الأوروعربية للصحافة

جلسات العمل حول الماء.. الملك يحرص على “التواصل المنتظم” لمواجهة الأزمة

يوسف يعكوبي

جلسة عمل حول إشكالية الماء انعقدت الثلاثاء 16 يناير الجاري هي الخامسة من نوعها التي يترأسها الملك محمد السادس في قضية ذات طابع استراتيجي، طالما شكلت على مدار العامين الماضيين موضوع توجيهات ملكية سابقة تضمنها خطاب افتتاح البرلمان في أكتوبر 2022 ثم ثلاث جلسات عمل ترأسها الملك شخصيا، فضلا عن ترؤس جلسة عمل خصصت لتتبع البرنامج الوطني للتزود بالماء الصالح للشرب ومياه السقي 2020-2027 في تاسع ماي الماضي.

بلاغ الديوان الملكي أورد أنها جاءت “في إطار التتبع المستمر والعناية السامية التي يوليها الملك لهذه المسألة الاستراتيجية، ولاسيما في السياق الحالي الذي يعرف تسجيل عجز ملحوظ على مستوى التساقطات وضغط قوي جدا على الموارد المائية في مختلف جهات المملكة”.

حرص ملكي شخصي

عقد جلسات عمل متوالية لتتبع إشكالية المياه ودعوته الصريحة للحكومة إلى “اعتماد تواصل شفاف ومنتظم تجاه المواطنين حول تطورات الوضعية المائية والتدابير الاستعجالية التي سيتم تفعيلها، مع تعزيز توعية العموم بأهمية الاقتصاد في استهلاك الماء ومحاربة جميع أشكال تبذير هذه المادة الحيوية واستخداماتها غير المسؤولة” كلها خطوات تعكس حرصا ملكيا بخصوص هذه الإشكالية التي تدق ناقوس الإجهاد المائي الهيكلي.

فضلا عن نسبة عجز للتساقطات المطرية (من شتنبر إلى منتصف يناير 2024) وصلت 70 في المائة مقارنة مع المعدل، تبدو نسبة ملء السدود معبرة أكثر عن الوضع المائي الحرج الذي بلغته المملكة مع دخولها سادس سنين الجفاف؛ فقد بلغت نسبة الملء، لحدود 17 يناير الجاري، 23.17 في المائة مقابل 31.5 في المائة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، حسب أرقام البوابة الرسمية “مغرب السدود” التابعة للمديرية العامة لهندسة المياه.

وتدارست جلسة العمل بتفصيل “مخطط العمل الاستعجالي”، المعد من لدن القطاعات المختصة لمواجهة الوضعية الحالية، وضمان توفير المياه الصالحة للشرب، لا سيما في المدن والمراكز والقرى التي تعرف عجزا أو من المحتمل أن تعرفه”؛ فيما سيتم السهر على تنزيله “على مستوى مختلف الأنظمة المائية بالمملكة، ليشمل مجموعة من الإجراءات على المدى القصير، أبرزها “التعبئة المثلى للموارد على مستوى السدود والآبار ومحطات التحلية الموجودة وإقامة تجهيزات استعجالية لنقل الماء والتزويد به، وكذا اتخاذ إجراءات لتقييد استعمال مياه الري وتقليص صبيب التوزيع كلما اقتضت الوضعية ذلك”.

بالموازاة، وجّه الملك القطاعات الحكومية المعنية إلى “تسريع وتيرة إنجاز الأوراش المبرمجة التي لها وقع على المدى المتوسط”، خاصة منها “السدود في طور التشييد ومشاريع الربط بين أحواض سبو وأبي رقراق وأم الربيع، والبرنامج الوطني لمحطات تحلية مياه البحر، وبرنامج إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة، وبرنامج اقتصاد الماء على مستوى شبكة نقل وتوزيع الماء الصالح للشرب ومياه الري”. كما حث القطاعات الحاضرة (الداخلية والماء والفلاحة والتنمية القروية والميزانية والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب) على “مضاعفة اليقظة والجهود لرفع تحدي الأمن المائي وضمان التزويد بالماء الشروب على مستوى جميع مناطق المملكة”.

“سياق استنزاف المخزون الاحتياطي”

تعليقا على الموضوع، قال حكيم الفيلالي، خبير في الماء والمناخ، إن “اللقاء الملكي مع قطاعات معنية بموضوع الماء يأتي في سياق موسوم بتراجع كبير في حقينة السدود المرتبطة بتوالي سنوات الجفاف، السنة الرابعة تواليا على الأقل، مفيدا بأن “التساقطات الضعيفة جدا تستنفر السلطات العمومية المغربية وفاعلي السياسات العمومية”؛ لأنه “كان لدينا احتياطي مائي متراكم في السدود منذ سنة 2022 الأكثر جفافا بالمغرب منذ بداية الرصد الجوي قبل 60 عاما؛ إلا أن الوضع أصعب حاليا من سنة 2022”.

واعتبر الفيلالي، في تصريح لجريدة هسبريس، أن “مؤشر حقينة السدود، الذي يصل هذه الأيام 3,2 مليار متر مكعب، يجعلنا نعيش على ما تبقى من موارد مائية بشكل أثر بوضوح عبر الضغط على المخزون والفرشات المائية الباطنية مع استمرار غياب التساقطات”.

وسجل الخبير في الماء، ضمن تقديراته، بأن “تسريع وتيرة إنجاز المشاريع التي تدخل ضمن مخطط استعجالي قُدم أمام الملك يمكن إنجازها في وقت قياسي بشرط أن تشهد تنفيذ التزامات كل طرف وبتتبع شخصي من أعلى سلطة بالمملكة”، مستدلا بما “تم مع مشروع الربط المائي بين حوضيْ سبو وأبي رقراق في الصيف الماضي”.

ونبه الفيلالي إلى أن “مشكل تدبير الموارد المائية ظهَر إلى الواجهة أكثر في ظل استمرار الممارسات التدبيرية نفسها التي تؤدي بالضرورة والتبَع إلى نتائج سلبية على وضعية هذه المادة الحيوية التي تعد ملكا للجميع”، مضيفا أنه “مرتبط بتدبير الموارد المائية من أساسه مع مسؤولية العامل البشري بنسبة 87 في المائة من استهلاك المياه تذهب لقطاع الفلاحة واعتماد طرق السقي التقليدي المستنزِفة بقوة”.

وخلص إلى أن “الهدر المائي والنزيف لم يتوقفا رغم الوضع الحرج في السنتين الأخيرتيْن”، محذرا من “فقدان سلطة الدولة على التحكم في المياه عبر ضرورة توقيف 90 في المائة من آبار محفورة بشكل غير قانوني لأن الماء مِلك عمومي والضخ المستنزف لأغراض الري يجب أن تقابله تدابير حتمية للتقشف”.

جدية الأمن المائي للمملكة”

من جانبه، قال أحمد الهوتي، أحد أعضاء “المجموعة الفرعية للماء” خريجي معهد “IAV” خبير في الهندسة القروية، إن جلسة العمل تعد “اجتماعا مهما ترأسه الملك فيما يخص قضية الماء؛ وهو بالتأكيد ليس أول اجتماع، لأنه موضوع أصبح يتردد بقوة منذ خطاب افتتاح السنة التشريعية أمام البرلمان بغرفتيْه في أكتوبر 2022 والذي وضع حينها خطوطا استراتيجية وما يجب على الدولة أن تقوم به”.

“الاجتماعات المتتالية على أعلى المستويات الرسمية تُبين أن مسألة الماء يجب أن تؤخذ بكل الجدية اللازمة لتدارك الوضع وضمان الأمن المائي للمملكة من أجل إقرار وتقييم وتسريع تدابير نرجو أن تُعطي أكلها”، أورد الهوتي في حديث مع هسبريس مشددا على أن “المشاريع التي قام بسردها وزير التجهيز والماء ستخفف من هذا الضغط على الطلب المتزايد مقابل عرض وموارد قليلة وتعاني شحا هيكليا في بعض الأحيان”.

“شفافية التواصل ودوام التحسيس”

اعتبر الهوتي أن “الشفافية والانتظام في التواصل حول الماء المدعو إلى اعتمادها حكوميا كانت من أهم مخرجات جلسة العمل”، موردا ضرورة أن “يكون التواصل دائما وشفافا، خاصة لتحسيس وتوعية الناس من أجل الاقتصاد وعقلنة الاستعمال أكثر”، مع ضرورة “التعامل القانوني مع مستنزِفي ومُبذري الثروة المائية، سواء الجوفية أو السطحية”.

وسجل الخبير المائي، في تصريحه، أن “التوجيهات الملكية جاءت في وقتها؛ لأن عمليات التواصل والتحسيس يجب ألا تكون مناسباتية موسمية فقط، أو تحتمل التدخل فقط في ظرفيات معينة”، معتبرا أن “المراد من التشديد الملكي على التحسيس هو التواصل مع المغاربة من أجل مزيد من الاقتصاد في الاستعمالات المنزلية وكذا المهنية للماء”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.