هل تصحّح جائحة “كورونا” الصورة النمطية للمهاجرين في الغرب؟

بالموازاة مع الأضرار الكارثية التي أفرزها انتشار فيروس كوفيد 19 على المستوى الصحّي، من حيث عدد من المصابين والحالات الحرجة والوفيات، كانت هناك أزمات فرعية أخرى تتناسل بشكل مخيف، سواء تعلق الأمر بالمشكلات النفسية والاقتصادية والاجتماعية، مع توجّه الدول إلى فرض حالة الطوارئ الصّحية، وما رافق ذلك من شلل على مستوى حركة التنقّل الداخلي والخارجي، وتدهور في المعاملات التجارية والأوضاع الاقتصادية…

وفي خضم هذه التطوّرات، بدا أن هناك فئات اجتماعية كانت معاناتها مضاعفة، ويتعلق الأمر بذوي الاحتياجات الخاصة والمسنّين والمهاجرين.. وهو ما نبّهت إليه الكثير من المنظمات والهيئات الحقوقية وطنيا ودوليا، حيث دعت الحكومات إلى إيلاء الاهتمام بهذه الفئات بصورة توازن بين متطلبات فرض الحجر الطبي والتباعد الاجتماعي من جهة، واحترام الحقوق التي المكفولة لها بموجب الاتفاقيات الدولية والتشريعات الداخلية ذات الصلة من جهة أخرى..

أطلقت العديد من الهيئات المعنية بقضايا الهجرة وحقوق الإنسان تحذيرات بشأن الانعكاسات الخطرة للجائحة على أوضاع المهاجرين، مع انشغال الدول المستقبلة بتدبير التداعيات الآنية لهذه الأخيرة؛ ذلك أن التدابير الاحترازية التي تمّ فرضها في هذا الخصوص، من قبيل فرض الطوارئ الصّحية ووقف بعض النشاطات الاقتصادية والتجارية، لم يواكبها تأمين كاف للمستلزمات الضرورية للحياة، من غذاء وملبس ومسكن وعناية نفسية وطبية..، بالنسبة لهذه الفئة الاجتماعية التي غالبا ما تعيش مشاكل عديدة حتّى في الأوقات العادية.. ومع إغلاق الحدود، ووقف الرّحلات الجوية، وجد الكثير من المهاجرين أنفسهم عالقين في المطارات، في أوضاع اجتماعية وصحّية صعبة..

تؤكّد الكثير من التقارير الحقوقية والإعلامية أن تمدّد الوباء، وما تمخّض عنه من إغلاق للحدود ومنع للتنقل حتى بين أقاليم الدولة نفسها، أسهم بشكل ملحوظ في تراجع حدّة الهجرة السّرية في عدد من الدول المصدرة، أو تلك المعنية بالعبور، وهو ما أوردته المعطيات الإحصائية الواردة بشأن أوضاع الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسّط..

فقد أعلنت بعض دول الضفة الشمالية للمتوسط أن شواطئها شهدت وصول بعض المهاجرين السّريين، على الرغم من التدابير الاستثنائية التي تم فرضها مع تمدّد الوباء، إلا أن التقارير الواردة من الاتحاد الأوروبي أو من بعض المنظمات المختصة قلّلت من الأمر واعتبرت أن الظاهرة تراجعت في ظلّ هذه الأوضاع بنسبة تجاوزت الـ90 في المائة.

ومن جهة أخرى، ونتيجة للأوضاع الاقتصادية الاستثنائية التي تمرّ بها الكثير من الدول المحتضنة للمهاجرين، قلّت بشكل كبير تحويلاتهم نحو بلدانهم الأصلية، ما أفقد هذه الأخيرة مصدرا مهما من الموارد.

وبغضّ النظر عن هذه الإشكالات، أتاحت الجائحة فرصا لتصحيح الصورة النمطية الرائجة عن الهجرة والمهاجر في الغرب، وبخاصة تلك التي رسّختها الخطابات اليمينية في العقود الأخيرة، والتي ظلّت تربط الظاهرة بالتّطرف والإرهاب والعنف.. بعدما تبيّن مع الجائحة أن عددا من المهاجرين من أصول إفريقية، وعربية، وإسلامية.. تجنّدوا ضمن الصّفوف الأمامية لمواجهة الفيروس في المستشفيات، وداخل المختبرات العلمية في عدد من البلدان الغربية التي تضرّرت بشكل كبير من الجائحة كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا..

وعلاوة عن المعاناة الإنسانية الراهنة التي يتكبّدها الكثير من المهاجرين على امتداد مناطق مختلفة من العالم تحت ضغط الوباء، يترقب الكثير من الخبراء والباحثين مستقبلا قاتما للظاهرة، قد يمتدّ لفترة طويلة، بسبب التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي سيخلّفها فيروس كوفيد 19 عبر العالم.. فحالة الحجر الصّحي التي تشهدها الكثير من بلدان الاستقبال ستتمخّض عنها صعوبات اقتصادية بالنسبة لكثير من الشركات، قد تصل إلى حدّ الإفلاس؛ ما سيؤدي إلى تراجع كبير في استقبال المهاجرين، بل وإلى تسريح العاملين من حاملي التأشيرات المؤقتة.. وحتّى بعد تعافي الاقتصاد، يتوقّع الخبراء منح أولوية فرص الشّغل لمواطني هذه الدول.. ما سيزيد من تعميق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية بالبلدان المصدّرة للمهاجرين..

ويذهب البعض إلى حدّ التّكهن باستثمار بعض الدول لحالة الإغلاق المؤقت للحدود الراهنة بفعل الجائحة، في تكريس إجراء دائم أمام المهاجرين، مع انتعاش الأصوات اليمينية داخل المشهد الأوروبي والأمريكي.. فقد أعلنت إيطاليا أن موانئها غير آمنة بسبب انتشار الفيروس، فيما اتخذ الرئيس الأمريكي قبل أسابيع قرارا يقضي بتعليق مؤقّت للهجرة، لفترة تدوم لـ60 يوما، بالنسبة للمهاجرين الراغبين في إقامة دائمة بالولايات المتحدة.

فيما ستزداد الإشكالات الإنسانية التي ستواجه المهاجرين وطالبي الّلجوء، مع فرض تعليمات السلامة الصحية التي ستحدّ بشكل كبير من هامش تحرّكهم، بل وحتى من التمتّع ببعض الحقوق المكفولة لهم، تحت ضغط الجائحة.. وهو ما سينعش الهجرة السّرية من جديد، كسبيل للهروب من الأوضاع الاجتماعية التي ستزداد سوءا في عدد من دول الجنوب.

*مدير مختبر الدراسات الدولية حول إدارة الأزمات، كلية الحقوق، مراكش