الأوروعربية للصحافة

الخصوصية تطرق باب شرعنة الحقوق الرقمية خلال جائحة “كورونا”

تحتاج الحكومات الديمقراطية إلى أدوات رقمية وبيانات شخصية لمكافحة وباء كورونا المستجد، ولكن الاستغلال المفرط قد يشكل خطرا على حقوق الأفراد.. فكيف يمكن تحقيق التوازن السليم بين الحقوق؟.

يقوض الانتشار السريع لفيروس كورونا المستجد في الولايات المتحدة المعايير الأساسية للديمقراطية.. قبل شهر بالكاد، بدا فرض الحجر الصحي بالصين قرارا صارما من قبل دولة استبدادية، الآن حتى الولايات المتحدة الأمريكية الأكثر ميلاً إلى التحرر تنفذ تدابير مماثلة بدافع الضرورة القصوى..في حين يواصل تفشي الفيروس ذروته في أجزاء عديدة من البلاد، حتى لتبدو الأمة قاطبة مستعدة لتحمل ما يبدو جائحة دائمة..إذ حذر الجراح العام الأمريكي جيروم آدمز من أن الزيادة في الوفيات على الساحل الشرقي ستكون أقرب إلى كارثة بيرل هاربور أو 11 سبتمبر.

مثلما وقع بعد هاتين الكارثتين، بدا التقييد السريع للحريات المدنية ضروريًا في وقت تقاتل الحكومات من أجل السيطرة على الوضع..تسببت جائحة فيروس كوفيد 19 في اصطدام مقتضيات ضرورات حفظ الصحة العامة مع المبادئ الديمقراطية الأساسية..كحرية التنقل. ومن المرجح أن تفرض المزيد من القيود على الحريات المدنية- خاصة في المجال الرقمي- لكن التاريخ يظهر أنه لا يوجد سبب وجيه للاعتقاد بأنه مع نهاية التهديد الفوري للجائحة سيتم تخفيف تلك القيود..لذلك، يجب على المواطنين والجماعات والقادة أن يشرعوا- من الآن- في العمل من أجل وضع مجموعة من الحقوق الرقمية، قبل أن تزداد الأمور سوءا ويفقد الأفراد السيطرة بشكل دائم على بياناتهم على الإنترنت، إذ من المتوقع أن تستمر الجائحة لفترة أطول مما يمكن للجمهور التعايش مع الحجر الصحي، فقد نتج عن الإغلاق الشامل للمرافق 22 مليون طلب للتعويض عن فقدان الشغل في الولايات المتحدة واستلزم حزمة تحفيز فيدرالية بقيمة 2.2 تريليون دولار، ربما الأولى على رأس مطالب عديدة. ومع ذلك، من المستبعد أن يتم إيجاد اللقاحات أو العلاجات اللازمة قبل منتصف عام 2021، لذا تحتاج الحكومات إلى البدء في التكيف مع هذا الوضع.

والنموذج الوحيد الذي يبدو فعالا -حتى اليوم- في احتواء انتشار الفيروس في الاقتصاد المعاد فتحه جزئيا هو مزيج من الاختبارات المكثفة لكشف المصابين والاستخدام الواسع لمعدات الحماية الشخصية ونشر تكنولوجيا المراقبة..لقد تمكنت حكومات هونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان من تفادي عمليات الحجر الصحي لفترات طويلة- حتى إن بعضها حافظ على سير الأعمال والمطاعم وبقيت المدارس مفتوحة- من خلال تطبيق هذا النهج المشترك.

وتنظر الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية اليوم في نهج مماثل على نطاق واسع، بشراكة مع شركات التكنولوجيا الكبرى. وبدأت شركة غوغل في تقاسم بعض مجموعاتها الواسعة من بيانات تحديد الموقع مع باحثي الصحة العامة وعلماء الأوبئة للمساعدة في نمذجة حركة مستخدميها. وقام فريق في معهد “ماساتشوستس” للتكنولوجيا بتطوير تطبيق لتتبع القرب لتعقب مخالطي حاملي فيروس كوفيد19، إذ أعلنت غوغل وآبل إدخال واجهات برمجة تطبيقات الأندرويد و”الإي أو إس” iOS لتسهيل تتبع الاتصال الطوعي عبر عمليات إرسال “البلوتوث” منخفض الطاقة.. من جانبها، تستكشف واشنطن اليوم الاستخدام واسع النطاق لهذه التطبيقات الرقمية القائمة على البيانات.

الصحة العامة، حقوق الخصوصية والازدهار الاقتصادي: ثلاثة مستلزمات حيوية لكل المجتمعات الديمقراطية، لكنها تتطلب توازنات.. عند التفكير في هذه الأمور، فإن مراعاة بعض المبادئ يمكن أن يساعد البلدان على تحقيق التوازن السليم:

أولاً، يجب أن تكون أي إجراءات ترصد يتم اعتمادها قابلة للمراجعة، ومتناسبة وشفافة تمامًا. للتأكد من أن صناع القرار لا يتجاوزون حالة الطوارئ، يجب تحديد عملية محو المعطيات الشخصية في لحظة تنفيذها..وقد أظهر الماضي القريب أنه قد يكون من الصعب التراجع عن هذه الترتيبات. على سبيل المثال، تمت إعادة تفويض العديد من أحكام المراقبة الشاملة لقانون باتريوت المؤقت بشكل روتيني من قبل الكونغرس منذ عام 2005، وتم تمديدها مؤخرًا الشهر الماضي فقط.

لتتبع المصابين المحتملين بفيروس كورونا المستجد، تجمع كوريا الجنوبية ليس فقط بيانات التموقع من الهواتف المحمولة ونظام تحديد المواقع العالمي، ولكن أيضًا بيانات النقل العام وبيانات بطاقة الائتمان وسجلات الهجرة وما إلى ذلك…إذا أرادت الولايات المتحدة نسخ هذا النموذج، فيجب على الحكومة أن تطلب من مطوري التطبيق توضيح كيف يمكن لكل جزء من المعلومات التي تم جمعها أن يساعد في مواجهة انتشار فيروس كوفيد 19..على سبيل المثال، لا يوجد سبب مشروع لجمع أو معالجة بيانات الموقع أو بيانات الاتصال عن قرب لعدة أشهر من مكافحة فيروس بفترة حضانة لمدة أسبوعين فقط.

سيميل حاملو هذه السجلات أيضًا إلى استخدام البيانات التي لا تقدر بثمن لأهداف أخرى غير محاربة الفيروس- أغراض تتجاوز المصلحة العامة إلى البحث عن الاستغلال الربحي. يجب ألا نخطئ: ستكون هذه البيانات ذات قيمة هائلة، بما في ذلك خدمة الصالح العام، لتحسين النقل العام والبنية التحتية للرعاية الصحية وما إلى ذلك.. لكن، وحفاظا على ثقة الجمهور، يجب على الحكومة تقييد إعادة استخدام هذه البيانات لأغراض غير ذات صلة بمحاربة فيروس كورونا المستجد، حتى إن كان استخدامها من أجل المصلحة العامة.

النجاعة وحدها لا يمكن أن تبرر أي سياسة..في الصين، يتطلب تطبيق الهاتف الذكي الذي يجمع بيانات صحة الفرد ويعين له رمز لون (أخضر أو أصفر أو أحمر) يعكس الحالة الصحية لذلك الشخص لدخول مركز تسوق أو لركوب قطار.. يجب على الأمريكيين أن يكونوا حذرين من هذا المستوى من السيطرة الاجتماعية، فهم عرضة للتطبيق بشكل غير متساو وبطريقة تمييزية ولأهداف لا تتعلق على الإطلاق باحتواء الفيروس.

وأخيرًا يجب على القادة السياسيين معالجة مشكلة هيكلية: تعمل النصوص والمعايير والمؤسسات القديمة التي تدعم الديمقراطية بشكل أخرق في العالم الرقمي.. هذه ليست مشكلة جديدة. وقد توقع خبراء السياسة الرقمية منذ فترة طويلة أزمة تعطل بشكل أساسي التوازن بين التقنيات الرقمية والحريات الفردية.. افتقر القادة السياسيون الغربيون ببساطة إلى الإرادة السياسية للتخطيط بشكل استباقي.. إن عدم استعدادهم العام للوباء نفسه يجب أن يحذر بما يكفي من أن الفشل في توقع تحديات السياسة يمكن أن يكون كارثياً على المجتمع.

في البلدان الديمقراطية، يوجد مثل هذا الإطار القانوني الوقائي بالفعل في عالم بعض الحريات المدنية: يخشى عدد قليل من مواطني البلدان الديمقراطية أن تظل حريات التنقل أو التجمع مقيدة بشكل دائم بمجرد أن يهدأ وباء كوفيد 19..لا يوجد مثل هذا المستوى من اليقين حين يتعلق الأمر بالحقوق الرقمية، حيث تبدو الأمور أكثر غموضاً وتثار مخاوف من كون قبول أحكام الطوارئ قد يؤدي إلى أن تصبح المراقبة الجماعية أمرًا طبيعيًا جديدًا..العديد من هذه الحقوق ضمنية ومفترضة، ولكن لم يتم تكريسها حتى الآن بصفة قابلة للتنفيذ.

في السنوات الأخيرة، مع ظهور المزيد من المعلومات حول مدى جمع البيانات العامة والتلاعب بها من قبل عمالقة التكنولوجيا، ضغط النشطاء لضمان أن يتماشى استخدام البيانات مع القيم الديمقراطية..الاستجابة الرقمية لكوفيد 19 تضخم هذه الضرورة.

في أكتوبر 2019، بمناسبة انعقاد المنتدى العالمي حول الذكاء الاصطناعي للإنسانية، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخبراء والحكومات إلى تحديد جماعي لقانون جديد للحقوق يضمن الحماية الأساسية في العالم الرقمي، مؤكدا أن “ما هو على المحك أمر بالغ الأهمية وأساسي لديمقراطياتنا”.. يجب على الولايات المتحدة أن تصغي لهذه الدعوة وأن تساعد في تنظيم تحالف دولي من صناع السياسة والخبراء ومجموعات الدفاع عن الجمهور والشركات المعنية.

يمكن أن يحدد مشروع هذا القانون بوضوح كيف يجب ضمان الحقوق الرقمية والخصوصية لمنع أي انتهاك يستمر حتى بعد انتهاء الأزمة، وكأي حقوق أساسية، متوازنة مع الحقوق والخدمات الاجتماعية الأخرى- مثل السلامة العامة والصحة- تكشف الأسئلة التي نواجهها اليوم لماذا النهج الحالي المتمثل في وضع عبء الخصوصية على المستخدمين فقط أمر ناقص..تعتمد الحجج الخاصة بنشر أدوات المراقبة على الحاجة إلى الموازنة بين احترام الخصوصية والالتزامات المتبادلة التي نتحملها جميعًا تجاه بعضنا البعض، في هذه الحالة، للحد من انتشار الفيروس.. لتحقيق توازن ذي مغزى، فإن السماح لكل فرد بالتمكين (حق السماح بالاشتراك) أو التعطيل (سحب الاشتراك) غير كافٍ.. تولد البيانات الشخصية عوامل خارجية، بحيث تكون مفيدة عندما يتعلق الأمر باحتواء الوباء، لكنها تصبح ضارة عندما تؤدي إلى كميات هائلة من البيانات الشخصية التي تضفي القوة على الجهات الخاصة أو العامة التي تمارسها لمراقبة أنشطتنا اليومية وتنتهك خصوصيتنا.. لا يجب الارتجال في تحديد مكان تحقيق هذا التوازن في منتصف الأزمة: إنه يتطلب نقاشا ديمقراطيا شاملا.

ففي وقت يركز معظم صناع السياسات والحكومات حاليا على الاحتياجات الفورية لمحاربة الوباء، لا ينبغي لأحد أن يغض الطرف عن المقايضات التي تنطوي عليها..ولمنع اتخاذ خطوات تصعب مراجعتها، يجب أن تعمل المجتمعات الديمقراطية الآن على تقنين الحقوق الرقمية وإصدار القوانين لحمايتها.

*الدكتور ديبيان غوش: المدير المشارك لمشروع المنصات الرقمية والديمقراطية وخريج شورنشتاين بمدرسة هارفارد كينيدي. كان مستشارًا للتكنولوجيا والسياسة الاقتصادية للرئيس السابق باراك أوباما، وعمل حتى وقت قريب على قضايا الخصوصية والسياسة العامة الأمريكية على فايسبوك.

*أدريان أبيكاسيس: خريج مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية من مدرسة هارفارد كينيدي. كان دبلوماسيًا وكبير المستشارين السياسيين لرئيس فرنسا من 2012 إلى 2017.

*جاك لوفريدج: مؤرخ للعلوم والتكنولوجيا وعضو في إدارة مركز ويذرهيد للشؤون الدولية في جامعة هارفارد.. كان باحثًا في برنامج فولبرايت بالهند ويكتب عن الروابط بين سياسة العلوم والتنمية الاقتصادية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.