الأوروعربية للصحافة

أهداف الحياة والقيم تسائل الاستعداد النفسي لما بعد جائحة كورونا

نقترب، بحول الله وقوته، من الخروج من وضعية الحجر الصحي، التي لم نكن قط قد هيأنا أنفسنا للدخول إليها ولم نكن ننتظرها كما لم نتوقع أن تكون بهذا الشكل وبهذه القوة وبهذه الحدة..

فكما تعلمون، كانت مفاجأة بالنسبة للجميع. ولم يكن أحد يتصور أنه في القرن الحادي والعشرين الذي عرف تطورا تكنولوجيا هائلا وفي مختلف العلوم ويستعمل فيه الذكاء الاصطناعي لإيجاد حلول لمشكلات جد معقدة، لم يكن يخطر ببالنا أن يظهر فيروس، في غفلة عن الجميع لا يرى بالعين المجردة، واستطاع في وقت وجيز جدا إركاع العالم بمختلف قواه، وشل الاقتصاد العالمي وإرباك كل الحسابات. وجعل العلماء والباحثين في المختبرات العلمية في حيرة من أمرهم، جعلهم عاجزين عن مواجهته.

هذه الوضعية يجب أن تكون درسا، وبالتالي أن تدفع كل واحد منا في موقعه إلى إعادة التفكير في أهدافه الحياتية.

كان هجوم هذا الفيروس اللعين علينا صدمة نفسية قوية أدت إلى خلخلة الكثير من المسلمات والمعتقدات، وإلى طرح تساؤلات عديدة حول مصير البشرية جمعاء، وأدت إلى كثير من الاضطرابات النفسية ومست العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة؛ ولكن في الوقت نفسه عليها أن تكون فرصة ومناسبة لمراجعة الذات ومراجعة أنفسنا، وفرصة للجواب عن سؤال عريض: هل كل ما كنا نقوم به فعلا كان على صواب؟ وهل كان من الضروري أن نقوم به؟.

ولكن رغم ذلك، فالأغلبية استطاعت أن تتكيف مع الوضعية. وفعلا، تقبلناها، رغما عنا حفاظا على حياتنا وحياة أسرنا.

هذا لا يعني أن هذه الوضعية – وضعية الحجر- ستستمر إلى ما لا نهاية له؛ فنحن والحمد لله نقترب من بداية حياة جديدة ستعرف في تاريخنا للحياة بما سيسمى “بعد كورونا”. والخروج من هذه الوضعية لن يكون مفاجئا كما كان الشأن في البداية. فعلى الأقل الآن، أمامنا الوقت الكافي للاستعداد لاستقبال هذه المرحلة الجديدة في حياتنا. والكل الآن شبه مقتنع بأنها لن تكون شبيهة بحياتنا السابقة.

لذا، فالهدف الأساس من هذا المقال هو المساهمة قدر الإمكان من الناحية النفسية في تقبل ما سيأتي من مستجدات مع نهاية الحجر الصحي، وما يمكن أن ينتج عنه من تغيرات في الحياة العامة.

لذا، فالسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو كيف ستكون الحياة بعد انتهاء الحجر الصحي أو ما يسمى بـ “ما بعد كورونا”؟ هذا هو السؤال المحير.

في الوقت الراهن يصعب التكهن بما سيكون عليه الحال بعد كورونا. فعلم الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل؛ ولكن يحاول بعض علماء المستقبليات ومختلف المهتمين استشرافه بتقديم معطيات ومعلومات بعضها بالطبع غير دقيق.

لذا، فليس هناك جواب مقنع وجاهز لما سيكون عليه وضع العالم بعد نهاية جائحة كورونا. فنحن اليوم في مرحلة غموض حول المستقبل وفي مرحلة تضارب المعلومات، من طرف العلماء والمحللين والسياسيين حول هذا الفيروس وطبيعته ونوعه وقدرته على التنقل والتغير وحول إمكانية رجوعه في فترات معينة وفي البحث المستمر عن إيجاد دواء فعال له والصراع المحتدم بين المختبرات في هذا المجال والتسابق بينها في إيجاد لقاح فعال له.

إذن، هناك غموض مقلق ومحير لدى الجميع وفي الوقت نفسه هناك الآن رغبة قوية لدى الجميع للخروج من هذه الأزمة في أقرب وقت ممكن؛ لأنه ليس هناك استعداد قبلي للدخول في حالة الحجر الصحي، سواء من الناحية النفسية أم من الناحية المادية.

لذلك، يمكن القول إن كورونا أحدثت هزة نفسية عنيفة غير منتظرة في حياتنا وربما عواقبها سنجترها لمدة غير قصيرة.

وهنا أرجع إلى الحالات التي كانت تتصل بنا في خلية الدعم النفسي، وهي خلية تأسست بكلية علوم التربية بالرباط، مكونة من مجموعة من الأساتذة المختصين في العلوم النفسية والتربوية لتقديم الإرشاد والدعم النفسي بالمجان لمن هم في حاجة إلى ذلك، للوقوف على مدى قوة هذه الهزة عند الذين تواصلنا معهم؛ فأغلبية الحالات تشكو من الإحباط والقلق والكآبة والخوف من المجهول والوسواس وبداية التفكير في الانتحار والعنف النفسي والجسدي وقلة النوم والعياء وعدم الرغبة في فعل أي شيء…

وقد تبين لنا ضعف الإنسان في قدرته على تحمل الصدمات والهزات ومختلف الأحداث الطارئة من زلازل وأوبئة وكوارث… وهذا يطرح مشكل التربية الصحية والتنشئة الاجتماعية وبرامج الإعلام وغايات منظومة التربية والتكوين بصفة خاصة التي لا تهيئنا لتدبير مثل هذه الوضعيات.

هذا يجرنا إلى موضوع الاستعداد النفسي وقضية الصحة النفسية.

بالنسبة لنا حينما نتكلم عن الصحة بمفهوم عام؛ فغالبا ما نهتم فقط بالصحة الجسمية وبالأمراض التي تصيبنا أو يمكن أن تصيبنا، وغالبا ما نتخذ قرارا ونتوجه إلى الطبيب العام أو الخاص. هنا تبدو المسألة جد سهلة وفي المتناول.. وهنا ننسى عن جهل أوعن غير جهل أن الاهتمام منصب فقط على خمسين في المائة من الصحة أي الصحة الجسمية، وأن الخمسين في المائة المتبقية، وربما هي الأهم، لا نوليها أي اهتمام وهي الصحة النفسية التي تضمن لنا الشعور بالسعادة والاطمئنان والاستقرار والرضى عن الذات والرغبة في الحياة.

وهنا يمكن الحديث عن نوعين من الصحة النفسية: الصحة النفسية السوية أي تلك التي تسمح بالتكيف مع المستجدات وتساعدنا على الاندماج في الحياة العامة بشكل سلس وبدون مشاكل، مقابل الصحة النفسية غير السوية أو ما يسمى بصحة نفسية مرضية والتي تتميز بالهشاشة والضعف وعدم القدرة على تحمل الهزات العنيفة كيفما كان نوعها وعدم القدرة على ربط العلاقات الاجتماعية وضعف الانتاجية والميل إلى العزلة…

وتُعرف الصحة النفسية بصفة عامة بأنها قدرة الفرد على التعامل مع البيئة المحيطة به، أي قدرته على اختيار السلوك المناسب للمواقف التي تواجهه. وهكذا، فامتلاك الفرد لصحة نفسية سوية تتمثل في قدرته على التعامل مع الأحداث التي تواجهه، ويختلف عن الفرد غير السوي؛ وهو الذي لا يتمكّن من التعامل بشكل جيّد مع الأحداث المحيطة به مما يؤدي لديه إلى ظهور مجموعة من الاضطرابات النفسية كالخوف والاكتئاب والوسواس…

ويمكن تلخيص بعض النقاط المهمة، حسب ما اتفق عليه علماء النفس، لأهمية الصحة النفسية السوية على النحو الآتي:

ـ الصحة النفسية تضمن الاستقرار الذاتي للفرد، فتكون حياته خالية من التوترات والمخاوف والقلق والشعور بالنقص،

ـ تجعل الفرد أكثر مقدرة على سيطرة وضبط العواطف والانفعالات والرغبات، وتوجيه السلوك بشكل سليم بعيداً عن الاستجابات غير السويّة التي تتمثل في العنف وفي ردود أفعال سريعة.

ـ تمتُّع الفرد بالصحة النفسيّة السوية تجعله أكثر قابلية للتعامل الإيجابي مع المشكلات المختلفة وتوازن الانفعالات عند الوقوع تحت الضغوط الحياتيّة المختلفة، والتغلب عليها، وتحمل المسؤوليات دون الهرب والانسحاب.

ـ الصحة النفسية السوية تجعل الفرد متوافقاً مع ذاته متكيّفاً مع مجتمعه، فغالباً ما تكون سلوكياته سليمة ومحبوبة ومرضية لمن حوله.

ـ كما أنّ للصحة النفسية الأهمية الكبرى على الصعيد الاقتصاديّ والمجالات الإنتاجية وتحقيق مبدأ التنمية الاجتماعية، حيث إنّ الفرد المتمتّع بالصحة النفسيّة قابل لتحمل المسؤولية واستعمال طاقاته وقدراته وكفاءاته إلى الحد الأقصى، فالشخصية المتكاملة للفرد تجعله أكثر فاعلية وإنتاجية.

ـ الصحة النفسية تؤدي إلى تحقيق مبدأ الأمان الداخلي والرضا عن الذات ومحبّتها، بالإضافة إلى توجيه وضبط الانفعالات والاستجابات في المواقف المختلفة، والتقدير الذاتي المتوازن من دون مبالغة ولا تحقير.

فما هو الوضع الذي سينتظرنا غدا وعلينا بالاستعداد للتعايش معه؟

علينا أن نكون واعين بأن جميع دول العالم وبدون استثناء، سواء منها الغنية أو الفقيرة، وجدت نفسها أمام امتحان عسير وصعب غداة ظهور فيروس كورونا. والجواب عن هذا الوضع يتطلب من المسؤولين الحكوميين اختيار جواب واحد من بين جوابين اثنين لا ثالث لهما. إما المحافظة على الاقتصاد والتضحية بالعنصر البشري، وإما العكس أي المحافظة على العنصر البشري والتضحية بالاقتصاد. والمغرب، كما يعلم الجميع، كان واضحا باختيار العنصر البشري. والدول التي اختارت المحافظة على الاقتصاد، مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة، ها نحن نرى النتيجة المتمثلة في آلاف الأموات وعلينا انتظار الآثار النفسية التي يمكن أن تنتج عن ذلك والتي ستدوم لمدة طويلة.

إذن، بعد الحجر الصحي، سنلتقي كما افترقنا، وهذا المعطى الأولي مهم من الناحية النفسية، أي سنشعر بنوع من الاطمئنان والثقة؛ فقد كان التخوف في البداية هو أننا حين سنخرج من الحجر ونلتقي سنبدأ في تعداد الأموات. هذا الجانب المؤلم لم يحدث. ولن يحدث مستقبلا. وهذا بفضل الاختيارات الاستباقية التي أقرها جلالة الملك في تدبير ومعالجة مشكلة كورونا منذ بدايتها. وفي هذا السياق، كشفت معطيات صادرة عن مديرية علم الأوبئة ومكافحة الأمراض بوزارة الصحة أن الإجراءات الاستباقية التي اتخذها المغرب مبكراً للوقاية من فيروس كورونا مكنت المملكة من تجنب حوالي نصف مليون إصابة بالوباء و15 ألف حالة وفاة.

وعندما نريد استئناف نشاطنا كيف ستكون الوضعية الاقتصادية؟

ـ سنجد، بصفة عامة، أن اقتصادنا قد تأثر بشكل كبير. ويتجلى ذلك، حسب ما قدمه مؤخرا وزير الاقتصاد والمالية في مجلس المستشارين حين قال “أن إطالة هذه الجائحة ستكون لها انعكاسات سلبية على الاقتصاد الوطني؛

ويتجلى هذا الأمر في:

ـ انخفاض تحويلات مغاربة العالم من العملة الصعبة؛

ـ توقف قطاع السياحة عن العمل، فعدد الفنادق التي أغلقت تجاوز اليوم 87% من مجموع فنادق المغرب

ـ انخفاض صناعة النسيج بـ80%؛

ـ انخفاض الواردات بـ43% والصادرات بـ80%؛

ـ أغلبية المقاولات أوقفت عملها، وستجد صعوبة في الانطلاق من جديد؛ وهو ما سيزيد من عدد فاقدي الشغل ومن نسب البطالة بصفة عامة. فحسب تصريح لوزير التشغيل والإدماج المهني خلال الأجوبة الشفوية بمجلس النواب يوم الاثنين 4 ماي 2020، فإن 900 ألف أجير أصبحوا اليوم بدون عمل، فقد تم تسريحهم في شهر أبريل ويمكن اليوم الكلام عن أكثر من مليون أجير؛

ـ أزيد من 143 ألف مقاولة تضررت بسبب تداعيات أزمة كورونا،

ـ الاقتصاد الاجتماعي وغير المهيكل توقف بشكل نهائي

ما العمل؟ وكيف سيواجه المواطن العادي هذه الوضعية؟ وكيف يمكن التخفيف من الصدمة النفسية لهذا المواطن نتيجة اكتشاف واقع جديد الذي سيتجلى بالأساس في:

ـ واقع اقتصادي منهار،

ـ وفي الرفع التدريجي للحجر الصحي الذي ينتظره المواطن بفارغ من الصبر، ويمكن أن يدوم هذا التدريج حتى بداية حلول الصيف،

ـ مع استمرار القيود على السفر الدولي والعمل عن بعد قدر الإمكان.

ـ والحفاظ على التباعد الاجتماعي الذي ربما سيستمر بين 6 إلى 12 شهرًا، للسيطرة على عودة الوباء في فصل الشتاء المقبل.

وهنا، أريد أن أتقاسم معكم بعض الإجراءات التي يمكن أن تساعد المواطن من الناحية النفسية على التعامل بإيجابية مع واقع ما بعد كورونا والمساهمة في تقوية مناعته في مواجهة السقوط في فقدان الأمل في المستقبل وإعداده لتقبل المستجدات لما بعد كورونا.

ـ تثقيف المجتمع وتمكينه من المعلومات الخاصة لما بعد كورونا، من أجل تقوية القدرة المناعية لديه على تحمل الصدمات ببلادنا؛ لأننا لا نعرف إلى ما ستؤول له الأمور غدا وفي السنوات المقبلة؛

ـ تعبئة المجتمع المدني للانخراط بقوة في العمل التطوعي والتضامني لأنه هو القريب من المواطن وهو العارف بخصوصيات المنطقة التي يتواجد بها. وقد أبان، خلال الأسابيع الماضية، في كثير من المناطق، وخاصة في العالم القروي، عن قدرة ناجعة في التدخل عبر توفير المواد الغذائية للأسر المعوزة؛

ـ تقوية الثقة بين المواطنين، بمحاربة الفساد بكل أنواعه وذلك بتدخل الدولة الصارم لمواجهة آفة الفساد, وسيكون ذلك بمثابة توجيه رسائل الثقة إلى المواطنين؛

ـ تشجيع روح الابتكار وخلق نوع جديد من المقاولات وتشجيع الاندماج في التعاونيات الإنتاجية،

ـ تعبئة الإعلام المرئي للمشاركة في توعية وتهيئة الإنسان لتحمل الصدمات والهزات ومختلف الأوبئة؛

ـ الاستثمار في منظومة البحث العلمي والابتكار الطبي والاقتصاد الرقمي. فالأستاذ الباحث المغربي أبان عن أنه قادر على خلق المعجزات، على الرغم من الظروف الصعبة التي يشتغل فيها وبالتالي على الدولة أن تفكر بجد في الاستثمار الجيد في الكفاءات الوطنية وفي البحث العلمي؛

ـ العناية بالأسر الفقيرة لتقوية روابط التآزر والتعاضد بين أفراد المجتمع، عبر توزيع عادل للثروات.

ـ إعادة النظر في البرامج التعليمية وجعلها متضمنة لقيم التضامن والتآزر والتطوع والمساواة ونكران الذات وتكافؤ الفرص وتقبل الآخر وإرساء أسس العيش المشترك بين مختلف فئات المجتمع؛ لأنه عندما تنعدم القيم ينعدم كل شيء ويبقى قانون الغاب هو السائد، عندما تنعدم القيم ينتشر الفساد بكل أنواعه، عندما تنعدم القيم تنعدم الروح الإنسانية بين البشر، عندما تنعدم القيم ينتشر التخلف والجهل والإحباط وانعدام الثقة وتسود مظاهر التعصب والإقصاء…

*أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية بجامعة محمد الخامس – بالرباط