هذه أبرز ملامح التحول الفكري عند “الإلتراس” خلال “حالة الطوارئ”

لفت فهمي بوشعيب، باحث في العلوم القانونية، إلى أن “مجموعات الالتراس لطالما حاولت تأكيد توجهها الفكري بكل استقلالية عن التيارات السياسية والحركات الاجتماعية، كانت البداية بتقديم عروض فنية ولوحات إبداعية بالملاعب الرياضية خلال تشجيع الفرق الرياضية، نالت إعجاب المشاهد الرياضي، وخصص لها الإعلام التغطية الميدانية بشكل مثير”.

وأوضح بوشعيب، ضمن مقال له بعنوان “مجموعات الالتراس: التحول الفكري في ظل حالة الطوارئ الصحية”، أنه “بحكم الأسباب البنيوية التي تتعلق بالرغبة في الاستحواذ على المشهد الرياضي، والتحدي الذي طبع مسار مجموعات معينة أعرفها من حيث لا ترغب في دوامة ارتكاب أعمال العنف في مواجهة المجموعات المتحدية لها والقوات العمومية رغم خروج هذه المجموعات ببلاغات تنفي من خلالها أي علاقة لها بهذه الأعمال”.

وأبرز المتحدث أن “الواقع يكذب مسعى هذه المجموعات، حيث يبقى الجانب الخفي في مسارها يتطلب إلقاء المزيد من الضوء؛ فكيف إذن يمكن أن نتصور المفارقة الكبيرة بين الخطاب الرسمي لمجموعات الالتراس الذي أبدع في تبني خطاب تقدمي عزز مطالب بعض شرائح المجتمع بتحسين الأوضاع المعيشية، بل تبني مناصرة قضايا عابرة للحدود، خاصة مناصرة القضية الفلسطينية التي اعتبرت إلى وقت قريب فعلا القضية المركزية للشعوب العربية”.

وتابع: “فعلا لا أحد ينكر التطور الواضح في الخطاب الذي يصدر عن مجموعات الالتراس، سواء من خلال الكتابات واللافتات والهتافات والأغاني والرسوم الفنية بالملاعب وجدران الأحياء، حيث أصبح الخط النقدي في مسار هذه المجموعات يعجز حتى بعض الهيئات السياسية في مجاراة الزخم الذي أحدثه خطاب مجموعات الالتراس، وأوضحت بشكل جلي القوة العددية التواصلية لهذه المجموعات”.

واستطرد قائلا: “رغبت مجموعات من الحركات الاجتماعية في استقطاب أعضاء هذه المجموعات أو على الأقل ولوج هذه الحساسيات مدرجات الملاعب، وبالتالي التحكم في فوهة متعرج الملعب باعتباره معقل المجموعات الفيراج، ونذكر من بين هذه الحركات الاجتماعية؛ الجماعات الدينية والحركات الدعوية، أحزاب اليسار الجذري، تنسيقيات الأساتذة المتعاقدين، حراك الريف، باستثناء فصيل لوس ريفينيوس”.

وأشارت المقالة إلى أن “هذه الحركات لم تستطع تمرير خطابها رغم الظرفية التي كانت تعطي كل المؤشرات لاختراق هذه المجموعات من طرف الفاعل السياسي أو الحركات الاحتجاجية التي عرفها المغرب في العشرية الأخيرة، بل كانت هذه المجموعات أكثر تعقلا، واصطفت للدفاع عن المسار الدستوري الناجح الذي سطره المغرب سنة 2011، وشاركت في المسيرات الشعبية المؤيدة للدستور”.

وأشار المصدر عينه إلى أنه “يمكن تفسير هذا المنحى برغبة المجموعات الكبرى المهيمنة بالمغرب في رسم المسار المتفرد لها، وهي تعلم أن ارتماءها في أحضان الأحزاب السياسية سيخط نهاية مسارها المتوهج وتفقد القدرة على الإنجاز في الميدان، لكن ورغم كل هذا المسار الذي خطته بمجهود جبار عزز الفرجة الرياضية والإيمان بالانتماء للفضاء ومناصرة قضايا مصيرية للأمة العربية، فإنه على مستوى الممارسة هناك تراجع كبير في التأثير”.

وأرجع الباحث ذلك إلى “النتائج الوخيمة التي ترتبت عن المواجهات العنيفة بين بعض روابط الألتراس وخطابها التقليدي الذي يتضمن كل أشكال التحريض على التمييز والكراهية والعنف بسبب الانتماء الجغرافي أو اللون أو الانتماء الثقافي، وهذا أمر غير مقبول تماما، ويكرس بؤس هذا الخطاب”.

ومضى قائلا: “كيف لفصيل يبدع في إيصال قضية فلسطين إلى مداها، لكن تجده ينزل إلى براثن التحريض على المواجهة والتعريف رغم نفيه تصرفات بعض أعضائه؟ لكن ينبغي نقد الذات، والوقوف على هاته السلوكيات يتجاوزها في المستقبل، كما أنه لا يمكن فهم الاختلال الكبير في تصور هذه المجموعات لبعض المواقف الرسمية، خصوصا في ظل التسرع بالتصريح بأن تدابير منع منافسات الدوري الوطني تعتبر إجراء لتصفية حركة الالتراس من طرف وزارة الداخلية”.

“وبعد ذلك أصدرت بيانا مشتركا تنهي إلى العموم أنها ستقدم على مبادرات لمساعدة المواطنين في إطار تدابير حالة الطوارئ الصحية، مع العلم أن بعض المجموعات قد سبق لها إنشاء لجان اجتماعية تتكلف بتعزيز الدور الاجتماعي الفضيل وامتداده الشعبي”، وفق الكاتب، الذي أضاف: “أخص بالذكر ألتراس الوينرز المستند لفريق الوداد الرياضي، بحيث رجع هذا المكون إلى القواعد الشعبية الحاضنة له لتقديم المساعدات لبعض الناس كنزلاء دور الرعاية الاجتماعية، والدعم الدراسي لأطفال الفقراء…”.

وهكذا، فرغم الصعوبات القانونية التي تحد من هذا التوجه بحكم عدم توفر هذه المجموعات على إطار قانوني تنتظم فيه يخولها طلب التماس الإحسان العمومي، إلا أنها استطاعت من خلال القدرة التواصلية لبعض أعضائها مع السلطات المحلية القيام بأعمال خيرية، وفق المقالة، التي أبرزت أن ذلك “أمر جيد في سياق فهم عمق البنية الفكرية لحركة الالتراس والتحولات الممكنة”.

وتابعت: “خصوصا خلال الأزمات التي لم يسبق لغالبية أعضاء هذه المجموعات عيشها، ما أسهم بشكل كبير في إذكاء الشعور باليأس والإقصاء المفتعل وغير الواقعي أمام الفرص المتاحة اليوم في التنمية والتعليم، لكن أريد فعلا لهذه المجموعات أن تظل محصورة في نشر الأفكار السلبية في صفوف اليافعين الذي يجدون في نفسية الحشود ضالتهم، لكن ينبغي على هذه المجموعات أن تقوم بقراءة نقدية لمسارها لتحديد آليات إنتاج الخطاب نحو البناء وليس الهدم”.

ويجب على تلك المجموعات، تبعا للمقالة، أن “تمنح الروح الإيجابية من خلال الممارسة الرياضية وتشجيع الشباب على الاهتمام بالدراسة والتكوين والعمل، وليس التبخيس والسلوكات العنصرية، كما يجب أن تستغل فترة الغياب عن الملعب للنقد الذاتي البناء لإعادة ترتيب تصورها لأولويات المواطن المغربي وعلاقتها بالمؤسسات العمومية، وترسيخ قيم المواطنة والاندماج أولا في النسيج المحلي، ورسم محددات اشتغالها في الرياضة وتفادي افتعال المضايقات تماشيا مع سمو فكرها وأدائها خلال الدفاع عن القضايا الإنسانية العابرة للحدود”.