الأوروعربية للصحافة

مؤرخون مغاربة يجدِّدون صنعتهم

 

 

عبد المجيد آيت القايد ويوسف الزيات

 

في سياق تجدد سؤال الحصيلة كمّا ونوعًا، والحاجة إلى المواكبة النقدية للتراكم الحاصل في مجال البحث التاريخي بالمغرب، انبرى ثلة من المؤرخين المغاربة لبلورة مشاريع علمية، يحدوهم الأمل في منح طاقة إيجابية جديدة  للبحث التاريخي  بالمغرب  وتحقيق تراكم نوعي في إنتاجه العلمي  من خلال تنويع مواضيعه وإشكالياته ومقارباته، والعمل على تكوين الخلف بضم وإدماج الأجيال الشابة التي يُنتظر أن تحمل المشعل في العقود القادمة.

ولتدشين ورش تنزيل هذه المشاريع الطموحة على أرض الواقع، ومن أجل ضخ نفَس جديد في الكتابة التاريخية على مستوى المنهج وآليات الاشتغال، وبلورة الشروط الملائمة لإعادة الاعتبار لصنعة المؤرخ بالمغرب، وضخ نفس نوعي جديد يثمِّن ويطور التراكم المحقق على مستوى كتابة التاريخ ويطمح إلى فتح أفق رحب يرقى بكتابة التاريخ إلى مستوى التجديد، انعقد بمدينة شفشاون يوم السبت 16 دجنبر 2023 لقاء علمي في موضوع “من أجل معرفة تاريخية مغربية بنفَس تجديدي”، حضره باحثون من أجيال مختلفة يتقاسمون هم التجديد في البحث التاريخي، وأشرف على تنظيمه مختبر حوار الثقافات والأبحاث المتوسطية والإفريقية (كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان)، فكان هذا اللقاء بمثابة انطلاقة واعدة للمشاريع العلمية التي تشرف عليها مجموعة “مؤرخون مغاربة”، وفرصة سانحة لتنزيل توجهات وأهداف القائمين عليها على أرض الواقع.

تمت هندسة هذا  اللقاء العلمي وفق مسارين متكاملين:  أولهما عبارة عن محاضرة افتتاحية تناولت فكرة التجديد في الكتابة التاريخية في شقها النظري قدمها الأستاذ محمد حبيدة، وثانيهما عبارة عن حلقة تواصل ونقاش مع الباحثين المشاركين في اللقاء من تأطير الأستاذ الطيب بياض عنوانها الأبرز الإعلان عن مشروع بحثي جماعي موسوم بـ “اتجاهات تجديدية في الكتابة التاريخية”.

استحضر الأستاذ محمد حبيدة المبررات التي تجعل من تبني خيار التجديد في كتابة التاريخ ضرورة وليس ترفا فكريا بالنظر إلى موقع التاريخ ضمن العلوم الإنسانية، واضطرار المؤرخ  إلى الدفاع عن صنعته باستمرار، مستحضرا سياقات تاريخية اكتست رمزية قوية في العلاقة مع تطور فعل الكتابة التاريخية، وأطرتها أسئلة إبستيمولوجية عن ماهية التاريخ وجدواه وما يستطيع تقديمه من خدمات للمجتمع، ولاسيما في ضوء آراء أعلام كبار أمثال باتريك بوشرون وبول فينْ وميشيل دو سيرتو، وما جاء في الافتتاحيات التحريرية لعدد من المجلات المتخصصة التي كانت منطلقا لتوجهات ومسارات واعدة في كتابة التاريخ. كما ركزت محاضرة الأستاذ حبيدة على بسط النقاش في ما سماه بـ”العملية الإسطوغرافية” بلحظاتها المنهجية المتداخلة  اعتمادا على العدة النظرية لـ ميشيل دو سيرتو (ابتكار الموضوع واقتحام الأرشيف وتوليد النص).

وجاءت حلقة النقاش التي أطرها الأستاذ الطيب بياض لتكشف عن الغايات الكبرى لهذه المبادرة، وفي مقدمتها مسألة بناء الخلف وتكوين الجماعة العلمية التي تكاد تغيب عن المشهد الجامعي المغربي رغم توفر شروطها الشكلية مثل الهياكل المؤسساتية، من مختبرات ومراكز بحثية، والمجلات المتخصصة،  والحاجة إلى تقييم الأقران قبل الإقدام على النشر، والانفتاح على التجارب الأخرى واستلهامها وتمثلها قبل النسج على منوالها. وقد أشاد الأستاذ بياض بتوفر  قابلية الانفتاح  على التجارب الأخرى لدى جيل من الباحثين الشباب، مما يوفر إمكانية بلورة توجه جديد، ويسمح بتكوين نواة الجماعة العلمية  اعتمادا على الاجتهادات الموجودة. وفي ختام تدخله، اقترح الأستاذ بياض خارطة  طريق  لتفعيل هذا المشروع البحثي الجماعي، محددا معايير وشروط إنتاج المعرفة في قضاياه المختلفة، سواء بالنسبة للمفاهيم والمدارس والتيارات الفكرية أو بالنسبة لرموز التجديد في الكتابة التاريخية على الصعيد الكوني وأعلامها.

أثارت الأفكار المكثفة التي طرحت في الجلستين معا تفاعلا كبيرا من قبل الحضور، وطُرحت العديد من الأسئلة والتصورات والاقتراحات المنهجية التي صبت في اتجاه تطوير فكرة التجديد في الكتابة التاريخية، وكيفية تفعيلها على أرض الواقع، وطرحت معها أفكار حول آليات تنزيل الرؤية التجديدية من قبيل الجماعة العلمية ودورها في التأطير وتوفير المناخ الملائم لإنضاج الأفكار والاجتهادات الفردية،  ومراعاة الرؤى والتصورات المنهجية التي تمت بلورة معظمها في سياقات إسطوغرافية بعيدة عن السياق المغربي. وخلصت جلسة النقاش إلى ضرورة الانتباه إلى أن الانفتاح على الدراسات النظرية والإبستيمولوجية لا يكفي وحده لإنتاج معرفة تاريخية وازنة، بل يحتاج الباحث إلى المزاوجة بين التسلح بالأدوات المنهجية والبحث عن مصادر جديدة للمعلومات، والاطلاع على تاريخ الآخر وما أنتجته مختلف المدارس والتجارب الإسطوغرافية، والاستئناس بكل هذا الزخم لتلقيح وتخصيب أفكار الباحثين المغاربة، مما سيفتح أمامهم دروبا ومسارات بحثية جديدة وثرية.

جدير بالذكر أن مجموعة “مؤرخون مغاربة”  تعمل على تنزيل مجموعة من المشاريع التي بلورها بعض أعضائها لتجديد  صنعة التاريخ بالمغرب، حيث يجري الاستعداد لإطلاق مشاريع بحثية جماعية أخرى وهي:

  • مشروع قاموس تاريخ المغرب: وهو عمل يروم تقديم حصيلة البحث التاريخي في مواضيع وقضايا معينة تتعلق بالتاريخ المغربي، وينخرط في تاريخ الإسطوغرافيا الذي يهدف لتتبع تطور الكتابة التاريخية في العديد من المواضيع.
  • مشروع أعلام المغرب: يرمي للتعريف بالإخباريين والمؤرخين المغاربة منذ الإمارات الخارجية الأولى في بداية العصر الوسيط، إلى اللحظة الراهنة، في أفق تشكيل بيبليوغرافيا شاملة لمنتجي المعرفة التاريخية  من مدخل الأعلام.
  • مشروع مصطلحات تاريخ المغرب: ويسعى إلى التعريف بالمصطلحات المستعملة في تاريخ المغرب، سواء المنتمية منها إلى الحقل الفقهي أو السياسي أو العسكري أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الحضاري. وذلك لتقريب المفاهيم القديمة من الباحث في الحقل التاريخي.
  • مشروع تاريخ النساء: ويُسائل التراكم المعرفي والمنهجي لتاريخ النساء ومقاربة النوع، كوحدة تحليلية ضمن السياق المغربي والعالمي بشكل يأخذ بعين الاعتبار العلاقة بين إنتاج المعرفة التاريخية وسياقاتها الحضارية والجغرافية.
  • مشروع التقرير السنوي لحصيلة البحث التاريخي في المغرب: غايته الإسهام في تتبع حركة النشر وجرد توثيقي إحصائي ودراسة تحليلية لما ينشر عن تاريخ المغرب والحقول المعرفية الإنسانية والاجتماعية ذات الصلة، بمختلف اللغات، وعلى المستويين الوطني والدولي.
  • مشروع التاريخ المعماري وتاريخ الفن: وهو مشروع يهدف للتعريف باللمسة المغربية في مجال المعمار، وما أبدعته الحضارة المغربية من فنون معمارية شتى، وذلك لحفظ الصلة بالتراث الحضاري الوطني.