الأوروعربية للصحافة

مغرب قادر على إدارة أزمته من دون فرنسا المتعجرفة

 

يبدو أن ردّ الفعل الحاسم الذي عبر عنه المغاربة دولة وشعبا تجاه مواقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي تصطاد في الماء العكر قد آتت أكلها بعد أن بدأت ملامح التوجيهات الصادرة نحو وسائل الإعلام الفرنسية من أجل إيقاف حملتها الشعواء على إدارة بلادنا لأزمة زلزال الحوز تظهر على بلاتوهات التلفزيونات وقاعات هيئات التحرير. السلوك السامّ والغادر الذي بدأت به الصحافة الفرنسية على الرغم من كل مزاعم الاستقلالية كان طعنة في الظهر بالنسبة إلى بلد يعيش نكبة غير مسبوقة وينزف بسبب جراح وآلام الكارثة. وفي الوقت كان ينتظر فيه من الأصدقاء الفرنسيين في عزّ هذه الأزمة أن يقفوا إلى جانبه دون مزايدات أو توظيف انطلق الاعلام الخبيث لينهش في لحوم الموتى والجرحى.

 

إنها عادة سياسية خبيثة لهذا النوع من الطبقة الحاكمة في فرنسا التي ترفض أن تقبل فكرة استقلال مستعمراتها السابقة وتسعى باستمرار إلى استغلال المواقف والأزمات العابرة من أجل إحراج هذه الدول ووضعها في مواجهة مع شعوبها أو مع مكوناتها الحزبية والمدنية. لكن الذي لم يكن في بال ماكرون ومن يخططون معه هذه المؤامرات الخبيثة أن الشعب المغربي مختلف تماما عن شعوب أخرى يمكن أن تقبل الإهانات وتبتلعها في صمت دون ردّ أو تفاعل. المغاربة مستعدون أن يموتوا عن بكرة أبيهم تحت الركام أو من الجوع أو بأيّ سبب لكنهم لن يفرّطوا أبدا في كرامتهم ووحدتهم وتلاحمهم الدائم بين العرش والشعب. أن يتم توظيف أزمة الزلزال لإظهار عجز الدولة المغربية المزعوم وبث رسائل سياسية مسمومة فهذه قمة الحقارة التي لا يمكن أن نقبلها.

 

وها هو ذا الرئيس الفرنسي يحني رأسه المتعجرف ويطأطئه أمام تماسك المغاربة وإبائهم ويعترف أمام الجميع أن إرسال المساعدات إلى بلد ما وإلى المغرب على الخصوص لا يمكن أن يكون أبداً إلا تحت سيادة الدولة المغربية وبموافقة مسبقة منها. كان من الممكن أن تسلك فرنسا منذ البداية القنوات الدبلوماسية المتعارف عليها وتقدم مثلها مثل دول أخرى عرض المساعدة بشكل رسمي دون أن تثير حول الموضوع كل الزوبعة التي شغلت بلاتوهات التلفزيونات الفرنسية سواء منها العمومية، أو تلك المملوكة لرجال الأعمال من أصدقاء ماكرون. هل كان من الضروري أن تبدأ تغطية الإعلام الفرنسي للكارثة الإنسانية بالحديث عن رفض السلطات المغربية لهذه المساعدة تحت عناوين مستفزة من قبيل: هل يستطيع المغرب إدارة الأزمة دون فرنسا؟

نعم تخيّلوا هذا عنوان إحدى حلقات برنامج تلفزيوني حواري: هل يستطيع المغرب إدارة الأزمة دون فرنسا؟ الظاهر أن ماكرون تلقّى الجواب. نعم يستطيع المغرب والمغاربة بتكاثفهم وتضامنهم وتلاحمهم التاريخي بين العرش والشعب أن يتجاوزوا المحنة ويديروا الأزمة ويخرجوا منها أقوى وأكثر وحدة دون حاجة إلى فرنسا أو إلى مساعداتها. لا يمكن أن يصل الأمر بهذا الخطاب المتعجرف المجنون إلى درجة البحث عن فرض تقديم المساعدات بالقوة. هذا مستحيل وجنون، إذا رفض بلد حر وذو سيادة تقبّل مساعدة بلد آخر فينبغي أن تُحترم إرادته ورغبته، بدلا من التعامل مع ذلك بخبث منقطع النظير. وهذا الأمر لا يمكن أبدا أن يحدث مع أمة مثل الأمة المغربية. وإذا كانت شعوب ودول أخرى تقبل أن تتعرّض للإهانات الفرنسية بل ألّا يعترف الفرنسيون أصلا بوجودها التاريخي فهذا لا يمكن أن يحدث مع المغرب والمغاربة.

وعلى فرنسا أن تدرك جيدا أن المغرب الحر ذو السيادة التي لا تُناقش هو نفسه الذي تمتلك فيه فرنسا مصالح اقتصادية واستثمارية هائلة، وتجمعه به شراكات في شتى المجالات منذ عقود طويلة من الزمن، ولم يبحث المغرب أبدا أو يوما من الأيام أن يستغله أو يبتز من خلالها فرنسا بحثا عن تحقيق أهداف سياسية داخل البلاد. المغرب بلد يحترم سيادة الدول، وعلى فرنسا أن تحترم سيادته وأن تدرك أن قصة إيمانويل ماكرون قد انتهت بالنسبة إلى المغاربة منذ زمن وأن ما حدث من توظيف مشؤوم لكارثة الزلزال يعدّ القطرة التي أفاضت الكأس. وفي انتظار خروج الرئيس الحالي من قصر الإيليزيه ليسكنه رئيس جديد نحبّ أن نذكر الرئيس المغادر قبل رحيله أنه هو الذي فضّل المغامرة بمصالح بلاده هنا وفي إفريقيا، وأنه هو المسؤول عن كل النتائج التي حدثت وستحدث. فإلى مزبلة التاريخ.