هل تُغيّر الأزمة الوبائية الوظائف في حقبة ما بعد “كوفيد – 19″؟

قالت ورقة تحليلية منشورة في موقع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة إن “أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) بدت منذ اندلاعها كنوع جديد من الأزمات لم يَرَ العالم لها مثيلًا من قبل، فهي قد ولدت عوامل ومحفزات تغيير في معظم جوانب حياة البشر، قد يكون لها دخل كبير في جميع ما سيحدث من تغيرات في أسلوب الحياة في الحقبة التالية من التاريخ البشري”.

وأضافت المقالة البحثية، الحاملة لعنوان “كيف ستتغير الوظائف في عصر ما بعد كورونا؟”، أن أهمية الأزمة تنبع من كونها “أجبرت البشر على التنازل عن حريتهم في التنقل، ووضعت سكان كل دولة داخل حدودها، من دون القدرة على المغادرة، وتسببت في إغلاق العديد من الأنشطة الاقتصادية، كما وضعت هذه الأزمة نسبة كبيرة من سكان العالم في إقامة جبرية في منازلهم، وتركتهم يفكرون في كيفية إدارة حياتهم اليومية”.

وتابعت: “تتمثّل محصلة ذلك في تحوّلين آخذين في التشكل في سوق العمل؛ يتمثل التحول الأول في أن أُجبر الملايين على ترك وظائفهم، وهناك ملايين باتوا محل تهديد. أما التحول الثاني فهو أنّ معظم مَنْ بقوا على رأس أعمالهم أصبحوا مُجبرين على تأديتها من المنزل، ومن دون الذهاب إلى المكاتب، وأمام هذا الواقع الجديد، تثار العديد من التساؤلات بشأن المستقبل الذي ينتظر العمل في ظل هذين التحولين الآخذين في التشكل”.

وأوضحت المقالة أن “حجم الوظائف المليونية المفقودة يُثير المخاوف من أن يكون العمل في طريقه إلى الاختفاء، كما تنبأ له كثيرون من قبل، وإن كان بوسائل أخرى، كما أنّ مَنْ سيبقون في أعمالهم سيصبح التساؤل حول الأسلوب الذين يؤدون به هذه الأعمال في المستقبل”.

وشدد كاتب الورقة على أن “أهمية العمل في حياة البشر، باعتباره-وفق هيجل-هو (الذي يخلق التاريخ البشري، ويحول العالم الطبيعي إلى عالم يمكن أن يسكنه الإنسان)، فإن أي تغييرات جوهرية تطرأ عليه (أي العمل) وطريقة تأديته، لا بد أنها تمثل عند حدوثها محطات ونقاط تحول جديدة في ذلك التاريخ البشري”.

وأورد أن “التحوّل الأول الذي نحن بصدده في العمل هنا، والذي أفرزته أزمة كورونا، هو حجم العمل المفقود أو الوظائف التي أُلغيت أو يمكن أن تلغى، وهو حجم آخذ في التنامي، حيث قدرت منظمة العمل الدولية عدد الذين يمكن أن يتحولوا إلى عاطلين جدد بسبب الإغلاق الاقتصادي المفروض كجزء من الإجراءات الاحترازية لمحاصرة فيروس كورونا عالميًّا بنحو 25 مليون شخص، وهذا العدد يتجاوز من فقدوا وظائفهم في الأزمة المالية العالمية عام 2008، والذين بلغوا 23 مليون شخص”.

وزاد الباحث علي صلاح قائلا: “بتوسيع دائرة العمال المتأثرين بالأزمة، بضم أولئك الذين اضطروا إلى قبول التسريح المؤقت من وظائفهم، أو حصلوا على إجازات غير مدفوعة الأجر، أو قبلوا بتقليص ساعات عملهم، أو غير ذلك، تقول المنظمة إن هذه الأزمة قد تُفقد العالم إجمالي ساعات عمل تعادل نحو 160 مليون وظيفة بدوام كامل”.

واستطرد: “ليس هذا فحسب، فبجانب ذلك ترى المنظمة أن إجراءات الإغلاق الاقتصادي الهادفة لمحاصرة كورونا أصبحت تمثل تهديدًا لمصير 1.6 مليار عامل بالاقتصاد غير الرسمي حول العالم، وهذا الرقم يعادل نحو نصف القوى العاملة العالمية، التي تمثل نحو 3 مليارات نسمة”.

وتدفع هذه التطورات المثيرة، وفق الكاتب، إلى التفكير في مستقبل العمل برمته، وما إذا كانت أزمة كورونا ستتسبب في نهايته، وما إذا كانت ستدفع نحو تحقيق نبوءات بعض الفلاسفة والمنظرين الذين تنبؤوا بذلك بالفعل، وإن كان لأسباب أخرى، مثل “جريمي ريفكن”، في كتابه “نهاية العمل”، وإن كان قد طرح ذلك التنبؤ في عام 1995 لدى بزوغ فجر الطفرة التكنولوجية قائلًا: “إن التكنولوجيا ستُفضي-تدريجيًّا-إلى اختفاء اليد العاملة البشريّة”.

“لكن نتيجة تنبئه كانت مشابهة لما قد تكون الأزمة الحالية متجهة إليه، عندما قال: (يجب علينا أن نتوقّع انتشار البطالة والعوز)، وطالب بالاستعداد لذلك عن طريق (الاستثمار الضخم في الاقتصاد الاجتماعيّ، والتحلّي بالأمل في ظهور مجتمع أقل تعلّقًا بالتجارة والبيع، وأكثر تضامنًا)”، وفق المصدر عينه، الذي تساءل: “هل تُحقق أزمة كورونا مثل تلك التنبؤات، ولكن بأدوات أخرى، لتقود العمل إلى النهاية ذاتها؟ وهل تترك ملايين البشر في عوز وحاجة وفقر؟”.

وأبرز الكاتب أن البشر ببقائهم في المنازل، “أصبحوا مجبرين على ممارسة أنشطة حياتهم اليومية من دون الانتقال إلى المواقع الطبيعية المخصصة لذلك. وفي هذا الإطار، يأتي العمل أيضًا، حيث أصبح معظم البشر مجبرين على القيام بمهام وظائفهم من بيوتهم، ومن دون أن ينتقلوا إلى المكاتب، في إطار ما يُعرف بالعمل عن بعد”.

وتابع: “رغم أن مصطلح العمل عن بعد عرفناه منذ زمن طويل، لكنه ظل طوال ذلك الزمن استثناءً؛ لكن يبدو أن أزمة كورونا في طريقها إلى جعله قاعدة، وجعل الذهاب إلى المكاتب هو الاستثناء. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال آخر ألا وهو: هل تتسبب أزمة كورونا في اختفاء المكاتب؟”.

العربيةEnglishFrançaisDeutschEspañol