حماية الاقتصاد على حساب متطلبات ضمان الحقوق والحريات.

إن هذا الافتراض ينطلق من استحضار التخوف من أن تؤدي النجاحات التي حققتها بعض الأنظمة السلطوية في مواجهة هذه الجائحة، والمثال الصيني يفرض نفسه هنا بإلحاح، إلى تنامي إغراء السلطوية. فالصين التي انطلق الوباء من إحدى مدنها (ووهان) قبل أن ينتشر كبقعة الزيت في مختلف أصقاع المعمور، أبانت عن فعالية كبيرة في محاصرته وفي تحسين ترتيبها في سلم الدول المتضررة من الفيروس بعد أن ظلت لشهور تحتل الصدارة، وهذا قد يحمل على الاعتقاد بأن الفعالية والنجاعة بالضرورة مرتبطان بالسلطوية وبأساليبها، لاسيما عندما تكون بلدان عريقة في الديمقراطية، مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وجدت نفسها غارقة في الوحل.

وما قد يزيد من هذا الاعتقاد هو أن النموذج الشمولي الصيني في عهد الرئيس شي جيبينغ، الذي عدل الدستور في 2018 لكي يضمن له الإمكانية للبقاء في السلطة مدى الحياة، والنموذج السلطوي الروسي في ظل حكم فلاديمير بوتين، الذي كانت جائحة “كوفيد-19” قد فرضت عليه تأجيل استفتاء دستوري يخوله الاستمرار في السلطة على الأقل إلى حدود عام 1936، كانا محل إعجاب حتى في أوساط أوروبية وأمريكية. الأول بسبب النمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي والنجاحات التي تحققها “اشتراكية السوق” بقيادته، منذ أن أرسى دعائمها بداية الثمانينيات الزعيم السابق دينغ سياو بينغ، والثاني بسبب قدرته على العودة بالبلاد التي يحكمها منذ 1999 إلى دور القوة العالمية في أوروبا وآسيا وأفريقيا، وإعادة إحياء أمجاد القيصرية والتطلع إلى فترة التوازن العالمي التي جسدها الاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة. وهذا الإغراء هو الذي يمكن أن يحيل عليه مثلا الترويج لفكرة “الشيوعية الجديدة”، التي يبشر بها الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك، ويعتبرها الحل لإيقاف هذا الوباء الناتج عن البربرية العالمية، كما يمكن أن يجد امتدادا له في تركيز بعض الدعوات، في سياقنا السياسي المغربي، على التراجع عن “الخيار الانتخابي”، انطلاقا من تقدير أن الترياق الذي تحتاجه مواجهة تداعيات الجائحة يكمن في “حكومة إنقاذ” لا سند لها في صناديق الاقتراع.

لكن، مع التسليم بأن الدفع بهذا الافتراض له ما يبرره، فإنه يصطدم، في تقديرنا، بأربعة معطيات أساسية تحاصره، إن لم تكن تنفيه، والأهم أنها تنبه الشعبويين والسلطويين على حد سواء بألا يفرحوا كثيرا، كما يمكن أن تطمئن غيرهم بأن الديمقراطية التي استطاعت أن تفرض نفسها باعتبارها طريقة الحكم الوحيدة المقبولة ستظل كذلك، وأنها يمكن أن تمرض ولكنها لا تموت.

أولا: إن هذا الفيروس الذي نتهمه بالتطاول على الديمقراطية هو نفسه يمكن أن نقول عنه، وعلى غير العادة، إنه “ديمقراطي”. فهو يحترم حدا أدنى من المساواة، ويمس عشوائيا كل القارات وكل البرلمانات، وفيه نوع من التمييز الإيجابي لفائدة النساء (الرجل أكثر تعرضا له من المرأة)، ويصون حقوق الأطفال لما يكون هؤلاء أقل عرضة للإصابة به، ولم يبال تماما ببشرة الناس، أو بثروتهم أو بمراكزهم الاجتماعية، وكذا بثقافتهم. وبالتالي، فهو يعطينا درسا في الديمقراطية، وبالنتيجة في أهمية الديمقراطية كخيار لا بديل عنه.

ثانيا: إن ظروف الأزمات كانت دائما تصاحبها موجة من النكوص الديمقراطي، وفي كل مرة كانت الديمقراطية تبرهن على قدرتها على النجاة من الفخ التي تضعها فيها. فالديمقراطية لها قدرة على تجاوز الأزمات، وعلى المقاومة وتحقيق الانتصار في النهاية، لأنها، وهذه ميزتها، هي نفسها تخلق أدوات حماية نفسها. إنها تساعد على اكتشاف الخطأ والخلل وإجراء التصحيح. فالنظام الديمقراطي وإن كان بطيء الحركة في البدء، فإنه يستدرك ويتحرك بسرعة ومهارة في المعالجة، فضلا عن أنه النظام الملائم لطبائع البشر والمجتمعات.

فبعد المواجهة الأولى من الديمقراطية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى جاءت أزمة 1929، إذا ما اعتمدنا التحقيب الذي يقدمه صامويل هانتينغتون، لكي تضع الكثير من دول العالم، وأوروبا بالتحديد، تحت ضغط النزوع النازي والفاشي، لكن سرعان ما تحققت الموجة الثانية من الديمقراطية مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية. كما أن اتساع رقعة الأنظمة الشمولية والعسكرتارية خلال الستينيات والسبعينيات في عدد من البلدان في أعقاب نهاية الاستعمار، لم يمنع من انتشار موجهة ثالثة من الديمقراطية، خاصة في جنوب أوروبا (إسبانيا، والبرتغال واليونان). أضف إلى ذلك أن الإغراء الذي ظل يمارسه لما يزيد عن سبعين سنة النموذج البلشفي في ممارسة السلطة، الذي انطلق من روسيا القيصرية، قبل أن يجد له “مكانا تحت الشمس” في الكثير من الدول في أوربا الشرقية وآسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، لم يحل دون أن تتحقق موجة رابعة من الديمقراطية بداية التسعينيات من القرن الماضي، وأن تشرق شمس الديمقراطية في كثير من البلدان ظلت حتى وقت قريب تقدم كمثال سلطوي.

ثالثا: في مواجهة الجائحة ظهرت عيوب في أداء الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، كما في استعدادها وأولويات المشاريع والمسائل التي تشغلها. وأبسط ما انكشف هو خطورة التخلي عن “دولة الرعاية” وعجز القطاع الخاص عن تلبية حاجيات الناس، وفقدان التضامن الإنساني حتى بين البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، حيث قلت مساعدة إيطاليا وإسبانيا، ليصبح مصدرها الصين وروسيا. وبالتالي يمكن أن نقول إن الفيروس كشف عن عيوب الديمقراطية أو على الأصح الدول الديمقراطية، وبين عجزها في مواجهة هكذا تحديات، وبالتالي فقد نبه إلى طبيعة الثغرات التي يجب الاشتغال عليها من أجل تعزيز الديمقراطية وليس بالضرورة تجاوزها أو التخلي عنها.

رابعا: أزمة “كوفيد-19” لم تعطنا فقط تجارب سلطوية ناجحة في التعاطي مع الفيروس، بل أبرزت لنا، أيضا، وجود تجارب سلطوية فاشلة (إيران مثلا)، وحكومات شعبوية عاجزة (إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل)، كما أبرزت لنا كيف استطاعت دول ديمقراطية في العالم بكيفية ديمقراطية التكيف مع الوباء. فليس بعيدا عن الصين، كانت كوريا الجنوبية وتايوان مثالين جديرين بالاتباع، حيث نجحتا في قهر الفيروس دون حجر صحي. وفي أوروبا، التي وجدت فيها أكثر من دولة ديمقراطية صعوبة في مواجهة تداعيات الوباء، كانت ألمانيا الديمقراطية نموذجا مثيرا للانتباه في مقاومة تداعياته والسيطرة عليه، حتى أنها كانت البلد الأول، والوحيد حتى الآن، الذي تمكنت الأنشطة الرياضية فيه من أن تستعيد جزءا من حيويتها. ثم لا يجب أن ننسى، وهذا مهم جدا، أن الواقع يؤكد أن العالم مدين بهذا “التشرنوبل الصحي”، للعيوب المتأصلة في النموذج السياسي الصيني وغموضه، فالحقيقة هي أن الأنظمة الشمولية والسلطوية تخفي الكوارث في البداية ولا تعترف بوقوعها إلا بعد أن تكبر وتتسع، وهذا ما حصل في الصين، التي أجبرت الطبيب الذي اكتشف الوباء على الصمت خلال مدة، قبل أن تعود بعد أن توفي في ظروف ملتبسة إلى الإشادة به.