الأوروعربية للصحافة

بروفايل: من هو محمد الضيف.. الرجل الشبح قائد أركان المقاومة الفلسطينية؟

بصورته المعتمة وصوته الهادئ والواثق أعلن محمد الضيف صباح يوم 7 أكتوبر 2023 انطلاق معركة “طوفان الأقصى” برا وبحرا وجوا بنحو 5 آلاف صاروخ طالت تل أبيب والقدس، تلاها اقتحام المقاومة مستوطنات وكيبوتسات وثكنات إسرائيلية وقتل وأسر أعداد كبيرة من الجنود والضباط، وكانت العملية غير مسبوقة بحجمها وتأثيراتها ونتائجها وتداعياتها التي ما زالت تتفاعل على أرض المعركة.

هذا الاسم، الضيف، ليس غريبا عن الحروب التي خاضتها حماس ضد إسرائيل، فقد كان بمثابة الرقم الثابت في كل المواجهات الكبيرة بين الحركة والكيان الصهيوني في “معركة الفرقان” عام 2008، و”حجارة السجيل” عام 2012، و”العصف المأكول” عام 2014، و”سيف القدس” عام 2012، وتعد معركة “طوفان الأقصى” الحالية، المعركة الخامسة التي يحضرها الضيف، بل ويعتبر قائدها والمخطط لها، والتي تعتبر مفاجأة إستراتيجية وتكتيكية كاملة لا تشبه غيرها بأحداثها ومفاعيلها الراهنة والمستقبلية.

قائد المقاومة

فمن هو محمد الضيف، القائد الفلسطيني الذي يحظى بهالة كبيرة من الاحترام كقائد عسكري داخل حركة حماس وفصائل المقاومة وبين جموع الفلسطينيين كقائد للمقاومة؟

ولد محمد دياب إبراهيم المصري، الملقب بـ “الضيف”، لتنقله الدائم بين منازل الفلسطينيين وحلوله ضيفا عليها للتمويه ضد الاغتيالات الإسرائيلية، عام 1965 بمخيم خان يونس جنوبي قطاع غزة، في نفس السنة التي أعلنت فيها منظمة التحرير الفلسطينية إطلاق أول رصاصة في معركة التحرير الفلسطيني التي مازالت مستمرة تتوارثها الأجيال والحركات والفصائل الفلسطينية المقاومة جيلا عن جيل.

وهو يتحدر من أسرة فلسطينية فقيرة عاشت في الشتات والمخيمات، دفعه الفقر وظروفه العائلية لمغادرة مقاعد التعليم مؤقتا والعمل في مجالات عدة، ليعود لاحقا إلى الجامعة الإسلامية في غزة، حيث بات ناشطا طلابيا في التيار الإسلامي. وفي عام 1987، انتمى إلى حركة حماس، في نفس السنة التي ولدت فيها الحركة. عرف عنه ولعه بالرسم والمسرح، وميله المرح والدعابة، لكنه توجه إلى دراسة العلوم وفي منتصف عام 1988حصل على درجة البكالوريوس في تخصصه العلمي.

ومنذ انخراطه في العمل السياسي أبان الضيف عن التزام كبير بالقضية وعمق التحليل، وفي عام 1989 اعتقلته إسرائيل لمدة سنة ونصف بتهمة النشاط العسكري مع حركة حماس، وكانت تجربة السجن بداية عمله العسكري الفعلي في صلب كتائب الشهيد عز الدين القسام التي كانت قد برزت على الساحة الوطنية الفلسطينية.

مع توقيع اتفاقات أوسلو، انتقل الضيف من غزة إلى الضفة مع عدد من قادة كتائب القسام للإشراف على تأسيس فرع للقسام هناك، وبرز كقيادي إثر اغتيال عماد عقل عام 1993 حين أشرف على تنفيذ عمليات عدة، من بينها أسر جندي إسرائيلي عام 2004. وبعد اغتيال يحيى عياش، الملقب بـ “المهندس” عام 1996، خطط الضيف لسلسلة عمليات فدائية أخرى أوقعت عشرات القتلى والجرحى في صفوف الإسرائيليين.

وبإيعاز وتحريض من الإسرائيليين اعتقلته السلطة الفلسطينية عام 2000، لكنه استطاع الفرار مع بداية انتفاضة الأقصى التي اعتبرت محطة مهمة في تطور أداء كتائب القسام، وتولى الضيف قيادتها عام 2002 إثر اغتيال قائدها العام الشهيد صلاح شحادة في نفس العام.

“سبعة أرواح”

ومنذ عام 2002، بات “أبو خالد”، وهو لقب آخر لـلضيف، علامة فارقة كقائد أركان المقاومة داخل حركة حماس، وأصبحت رأسه مطلوبة مما عرضه للكثير من محاولات الاغتيال نجا منها بأعجوبة ما جعله يوصف بصاحب “سبعة أرواح”. كانت أول محاولة اغتيال استهدفته عام 2021 لكنه نجا منها، وجرت محاولة ثانية لاغتياله عام 2002 عندما أطلقت مروحية “أباتشي” إسرائيلية صاروخين نحو سيارته، أصيب إثرها بجروح فتولى علاجه الشهيد الراحل عبد العزيز الرنتيسي الذي اغتيل بدوره عام 2004. وفي عام 2003 حصلت محاولة أخرى فاشلة لاغتياله رفقة بعض قادة حماس بصاروخ في غزة، وتكرر الأمر عام 2006 حين أصاب صاروخ إسرائيلي منزلا كان الضيف يجتمع فيه مع قادة من كتائب القسام، وقالت إسرائيل إنه أصيب بجروح بالغة جعلته مقعدا، دون أن تكون هذه المعلومات مثبتة. وفي عام 2014 استشهدت زوجته وابنه الرضيع في غارة كانت تستهدفه في حي الشيخ رضوان بغزة. وفي ظل شح المعلومات حوله، يعتقد أن الضيف يعيش اليوم بذراع وساق وعين واحدة، بعد أن فقد ذراعه وساقه وعينه الأخرى في محاولات الاغتيال الكثيرة التي تعرض لها.

الصورة الوحيدة المتوفرة لقائد كتائب عز الدين القسام محمد ضيف تعود إلى ما قبل سنة 2000.

الصورة الوحيدة المتوفرة لقائد كتائب عز الدين القسام محمد الضيف تعود إلى ما قبل سنة 2000.


يتمتع الضيف بذكاء حاد وبحضور قوي إضافة إلى ملكة التخطيط والضبط والربط واستنباط الحلول، ويعتبر هو العقل المدبر لعمليات حماس العسكرية، والمخطط لإستراتيجيات المواجهة مع إسرائيل، تتلخص عقيدته العسكرية في مواجهة إسرائيل بالقوة، وضربها مباشرة في عمقها الداخلي، تنسب إليه فكرة بناء الأنفاق لتعزيز تحصينات المقاومين، ولمباغتة الإسرائيليين واختراق صفوفهم والهجوم عليهم من تحت ومن فوق من خلال استراتيجية إطلاق رشقات من الصواريخ دفعة واحدة لإرباك دفاعات القبة الحديدية الإسرائيلية.

القائد الشبح 

يعد الضيف أكثر القادة العسكريين الفلسطينيين استمرار في البقاء قيد الحياة رغم كل المخاطر التي تحذق به في كل آن، في زمن السلم والحرب، ويعود ذلك إلى حسه الأمني العالي وقدرته الكبيرة على التخفي والتنقل المستمر بين الأمكنة، بحيث يكاد لا يبيت في نفس المكان مرتين.

أما آخر صور واقعية له فتعود إلى أكثر من عشرين عاما، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد يظهر في الأماكن العامة أو وسائل الإعلام، وقد غاب حتى عن جنازة والدته عام 2011.

لا يستعمل الضيف الهواتف الحديثة أو الأجهزة القابلة للتتبع، وتحاط تحركاته بسرية بالغة، وطيلة العقدين الماضيين لم يظهر الضيف، خلال المواجهات مع إسرائيل، سوى ثلاث مرات صوتا وصورة معتمة، لا يظهر فيها وجهه الذي لا يعرف اليوم ملامحه الحقيقية سوى قلة من نخبة رجال المقاومة الإسلامية “حماس”.

والضيف، يعتبر منذ عقود “العدو رقم 1” لإسرائيل وأمريكا، اللتان تسعيان وراءه منذ سنوات لاعتقاله أو اغتياله، وحتى لو اعتقل أو استشهد فيبقى أكبر كابوس يؤرقهما، أما في ذاكرة المقاومة وكل أنصارها في فلسطين وفي العالم العربي فإن الضيف سيبقى رمزا للشجاعة والبطولة والمقاومة.