تسعى هذه المقالات التاريخية إلى تقريب القارئ من بعض قضايا التاريخ الجهوي لسوس التي ظلت مهمشة في تاريخنا الشمولي، وهي مواضيع لم تلفت عناية الباحثين فقفزوا عليها إما لندرة الوثائق أو لحساسياتها أو لصعوبة الخوض فيها. ومن جهة أخرى فإن اختيارنا لموضوع التاريخ الديني للجنوب المغربي راجع بالأساس إلى أهميته في إعادة كتابة تاريخ المغرب من أسفل وهو مطلب من مطالب التاريخ الجديد الذي قطع أشواطا كبيرة في فرنسا.

 

يمكن الخروج بنتيجة أن الكرامة لا يجب أن تفهم من خلال الكتابات الكلاسيكية على أن دورها يتوقف فقط عند تثبيت الفعل الصوفي؛ نعم يمكن أن نشاطر أصحاب هذا الرأي، لكن الأساسي في الأمر هو أن الكرامة تمثل القلب النابض بالنسبة لكل متصوف يريد الاعتلاء للوصول إلى درجة ولي من أولياء لله الصالحين الذين تستثمر ولايتهم في الحياة وتبقى ذكرى (الدرقاوية بإلغ) أو رأسمال رمزي قوي (الزاوية السملالية بإيليغ) بعد الممات. لكن الذي يجب الوقوف عليه هنا هو أن المجال الجغرافي هو الذي يحدد نوع الكرامة التي تضفي شرعية الولاية على الصوفي المتجرد، فكرامة التحكم في السباع وترويضها لا يمكن أن نجدها في قطر جغرافي كالجنوب المغربي، وكرامة إنزال الغيث لا يمكن أن نجدها هي الأخرى في بقاع جغرافية تتوفر على شبكة هيدروغرافية كالشمال الغربي المغربي، في حين أن تواترها على الشيخ له ما يبرره فإلغ كانت قاحلة ومناخها الجاف جعل العامة تبحث عن الماء وترجى أن يغيثها الله لكن بحبل من حباله، وهذا الحبل لا يمكن أن يمثله إلا شخص كعلي بن أحمد الإلغي. لقد استغلت الكرامة لفرض الأمن داخل القبيلة وزرع الرعب في نفوس المعتدين وترهيبهم وترغيبهم، وهذا مثال نضربه عن هذه الوضعية فقد نقل السوسي عن “سيدي مولود” أحد مريدي الشيخ أن: “الفقير باسكاتي من قرية إداولصطان – حدثهم – بالفائجة فقال، تعرض لي يوما في طريق فاشتد علي الخوف فرأيت الشيخ بعيني كما كنت أعرفه وبيده بندقية فقال سر بنا، فمررنا باللصوص ولم يحركوا ساكنا، فصاحبني حتى وصلت قريتي آمنا، ثم غاب عني.” .(المختارالسوسي، الترياق المداوي،ط،1،ص،156) كما أن الكرامة من شأنها أن تضع حاجزا بين صاحبها والمخزن وهو ما أضفى على صاحبها نوع من الأبهة والهبة والتعظيم (التوفيق أحمد، مساهمة في دراسة المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إينولتان 1850-1912) منشورات كلية الآداب بالرباط،1978، جزآن،ج2، ص:94.) وهذا هو البيت القصيد من الكرامة كعنوان لصلاح الشيخ. إن مقاصد الكرامة لها أبعاد أخرى غير تلك التي رسم مسارها “المختار السوسي” أو الذين خرجوا من جعبته، فهي تضع الشيخ فوق الجميع وتفرض عليهم احترامه، أكان صائبا أم خاطئا، ناجحا أو مخفقا.
يمكن القول إذن أن “المختار السوسي” الذي لعب دورا كبيرا في التعريف بأبيه والذي لولاه لصار مساره في خبر كان أو في طي الكتمان، كما حصل مع العديد من الشيوخ الذين ينتظرون دورهم للخروج من العدم إلى الوجود عبر من يتصدر لهم بالدراسة والتحليل والتحقيق الهادف لمخطوطاتهم التي ما يزال الغبار والأرضة تنهل منها في المكتبات الوطنية ومكتبات حفدتهم المحلية. إن ما أدهشنا في كتابات “المختار السوسي” وهو يحاول أن يثبت كرامات والده وبالتالي ولايته كقطب أكبر للدرقاوية في سوس، هو إتيانه بأمثلة ذامغة تثبت صحة هذه الأخيرة، ولقد جعلنا السوسي نصدق بإحدى مقولاته التي يرفضها بعض أبناء سوس خاصة الذين يرون فيها إعطاء الشيخ أكثر مما يستحق على حساب بعض الشيوخ الآخرين الذين لعبوا أدورا بارزة في الحياة الدينية والسياسية بسوس وهمشوا من طرفه. بهذا يكون السوسي قد أكد في أكثر من مقام، كيف أن الشيخ علي الدرقاوي كان محط احترام وتقدير من طرف أقرانه الذين عاصروه، والذين لا يقلون أهمية في التصدر للتصوف والحياة الدينية بصفة عامة في أرجاء الجنوب المغربي. فقد كان كل من شيخ التجانية بالجنوب المغربي الحاج الحسين الإفراني وكذلك شيخ الناصرية المدني الناصري بنفس البقاع أعضاء في لجنة التحكيم أثناء المناظرات العلمية التي كان الشيخ دائم التفوق فيها بعد إقصاء خصمه. فكم من عالم جهبذ وخريث في الفقه -في نظر أهل سوس- أثبت الشيخ جهله وعدم أهليته وأسقط عنه ولايته، وهذا مثال نضربه بهذا الصدد لعله يثبت ما نحن بصدده يقول السوسي:
“وقد كان أصحاب الشيخ يضرب بهم المثل في استحضار المسائل الفقهية والعقائد، حتى كان أمثال الفقيه سيدي إبراهيم الساموكني المولع بإلقاء الأحاجي والألغاز في العبادات الفقهية يتنكبهم، وبعدما وقع له أمام الشيخ وأمام سيدي المدني الناصري، وسيدي الحاج الحسين الإفراني، واقعة ناظر فيها أصحاب الشيخ لإرادة أن يعرف الناس جهلهم، وقع ذلك يوما تحت دار الشيخ سيدي المدني بتانكرت بإفران، فإذا به خر على ذقنه وافتضح، وأعلن على رؤوس الإشهاد أنه لا يقرب بعد اليوم أصحاب الشيخ سيدي الحاج علي أبد الأبدين… وكان يظن أن لا يغلبه أحد، حتى وقع له ما وقع، فأقلع عن هؤلاء متسلطا على غيرهم وقد كان فعل ذلك حتى مع كتاب السلطان المولى الحسن يوم زار سوس، وقد كان الأستاذ سيدي الحاج مسعود الوفقاوي يقول : تالله ما ربى أصحابه ولا علمهم ما يجدي في الدين وتصحيح التوحيد وانتحال العقيدة، إلا الشيخ سيدي الحاج علي وحده.” (الترياق المداوي، ص، 73-74) لكن ما يثير الدهشة والاستغراب ونحن نتتبع هذه الشهادة هو أن الشيخ استطاع بفعل ولايته أن يثبت ما عجز عن إثباته الحسين الإفراني والمدني الناصري اللذان صدقا ولاية أحد الأشخاص الذي لازم الخلوة لسنوات عديدة بإفران وأدعى المهدوية، ولما استحضرا الشيخان المتقدمان “الحاج علي” للكشف عن أمر هذا الرجل وذلك سنة 1306هـ الموافق لـ 1888، كان أول ما قاله الشيخ ترديد عبارة المقولة الصوفية الشهيرة: “من لا شيخ له فالشيطان شيخه” فنفى عنه الولاية والمهدوية مادام الرجل لم يكن مريدا لشيخ ما، وأكد أن ما رآه الرجل في الخلوة لا يعدو أن يكون تهيؤات شيطانية لا تجدي نفعا ولا تشفي غليلا، فما كان على الرجل إلا أن عاد إلى حال سبيله ورشده فاندهش من كان في المجلس وهناك لمح الشيخ لشيخ التجانية وشيخ الناصرية أن ولايته لا يمكن أن تجابه بولاية أي كان ومهما كان . وقد كانت هذه هي مهمة الشيخ بالدرجة الأولى حتى يفسح في نظرنا المجال لنفسه ويبعد عنه منافسيه ويقوي سلطته الدينية والرمزية، فنفس الشيء نجده يتكرر لما نفى الولاية عن رجلين في “إلغ” و”سملالة” حيث دحض حجتهما.
يمكن القول إن كرامة الشيخ هي التي سترسم معالم علاقته مع محيطه القبلي والمخزن وممثليه، بل إنها سوف تحيطه بهالة من القدسية إلى درجة أن القواد الذين لا يريدون أن يرضخوا لأوامره يجدون أنفسهم ضعاف الشخصية بمجرد ما يمعن فيهم النظر، وهذا هو السر الجلي للشيخ والذي جعله محط احترام العامة والخاصة، ومع ذلك فإن قوة علاقته بالمخزن لا يمكن تفسيرها بالكرامة فقط وإنما تتدخل فيها عوامل أخرى لا يمكن استجلاؤها إلا بالبحث في علاقة الشيخ بصهره محمد بن عبد لله الإلغي وهذا هو المصدر الثاني لقوة الشيخ وقد فصلنا فيه القول في النقطة الخاصة بتحالفهما.