الأوروعربية للصحافة

الأخلاق- أزمتنا الأخلاقية

 محمد زاوي

– أزمتنا الأخلاقية

ومن أبرز مظاهر هذه الأزمة الأخلاقية:

* الكذب: وهو سلوك يقوم على أساس نفسي، إما من خوف وإما من رغبة في الاستغلال. وكلاهما منتشران في عالم اليوم، بهما يبسط مالكو الرأسمال سيطرتهم على العالمين. فلم تعد الحضارة حضارة حقيقة، بل حضارة إخفاء للحقيقة ولو كان من قدرها الانكشاف البديهي والعفوي؛ كما هي حضارة خوف أريد للنفس فيها أن تخفي حقيقتها وكافة مشاعر الكره والحقد والحسد تجاه مستغليها. مهما تقدمت العلوم والتقنيات، ومهما اكتشِفت الثروات الطبيعية وروكمت الأرباح الرأسمالية، ومهما تقدم العلم في فهم النفس البشرية وتفكيك أمراضها واضطراباتها؛ يجب إخفاء كل ذلك على الناس ليستمر الاستغلال بيد من “كذب وتزييف للحقائق”. “قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون” (سورة يونس، الآية 69)؛ لا يفلحون بنظام التفاوت سرعان ما يذوقون عذاب أزماته واضطراباته الداخلية، ولا في “جنة” هي مصير العالمين جميعا لا مكان فيها للمفترين والظالمين، “وقد خاب من افترى” (سورة طه، الآية 61).

* الكسل: فإذا كان الإسلام يشجع العمل بالتساوي بين الناس، فإن الحضارة السائدة تتخذ خطابين، خطاب يشجع الكسل حد الخمول، وخطاب آخر يشجع العمل حد الإجهاد. الراحة للأقلية المالكة لوسائل الإنتاج، والتعب للأكثرية العاملة أو الكادحة. ورغم هذا، فقد انتشر الكسل بين أفراد جميع الطبقات والفئات، نظرا للانتقال الذي عرفته الرأسمالية نفسها، بانتقالها من رأسمالية منتجة زراعية أو صناعية أو خدماتية إلى أخرى مالية ربوية فاحشة. تتفاوت وتيرة العمل بين الشمال والجنوب، بل بين قطاعات العمل في المجتمع الواحد، والقاسم المشترك تعويض الإجهاد وقت العمل بالراحة والكسل وتعطيل القدرات الإنسانية خارجه. والواجب أن يعمل الناس قدر مستطاع كل أحد، ودون نهب أقلية لمجهود الأكثرية تحت أقنعة شتى؛ ذلك هو السبيل لراحة سليمة يتراوح فيها الإنسان بين جهد يسد به رمقه وجهد ينمي به جسمه وعقله. فكما شجع الإسلام على العمل والتكسب (“اليد العليا خير من اليد السفلى”/ حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه، متفق عليه)، فقد نهى عن الإلقاء باليد إلى التهلكة (“ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”/ سورة البقرة، الآية 195).

 

 

* العقوق: إنها حضارة “اللاأصل”، طمس للذاكرة وهي أصل العقل، وطمس للطبيعة وهي أصل الجسد، وطمس للدين وهو أصل الروح؛ وكذلك هي طمس للأصول، للعلاقة بالوالدين والأجداد، وهؤلاء هم أصل الفروع. لا قيمة للذاكرة ولا للطبيعة ولا للدين في هذه الحضارة، فكيف تكون فيها للعادات والتقاليد وعلاقات الأهالي والجيرة قيمة؟ وكيف يكون لبر الوالدين وذوي القربى قيمة؟! حضارة قائمة على الهدم في منحيين، للأصول بنشر ثقافة العقوق واستهداف الذاكرة الخاصة والعامة، والفروع بنشر ثقافة الشذوذ وإفراغ الوالدية والأسرة من قيمتهما الحضارية. يُكسِب الإسلام مناعة أخلاقية ضد هذا النوع من العقوق، فيوجب برّ الوالدين (“وبالوالدين إحسانا”/ سورة الإسراء، الآية 23) حتى وإن كفرا بالإسلام (“وصاحبهما في الدنيا معروفا”/ سورة لقمان، الآية 15)، ويدعو إلى إعطاء الأولوية لذي القربى في الصدقة (“وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين”/ سورة البقرة، الآية 177)، ويحفظ المودة بين زوجي “الرباط المقدس” (“ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة”/ سورة الروم، الآية 21).

* الخيانة: وهي من العقوق، فكيف لمن عق أصوله ولم يحسن معاملة فروعه وذوي قرباه؛ كيف له أن يبر بوطنه؟! وبمفهوم الموافقة الأولوي، فإذا كان برّ الوالدين واجب، فبر الوطن واجب من باب أولى. إذا كان من ثدي الأم الحليب، ومن ماء الأب النطفة، فمن تراب الوطن الجسم ومن ثروته العيش ومن سلطته الأمن. الخيانة إذن شكل خاص من العقوق، ومن خان فهو داخل في حكم “وبالوالدين إحسانا”. هناك اليوم آلة إعلامية و”أكاديمية”، تجارية ومالية، تشجع على الخيانة وتصورها في صورة الشجاعة والتفرد؛ وما هي كذلك، إن هي إلا آلهة جديدة تسوغ فساد الأخلاق، فيصبح المرء “ذرة تائهة” (بتعبير سيد قطب، في “السلام العالمي والإسلام”) يجترح الآفات الأخلاقية تحت مسميات جديدة (“إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان”/ سورة النجم، الآية 23).

 

 

* النهب: يحدث النهب في عالم اليوم في ثلاثة اتجاهات: نهب فاقة واضطرار، نهب استغلال، نهب استعمار. الأول يحدث بين عناصر من نفس الطبقة الاجتماعية، أو بين عناصر من طبقات متفاوتة؛ أما الثاني فيحدث تحت أقنعة من “السخرة والتشغيل”، تحتها نهب مقنّع لفائض القيمة وفق ما تفرضه قوانين النظام الاجتماعي الرأسمالي؛ والثالث ناتج عن “التبادل اللامتكافئ” بين الشمال والجنوب، تستنزف فيه ثروات “الأطراف” ومؤهلاتها ويدها العاملة لمصلحة “المراكز” (سمير أمين). تغمض حضارة اليوم عينها عن النهبين الثاني والثالث، فيما تنبري لمعاقبة من سقط في جريرة النهب الأول، الذي هو نتاج النهبين الآخرَين. في شركة لتعليب البيض مثلا، قد يعاقب عامل سرق بيضة، فيما يستفيد صاحب ذات الشركة من فائض قيمة هذا العامل دون أن يمسه عقاب. التفاوت كبير بين بيضة وفائض قيمة العامل الذي علّبها، إلا أن حضارة اليوم تحتكر “تعريف النهب” كما تحتكر “وسائل الإنتاج”. (“لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”/ رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها)

* التهتك: الخروج عن المنهج طريق إلى الخروج عن الفطرة، وبقدر ما توسعت “حضارة الرأسمال” في الخروج عن المنهج فقد ألقت بقدراتها وتقدمها في واقع من الشذوذ والخلاعة والغابوية، وإن كانت الغابة تتبرأ من فواحش هذا الزمن. تسودها الفطرة والطبيعة، فيما يأبى إنسان هذا العصر إلا أن يخرج عنها بجعل الشذوذ طبيعة. الزوجية طبيعة وفطرة، قانون لجميع الأحياء، نباتات وحيوانات؛ وأرادها إنسان “حضارة الرأسمال” أن تكون “مثلية”. ينظم الإسلام المنهج بقواعد لعل أبرزها “ولا تقربوا الزنا، إنه كان فاحشة وساء سبيلا” (سورة الإسراء، الآية 32)، ويحفظ الفطرة بقواعد لعل أبرزها “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا” (وليس أمثالا/ سورة الروم، الآية 21). دون هذا رجوع إلى الوراء في الزمن، تخلف بعد تقدم، تهتك بعد حضارة.

* الخباثة: تعفَّن الرأسمال فأنتج القذارة، لا قذارة ظاهر فقط، بل قذارة باطن أيضا. كثرت المساحيق والعطور والمنظفات والأصباغ، إلا أنها عوض أن تقف عند حد ما تحصل به طهارة البدن، أساء الإنسان استعمالها فحالت بينه وبين طهارتيه، الظاهرية والباطنية.. وهكذا اسنبِثت الخباثة داخل “حضارة المساحيق والعطور”.. بوهيميون لا يحلقون ولا يستحمون يحاكون الحيوان “وهو أنظف منهم”، عبدة للشيطان يختارون من الألبسة والمساحيق ذات اللون الأسود ومن العطور أسوأها رائحة، “متمدنون” استغنوا بحمام الصباح أو المساء عن التنظف الدائم (الوضوء).. عوضوا النظافة المائية المقتصدة بأخرى تبذيرية (للماء والورق والمطهرات الاصطناعية)، وشموا الجسد وشوهوا الخِلقة، تشبهوا بالكلاب عيشا وحالا (حالة غريبة ظهرت في الغرب)، وجعلوا العري فلسفة في وفرة من الملبس (الطبيعيون في أوروبا).. ناهيك عمّا تنفثه المصانع من غازات وأدخنة كل يوم، يموت بها الإنسان ألف مرة ليعيش مرة واحدة، يموت بسموها في مداه البعيد ليعيش من منتوجها في يومه القريب.. وكأنه ينفق على موته من جسده، وعلى حتفه من قوة عمله.. تحسنت ظروف عيش الإنسان، وأتيحت له نظافة جسده أكثر من ذي قبل؛ إلا أن الحداثة سرعان ما انقلبت خباثة.. خباثة في نفسه يحتكر بها الحياة والمصالح ويبذرها، وأخرى في بدنه بعد استلاب في الجسد. “ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار” (رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه)، وذلك بإخراج الثوب من مقصده الذي وجِد الله، وهو الستر والوقاية؛ فلما اتخِذ “خيلاء” وكبرا (وبهذا قيِّد المطلق: “في النار”) أخذ حكم التحريم. وكذلك الطهارات الواجبة كالغسل والوضوء، أو المستحبة كالتطيب والتسوك، إذا خرجت عن مقصدها اقتربت من حكمي المكروه والمحرم. أما الطهارة في حدودها، فهي من الدين، بل هي الدين كله. و”الطهور شطر الإيمان” كما جاء في الحديث الشريف (رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه). (“الدين: توسيع دائرة النظافة”؛ عبد الصمد بلكبير).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.