الأوروعربية للصحافة

هكذا قضى “سي عبد الرحمان” آخر أيامه قبل الرحيل في صمت

“كان سي عبد الرحمان مواظبًا على قراءة الكتب والجرائد بشكل يومي، لكنه في الفترة الأخيرة صام عن ذلك”، هكذا تحدث قيادي من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عن آخر أيام سي عبد الرحمان اليوسفي، قائد مرحلة التناوب التوافقي.

حتى وهو طريح الفراش، كان “سي عبد الرحمان”، كما يناديه الاتحاديون والمقربون منه، لا ينهي يومه إلا وقد اطلع على كتب يغذي بها روحا مخضرمة، ويواكب تحولات البلد في كل المجالات عبر العناوين الصحافية. من يلج منزله في حي بوركون وسط الدار البيضاء، يجده منهمكا في المطالعة، تارة يقلب صفحات كتاب، وتارة أخرى يطلع على مقالات الجرائد الوطنية والدولية.

في الأيام الأخيرة، خصوصا قبل عشرة أيام، لم يعد نقيب المحامين السابق بطنجة، الذي قضى عمرا من الزمن مقاوما للاستعمار، ومناضلا من أجل البناء الديمقراطي متحديا لكل الظروف، قادرًا على إمساك الكتاب والقراءة كما كان. هنا يحكي واحد من المقربين قائلا: “أدركنا أن سي عبد الرحمان ليس على ما يرام، وأن فراقه صار قريبا”.

كان خليفة عبد الرحيم بوعبيد على رأس حزب القوات الشعبية، في الفترة الأخيرة، وخصوصا منذ بداية الحجر الصحي الذي نهجته السلطات الحكومية بسبب تفشي وباء كورونا، يعاني من أعراض صحية عديدة، جعلت وضعه يزداد تدهورا يوما تلو الآخر، رغم حرص المقربين منه على تأكيد استقرار وضعيته.

يحكي مصدر الجريدة أن اليوسفي جرى نقله خلال هذه المدة صوب المستشفى ثلاث مرات، وكان كل مرة يغادر فيها المصحة، عائدا إلى منزله، يبعث الاطمئنان في نفس زوجته “هيلين”، وكذا المقربين منه وأقاربه الذين كانوا يتواصلون معه بشكل مستمر.

لكن الوضع الصحي لـ”أكبر تاجر السلاح”، كما قدمه الراحل الحسن الثاني لولي العهد آنذاك، تدهور أكثر، ليتم نقله مجددا صوب مستشفى الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان بالحي الحسني، وهنا كان المقربون منه يدركون أنه لن يعود مجددا صوب منزله، وكذلك كان.

خلال آخر أيامه بالمستشفى، عاش الصحافي السابق ورئيس تحرير يومية “التحرير”، التي أسسها إلى جانب الفقيه محمد البصري، أوقاتا عصيبة وهو يخضع للعلاج، خصوصا أنه يعاني مشاكلَ في التنفس إلى جانب المسالك البولية، ناهيك عن كونه يعيش برئة واحدة منذ الخمسينيات، دون نسيان معاناته مع مرض السرطان، بالإضافة إلى جلطة دماغية إبان فترة حكومة التناوب.

في هذه الفترة وكعادته، كان الملك محمد السادس حريصا على تتبع صحة الوزير الأول الأسبق، الذي استطاع أن يسكن قلوب جميع المغاربة بمن فيهم معارضوه، حتى فارق الحياة عن عمر يناهز 96 سنة.

ظل سي عبد الرحمان “الحكيم”، كما نعاه الملك محمد السادس، عاشقا للوحدة والصمت وزوجته “هيلين”، ليغادرنا في صمت دون ضجيج. اختار القدر أن يفارقنا رجل استثنائي في زمن ليس كالأزمان، إذ لم ينقل إلى مثواه الأخير في جنازة مهيبة تليق برجل دولة من طينة اليوسفي.