الأوروعربية للصحافة

“المطر والفكر”

محمد الورداشي

زرت الرباط بعد غياب سنتين في يوم ممطر، نزلت من الحافلة وسط محطة طرقية شاسعة، تتوفر على مرافق متعددة وأمور أخرى كثيرة تشي بالفرق بينها وبين نظيرتها القديمة في القامرة، ونحن نتحرك بحقائبنا المثقلة صوب المخرج، تهنا وسط الممرات الكثيرة، وكلما قصدنا بابا زجاجيا ضخما ظهر حارس أمن ليشير بيده أن تقدموا إلى الأمام، فنفهم الإشارة ثم نسير إلى الأمام. وبعد أن مشينا أمتارا معدودات وجدنا منفذا للخروج لكن ممراته مغلقة بحواجز زجاجية صغيرة، رآها شخص ثرثار كان يمشي جانبي أهتدي به الطريق ظنا مني أنه يعرف المكان جيدا، وما إن بدت له الحواجز مغلقة حتى صرخ متأففا:
“بالله عليكم من أين نخرج؟”
ثم عاد القهقرى نحو الممر المحاذي لمرابض الحافلات، فتبعه شخص آخر ليخبره أن الحواجز الزجاجية تفتح نصفين مجرد أن تقف أمامه، فعاد صاحبنا غاضبا متأففا أكثر من ذي قبل. ولما عبرنا الحواجز ألفينا سلالم كهربائية، خطا صاحبنا فتبعته مسرعا، ولكن ما لفت نظري هو طريقة خطوه، إذ قفز كأنه يمشي على أرض ملغمة، فكاد يفقد توازنه ويرتمي على السلالم الكهربائية لولا أن لطف به الله فتمالك نفسه، بيد أنه ازداد غضبا حتى قال معاتبا:
“نريد المال وليس هذه السلالم المقيتة”
استغربت كلامه في بداية الأمر؛ لأني كنت أعتقد أن المواطن في هذا البلد الحبيب كلما توفرت له وسائل التحديث، وتيسرت له سبل الحياة والعيش نوعا ما، سيزداد فرحا وبهجة وإقبالا على الحياة طولا وعرضا. لكني استدركت خواطري المضطربة، فتساءلت في نفسي: “من الأسبق والأولى: بناء الإنسان أم بناء الجدران؟”.
قفزت ثنائية الحداثة والتحديث إلى ذهني، وتأكد لي ما كنت قرأته في أحد الكتب التي تناقش وتنتقد الحداثة المؤجلة في العالم العربي… ذلك أن لا تحديث بدون حداثة، لأن التحديث في البنى التحتية والخدمات العامة يأتي بعد حداثة فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.
فهل قمنا ببناء الإنسان فكريا ووجدانيا؟ هل غيرنا بنية عقل المواطن حتى تكون مأهولة لاستقبال وسائل التحديث، والتعامل الرشيد والحكيم معها؟
أكتب هذه السطور وأنا جالس في إحدى المقاهي الشعبية الزبائن المستحدثة الأثاث والديكور. وأنظر من جانب الرصيف إلى الشارع المقابل لي، وأتملى جمال قطرات المطر وهي تسقط على الإسفلت في قسوة؛ لأن حنو المطر يظهر كلما سقط على التراب، فصعدت من التراب رائحة طيبة ندية.
يعرب المطر عن جماليته حينما يسقط في البوادي والقرى على الأرض المتربة، ويغازل أوراق الأشجار والنخيل الباسقة في جو حميم ملئه العناق بين الأوراق المغبرة وقطرات المطر الباردة. في هذا المنظر البهي تتشكل شعرية المكان، ويكشف عن مكنوناته الجمالية الدفينة، ويفتح شهية الذات على القراءة والكتابة.
فتحت كتابا أتصفحه في الهنا والآن، أتذوق كلماته الرصينة، وأتأمل أفكاره وتأملاته العميقة، ثم أرفع بصري صوب الشارع الرئيس بين الفينة والأخرى، وأمعن النظر في المارة وهم يسرعون الخطو هروبا من قطرات المطر الثقيلة، ثم أعود إلى القراءة من جديد منتظرا توقف المطر، ومتأهبا للعودة إلى المكان الذي غادرته صباحا.
كنت أريد معرفة أجواء الرباط ساعة هطول المطر، وأتملى بجمال الشوارع المبتلة، وأنعم بالنظر إلى هذا المنظر البهي وأنا وسط سكان المدينة، أرصد طريقة كلامهم، ونوع المواضيع التي يخوضون فيها، وتفاعلهم مع المطر واستجابتهم لقطراته المتساقطة.
تهت في المحطة الطرقية مثل الكثيرين ممن يعيشون خارج المدينة، فركبت سيارة أجرة تأخذني إلى المكان الذي جئت من أجله، ثم تقصر المسافة البعيدة التي تفصلني عنه. وما إن غادرت باب المحطة الكبير حتى ألفيت سيارات أجرة بلونها الأزرق بهية المظهر، وذلك بفعل قطرات المطر التي أزالت أدرانه.
تقدمت نحو إحداها فامتطيتها، استفسرني سائقها عن غايتي، فقلت له مكان كذا، ثم رد بحركة تشي بأنه فهم قصدي، وما هي إلا ثواني حتى يسألني عن المكان وقد ألحف في السؤال، وجدت صعوبة في تحديد النقطة التي سأنزل فيها، لأني غبت عن المدينة سنتين، والمحطة الطرقية لم تعد في القامرة.
كان السائق يرتدي فوقية بيضاء، ويحمل في يده هاتفا ضخما، تقدمت نحوه امرأة في سن الأربعين تستفسره عن بنك ما في أكدال، فرد بأن هناك أبناكا كثيرة، لم تهمله المرأة إذ أدخلت يدها في صدرها، فأخرجت هاتفها ودفعته أمام ناظري السائق ليقرأ العنوان، بيد أنه اعتذر متبرما بدعوى أنه لم يحضر نظارته البصرية، ولكن ما إن خضت معه في الحوار حول أمور بسيطة، حتى بدا لي أنه لا يعرف القراءة والكتابة، لذلك خاطب السيدة التي تجلس خلفنا قائلا:
“اعط هذا الولد يقرأ لك العنوان لأنه يبدو متعلما”
فمدت السيدة يدها نحوي، فأخذت أقرأ الرسالة بصوت مرتفع، وأحدد الموقع المقصود للسائق.. استغربت معرفتي المفاجئة هذه؛ لأني لا أزور المدينة إلا مرات متباعدة، ولا أقضي فيها سوى يوم أو يومين كأقصى مدة.
تساءلت في خلدي عن الأسباب التي تجعل أهل مدينة من المدن المغربية يجهلون أزقتها وشوارعها وأحياءها؛ إذ كثيرا ما سألت أبناء مدينة من المدن التي زرتها عن مكان ما، فلا ألقى منهم إلا الرد بعدم معرفة ما سألت عنه.
لم نعد جوالين كما كان أجدادنا يفعلون، وإنما بتنا نكتفي بالمكان الذي نسكنه وما يحيط به من أحياء، وربما السبب يعود إلى اتساع المدن وترامي أطرافها، ومن يدري لعلنا عزفنا ونأينا بأنفسنا عن معرفة أماكن لا حاجة لنا بها.
تشير الساعة إلى الثانية عشرة، وأنا ما أزال قابعا في المقهى، جالسا على كرسي خشبي يشي بحداثة المظهر، ولكنك ما إن تقضي عليها ساعة حتى تحس بألم في كل جسدك، فتختار الخروج على عجل، لتجد أن المكان قد لفظك خارجا كما يلفظ البحر غريقه.
مضى اليوم مسرعا في هذه المدينة، ولم أحس قط بحميمية الناس تجاه بعضهم البعض، إذ الكل يجري صوب غاية هو طالبها، ولا يلتفت جهة الآخر ولا ينظر إلى وجهه حتى. تساءلت في نفسي وقد بدأ الدوار يكتنفني بسبب ألم منغص في معدتي: من سيساعدني إن سقطت هنا؟ من سيتوقف ثوان معدودة ليعرف حالي أنا الغريب الذي لا يملك أهلا في المدينة؟
استجمعت قواي وتمالكت نفسي، ثم أصررت على متابعتي الخطو لعلي أسترق لحظة من وقتي لأزور صومعة حسان، ثم أتملى بساحتها الواسعة وأتجه صوب محطة القطار، لأبتاع تذكرة العودة قبل أن يجثم الظلام على المدينة.
تسألني فتاة في مقتبل العمر إن كنت أتوفر على بطاقة أو وثيقة تخول لي ابتياع تذكرة بثمن مناسب، فأدخل يدي في محفظتي مسرعا، أبحث عن حقيبة الوثائق في حركة مضطربة لأن الطابور ممتلئ بالمسافرين.
أخرجت بطاقتي ودفعت ثمن تذكرتي المناسب، ثم ألقيت نظرة استغراب على الجمع الغفير من المسافرين الذين ينتظرون دورهم، فخطر لي خاطر مفاده أن نسبة كبيرة من الناس لا تعيش إلا في القطارات والحافلات، وأنها لو حسبت عدد الساعات التي تقضيها متنقلة من مكان لآخر لوجدت أن وقتا طويلا قد ضاع من عمرها.
فتحت الكتاب للمرة الثانية وأنا جالس على أحد الكراسي الموجودة على هامش سكة الحديد، فانغمست بضع دقائق في سطور فقرة يصف فيها الكاتب الأماكن التي مر منها، تساءلت عن مصدر تحصيل شخص أعمى لهذه الكفاءة الوصفية الكبيرة؟ فتذكرت الشاعر بشار بن برد وهو يصف المعارك وفصل الربيع وصفا دقيقا شاملا بهيا، ثم أبا العلاء المعري وهو يصف مشاهد من الحياة الأخروية في سياق رحلته الفكرية التي تجاوزت الحياة الفانية وارتمت في لجج الحياة الأخروية، ثم تذكرت طه حسين وهو يصف في كتابه “الأديب” شخصياته وأماكنه ومواقفهم.
تأكد لي أن من ينظر ببصيرته يرى أكثر مما يرى الناظر ببصره، ذلك أن في البصيرة غوصا عميقا في الأشياء والأشخاص والمواقف، وأن في البصر خداع الحواس وتمسكها بالمظاهر.
وصل القطار فامتطيته ثم ملكني النوم، ولم أستيقظ إلا على وقع صوت أنثوي يخبرنا بوصول المحطة التي سأنزل فيها، فحملت محفظتي ثم اتجهت إلى مخرج المحطة لأمتطي سيارة أجرة تقلني إلى البيت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.