الأوروعربية للصحافة

أبوخلال والجامعة وسقطة المنبر الإعلامي الشارد عن الإجماع الوطني

سعيد الغماز

 

في غمرة احتفالات الشعب المغربي بالإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في مونديال قطر، وفي خطوة غير مفهومة وغير مكترثة بالعواقب، سمح منبر إعلامي لنفسه بالتهجم على اللاعب الدولي المتألق زكرياء أبوخلال مسجل الهدف الثاني للمنتخب المغربي ضد بلجيكا في مرمى أكبر حارس من بين حراس العالم. الغريب في المقال هو استعماله لقاموس تردده منابر إعلامية غربية متشبعة بالعنصرية وبأفكار الاستعلاء والحنين لزمن الحقبة الاستعمارية. بل حتى هذه المنابر اتهمت لاعبي المنتخب الوطني بالداعشية لكنها اعترفت بخطيئتها وسحبت تقريرها بعد تقديم اعتذارها للاعبين. لكن أن نقرأ هذه الأفكار التي تريد الإسائة لثوابت الأمة في منبر إعلامي مغربي، فهذا الأمر يستدعي أكثر من تسائل؟

 

ما نشره المنبر الإعلامي الشارد عن اعتزاز المغاربة قاطبة بمنتخبهم الوطني، بعيد كل البعد عن المهنية الصحافية لأنه من خلال تعبيراته نفهم أن كاتبه لم يكن حاضرا في المونديال ولا قريبا من اللاعبين في خلوتهم. فكيف سمح لنفسه بالحديث عن علاقات اللاعبين الشخصية وهو بعيد عنهم؟ ورد الجامعة الملكية لكرة القدم، وهي المتتبعة لكل صغيرة وكبيرة داخل حتى كواليس اللاعبين، يوضح ذلك ويبرز أن ما جاء في المقال الشارد هو من نسيج خيال معطوب وفكر تائه. فقد جاء في بيان الجامعة “على إثر نشر أحد المواقع الإلكترونية مقالا يمس شخص وسلوك اللاعب الدولي المغربي زكرياء أبو خلال أثناء مشاركته صحبة النخبة الوطنية في نهائيات كأس العالم قطر 2022، تنفي الجامعة الملكية لكرة القدم نفيا قاطعا الاتهامات الباطلة التي طالته  في هذا المقال، حيث أبان اللاعب عن سلوك مثالي إلى جانب زملائه من أجل تحقيق نتائج مشرفة للنخبة الوطنية في هذا المحفل العالمي”.

 

إنها عباراة قوية صادرة من هيئة تعرف كل خبايا لاعبي المنتخب الوطني طيلة فترة المونديال، وهي بذلك تقطع الشك باليقين وتجعل المنبر الإعلامي المعني، في ورطة إنتاج حكاية من وحي الخيال وتفرض عليه تقديم اعتذار للاعب المتألق زكرياء أبوخلال إن كان هذا المنبر الإعلامي يعطي للمهنية الإعلامية المصداقية الضرورية.

 

المقال ينتقص كذلك من قيمة باقي اللاعبين حين يعتبر اللاعب المتألق أبوخلال يؤثر فيهم وينشر أفكار السلفية بينهم حسب ما جادت به مخيلة كاتب المقال. وهذا يدفعنا إلى القول إن ماجاء في المقال لايستهدف أبوخلال فقط بل يبحث عما هو أكبر ويمس منتخبنا الوطني الذي يعتز به كل المغاربة. فما المقصود وما الهدف من نسج حكاية من وحي الخيال وتلفيقها للمنتخب الوطني؟

ويكفي الاستقبال الأسطوري للشعب المغربي لرفاق اللاعب الدولي أبوخلال وما حظي به هذا اللاعب رفقة باقي اللاعبين من استقبال ملكي مع أسرهم، لنعرف أن ما جاء في المقال هو من وحي الخيال إن لم يكن شيئا آخر مادام يريد أن يستعمل اللاعب الدولي أبوخلال قنطرة للإسائة للمنتخب عامة.

لن نسقط فيما يريد صاحب المقال إسقاطنا فيه، ولن نجند أقلامنا لدحض شيء غير موجود أصلا، ويكفي بيان الجامعة وتصريح نقابة الصحفيين ودفاع نادي تولوز عن لاعبه الدولي زكرياء أبوخلال وإشادته بسلوكه وأخلاقه، وهو ما يضع المقال في عزلة شاردة عن المهنية الصحافية. وإنما سنناقش صاحب المقال بمنطق سقراط الذي يعتمد على كثرة الأسئلة لإبراز أخطاء محاوره وتفاهة أفكاره في حالة المقال الذي نتحدث عنه.

هل صاحب المقال يريد التصدي لسجدة الشكر التي اشتهر بها المنتخب المغربي عقب كل فوز؟

السجود لله هو من ثوابت الدين الذي يعتنقه كل المغاربة. وبذلك يكون المقال لا يستهدف اللاعب أبوخلال فحسب، بل يضع نفسه في مواجهة أمة بكاملها. نضيف لصاحب المقال أن بعض اللاعبين يفرحون بتسجيل هدفهم بالسجود حتى في الملاعب الأوروبية وعلى رأسهم أيقونة منتخب ليفيربول اللاعب صلاح. ولم نسمع منبرا إعلاميا إنجليزيا يستنكر على صلاح تلك الحركة. فهل نطالب صاحب المقال بدورة تكوينية لدى الجمهور الإنجليزي ليتمكن من قواعد الفرح الرياضي بالانتصار؟

هل صاحب المقال يريد طمس القيمة المعنوية في حضور أمهات اللاعبين وابتغاء مرضاة الوالدين؟

لقد أعطى المنتخب المغربي البعد الحقيقي للأسرة وعلى رأسها الأم أو الوالدة. وهو ما جعله يحظى باحترام العالم بأسره إلى جانب تقديره لإنجازه الكروي. لقد شاهدنا كيف تناولت كبريات الصحف العالمية علاقة اللاعبين المغاربة بأمهاتهم وكيفية احتفائهم بهن. وفي هذه النقطة كذلك، نُذكِّر صاحب المقال أن البر بالوالدين هو في صلب الثقافة المغربية وأنه بذلك يضع نفسه في مواجة الأمة بكاملها مرة أخرى.

هل صاحب المقال يريد للمغاربة عدم رفع السبابة حين نظرتهم إلى السماء؟

في الملاعب الرياضية العالمية، نجد كل لاعب يدخل الملعب بطريقته الخاصة التي تعكس ثقافته ومعتقداته. فنجد من يقوم بالحركة الثلاثة على صدره وهي حركة مرتبطة بالديانة المسيحية. ومنهم من يرفع سبابته نحو السماء ومنهم من يرفع يديه تضرعا بالدعاء وآخرون يلمسون العشب بأيديهم. كلها حركات منتشرة في الملاعب الدولية ولم نسمع عن مستنكر لها لا في الصحف الغربية ولا في المنابر الإعلامية. لذلك نقول إن ما جاء في المقال لا علاقة له بالثقافة الرياضية ولا باللاعب أبو خلال، وإنما هدفه أكبر من ذلك.

هل صاحب المقال لا يريد في المنتخب المغربي لاعبا يحفظ القرآن ويرتله ويحافظ على الصلوات، خاصة إن ترعرع وكبر في الدول الأوروبية؟

لست أدري ماذا كان يدور في خلد صاحب المقال وهو  ينتقد شريط فيديو يرتل فيه اللاعب أبو خلال القرآن الكريم. ألا يعلم صاحب المقال أن المغرب هو البلد الوحيد الذي يُقرأ فيه القرآن بتلاوة حزب كامل بعد صلاة الفجر وآخر بعد صلالة المغرب؟ ألا يعرف صاحب المقال أن أمنية جميع أمهات المغاربة أن يحفظ أبنائهن كتاب الله إلى جانب دراستهم؟ في هذا المجال أيضا، نقول إن صاحب المقال لم يسئ إلى اللاعب المتألق أبوخلال، وإنما وضع نفسه في مواجهة المغاربة قاطبة لأنه تعرض لثقافة واعتقادات أمة بأسرها. إذا كان الدولي المغربي أبوخلال ترعرع في هولندا وكبر وهو متشبع بالقيم وبالثقافة المغربية، فإن ذلك إنما يعكس صلابة حضارة وتجدر ثقافة في أرض إسمها المملكة المغربية.

وأخيرا تعرض المقال للحياة الشخصية للاعب المغربي بحديثه عن امرأة منقبة وصور للدولي المغربي مع بعض الدعاة. ألم يستوعب بعد صاحب المقال أن الحياة الشخصية هي شأن خاص وأن مقتضيات الحداثة لا تسمح له ولا لغيره بالتعرض لها. صاحب المقال لا هو اعتمد ثقافة المغاربة في مقاله، ولا هو استنبط قيم الحداثة في العالم الغربي، ولا هو استعمل المنطق العقلاني كما يدعو إليه الفكر الفلسفي، فجعل من مقاله خليطا من التناقضات لا نفهم ما المقصود منها وبالتالي لا ننتظر منه اعتذارا للاعب المتألق أبوخلال كما فعلت القناة الألمانية التي سحبت تقريرها وقدمت اعتذارا لكل من أسائت له.

لو كان صاحب المقال يقرأ تقارير الإعلام الغربي حول دروس مونديال قطر، لاستحيى نشر مقاله. ونذكر في هذا الصدد تقرير مركز الأبحاث الأمريكي “المجلس الأطلسي” الذي أكد على أن رحلة أسود الأطلس خلال كأس العالم في قطر شكلت أكثر من إنجاز رياضي، واعتبرها “ثورة في ثقافة كرة القدم”.

للجامعة الملكية لكرة القدم نعبر لها عن دعمنا وتثميننا للبلاغ الذي يدافع عن أسود الأطلس واعتبارها ماجاء في المقال لا يمس باللاعب الدولي أبوخلال وإنما يستهدف منتخبنا الوطني. ولصاحب المقال نقول: حين تتنكر لثقافتك، ولا تستوعب قيم الحداثة فأنت لاشيء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.