ضوابط وأخلاقيات الإعلام الرقمي في علاقته بالسلم

عدنان التليدي/ بريس تطوان                   https://presstetouan.com

 

لا يخفى على أحد الدور البارز للإعلام الرقمي في صناعة الرأي العام وتشكيل الصورة النمطية عن بعض الأحداث والوقائع، نظرا لقدرته الفائقة على تمرير رسائل وخطابات سريعة كسرعة البرق والبُراق، عن طريق الكلمة أو الصوت والصورة والفيديو.

ومما لا شك فيه أننا نعيش عصر العولمة بامتياز، بل وأصبح العالمُ أشبه بقرية صغيرة بفضل الثورة المعلوماتية المتدفقة، التي قربت المسافات وتجاوزت الحدود وضاق بسببها الزمنُ العائلي، مما فرض قَبول ايجابيات وسلبيات الولوج إلى هذا العالم الرقمي الجديد.

وبعد أن كانت المعلومة في الماضي القريب حكرا على الدولة ومحدودية الزمان والمكان، أصبحت الآن متاحة للجميع، وتتسم بالطابع الدولي والعالمي، وإذا كان الإعلام التقليدي القديم، قد لعب دوراً بالغا، في توجيه الرأي العام، والتأثير في المكون الفكري للإنسان، فإن الإعلام الرقمي بأنماطه وقنواته المتعددة، وسيولة حركته وانتشاره عبر البث الفضائي الواسع المدى، قد تسيد الموقف، حتى أصبح العنصر الأكثر تأثيراً في ترسيخ ما يبثه من قيم وقناعات داخل المجتمع.
ومن هذا المنطلق ارتأيت الحديث عن موضوع ” مسؤولية الإعلام الرقمي في تعزيز ثقافة السلم المجتمعي“، نظرا لراهنتيه وأهميته.

الإعلام الرقمي

الإعلام الرقمي هو الإعلامُ الأكثرُ تعبيراً عن الإنسان لأنه ينقل أدق تفاصيل حياته وذلك بسبب استخدامه أحدث المعدات الرقمية كالحاسوب والأنترنت.

وعندما نقول الإعلام الرقمي فهذا لا يعني الإقصاء التام للإعلام التقليدي فكل مكمل للآخر، وكلاهما يشتركان في الأهداف ويختلفان فقط في الوسيلة والتقنية.

 

ماهية السلم الاجتماعي:

السلم من السلام وأصله السلامة أي: البراءة والعافية والنجاة من العيوب والآفات والأخطار. ويطلق السِّلم أو السَّلم على ما يقابل حالة الحرب والصراع. قال ابن منظور: السِّلم والسَّلم : الصلح، وتسالموا: تصالحوا، والخيل إذا تسالمت تسايرت لا تهيج بعضها بعضا.([1])

ومن معناه أيضا (المسالمة) وهو المصلحة وتجنب الحرب، وقيل: السلام والسلامة البراءة وتسلم منه: تبرأ، ومنه قوله تعالى: (واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)[2]

يقول المفكر مالك بن نبي: نستطيع أن نقرر أن شبكة العلاقات هي العمل التاريخي الأول الذي يقوم به المجتمع ساعة ميلاده. ومن أجل ذلك كان أول عمل قام به المجتمع الإسلامي هو الميثاق الذي يربط بين الأنصار والمهاجرين. ثم يشير بن نبي إلى أنه كما كانت العلاقات الداخلية السلمية هي نقطة الانطلاق في تاريخ المسلمين، فإن تدهورها كان مؤشر السقوط والانحطاط”([3])

وعليه كان لابد من تسليط الضوء على أهم المرتكزات المهنية للإعلام في علاقته بتعزيز ثقافة السلم المجتمعي، في الوقت الذي نعيش فيه سطوة العنف المجتمعي.

وبالتالي فدور الإعلام بمختلف وسائله يتعاظم إزاء الموضوع، نظرا للأدوار الهامة التي يضطلع بها وعلى رأسها التوعية والتثقيف ونشرع الوعي المجتمعي، وحتى لا يختلط الحابل بالنابل، وجب التنبيه إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف أشكالها من فايسبوك وتويتر وغيرها، لا يمكن اعتبارها مصدرا رئيسا للمعلومات الصحيحة، أو المعرفة اليقينية، لأنه يلجها العادي والبادي، وفي الأغلب فئة “العوام” الذين لا يضبطون خصائص الإعلام المهني الخلاق وعلى رأسها المصداقية والموضوعية والمسؤولية، وتحري الدقة في إيصال المعلومة للمجتمع، فضلا عن الاحتكام إلى القوانين  والمعاهدات الجاري بها العمل في هذا الشأن.

فوسائل الإعلام في مجملها هي عبارة عن مواد أدبية وعلمية وفنية تؤدي إلى الاتصال الجماعي بين الناس بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال الأدوات التي تنقلها أو تعبِّر عنها.

وبهذا فإنها تحمل العديد من الإيجابيات لفائدة المجتمع، التي لا يمكن بأي حال من الأحوال نكرانها، بل وأصبحت الحاجة إليها ماسة وشديدة وعلى رأسها:

  • تخطي حدود الدول
  • تعدد الثقافات والتوجهات بين أطراف العملية الاتصالية.
  • حرية وسهولة النفاذ إلى المعلومة
  • الاعتماد على خدمات تفاعلية مما يجعل “المتلقي” شريكا أساسيا في صنع المحتوى الإعلامي.
  • التحسيس والتوعية، التأطير، الإخبار، التواصل، المعرفة، التثقيف، الأعمال الخيرية، السياحة، التنمية، محو الأمية، التجارة، الأمن، الخدمات.

 

أما عن سلبيات الإعلام ضد المجتمع فهي تترى، ولعل مقولة جوزيف غوبلز وزير الإعلام في عهد هتلر، تلخص ذلك عندما قال: “أعطني إعلاما بلا ضمير أعطيك شعباً بلا وعي”.

فالانفتاح الإعلامي الذي نعيشه اليوم، أدى إلى ظهور ثقافة إعلامية لم تعهدها البشرية من ذي قبل، هذه الثقافة تحمل من السلبيات الشيء الكثير، حتى أصبح التمييز فيها بين الغث والسمين من الصعوبة بمكان.

كما أن الرغبة في زيادة الدخل والعائدات المادية من خلال المواقع الرقمية أتاح الفرصة أمام الجميع لاستغلال الفضاء الرقمي واللهث وراء المال، دون الاكتراث للقيم والمبادئ. أما في الجانب العقائدي فحدث ولا حرج، ولا أدل على ذلك من الفيديوهات الحوارية والدروس المرئية التي تعمل جاهدة على التخريب والتشكيك وهدم القيم.

 

وعليه فالإعلام الرقمي اتسمت رسالته في – الأعم الأغلب – بالعشوائية واللامسوؤلية بسبب:

  • غياب التوازن الموضوعي والقيمي في الرسالة الإعلامية.
  • السبق الإعلامي الذي يؤدي إلى عملية النشر دون التأكد من المصداقية.
  • الطرح العشوائي للمواضيع الغير موثقة ومن جهات لا مسؤولة.

علاوة على؛ التظليل، التهييج، التحريض، التوجيه السلبي، التأجيج، الإساءة، التغرير، تجريم السلوك، التحرش، إحداث الثورات، الاحتجاجات، الإضراب، الكراهية، التمييز، الفتن، الحروب، المآسي الإنسانية، التشريد، الطلاق، الانتحار، السرقة، التهريب، قرصنة الحسابات الشخصية.

 

ولتقريب الصورة أكثر نستحضر في هذا المجال بعض الأمثلة والنماذج:

 

المثال الأول: (الإعلام المتحيز)

كان رجل يتمشى في حديقة في نيويورك، وفجأة رأى كلبا يهجم على فتاة صغيرة فركض الرجل نحو الفتاة وبدأ عراكا مع الكلب حتى قتلة.

التعليق1: رجل شجاع ينقذ حياة فتاة صغيرة

التعليق2: متطرف يقتل كلــــبا بريئا.

 

المثال الثاني: الاعتماد على نظرية التسهيل في الإعلام ومعناها أن تقوم مؤسسة إعلامية ما، بالحديث بشكل مستمر عن ظاهرة مجتمعية مؤرقة، كالانتحار أو القتل، حتى تصبح الظاهرة مستسهلة ومستساغة لدى المجتمع، الأمر الذي يجعلنا نتعايش مع الظاهرة وكأنها شيء عادي وطبيعي.

المثال الثالث: التكرار المستمر لصورة معينة أو معلومة معينة، يساهم في التأثير على المجتمع وتوهمه بأنها صحيحة (كالإشاعة مثلا).

تتمة لما سبق التطرق إليه  بعنوان “مسؤولية الإعلام الرقمي في تعزيز ثقافة السلم الإجتماعي” نورد في هذا المقال بشكل مقتضب الحديث عن الأخلاقيات في علاقتها بالإعلام الرقمي والتي نقصد بها مجموعة القيم والمعايير المعتمدة داخل مهنة ما، باعتبارها خارطة الطريق والبوصلة التي بواسطتها يمكن الوصول إلى الصواب وتجنب الخطأ، والتمييز أيضا بين ما هو مقبول أو غير مقبول.

ولتحقيق الرسالة التواصلية الفعالة بين الإعلام والمجتمع لابد من توفر بند الضمير المهني الخلاق، إذ رغم وجود القوانين والمواثيق والمعاهدات التي تؤطر العمل الإعلامي فإنها غير كافية البتة، في ردع المخالفين وزجرهم عن الجرائم التي يمكن أن يرتكبوها عن طريق الإعلام، في حق المجتمع.

فالقانون والحرية والأخلاق الإعلامية، مسألة ضرورية، وغيابُ أحدِها يهدد رسالة الإعلام وحُسنَ سير عمله، ففي غياب الحرية نصبح أمام فوضى، ومن دون القوانين تصبح المهنة مشرّعة الأبواب ومهتوكة العرض، ومنعدمة القيمة والقيم، ومن دون الأخلاق يصبح الإعلام فاسدا، ويحصل بذلك اختلال في المنظومة الإعلامية التي تؤدي في آخر المطاف إلى اختلال في المنظومة المجتمعية ككل.

وفي الختام نرى كباحثين ومهتمين بالمجال اقتراح جملة من التوصيات لعلها تكون قيمة مضافة، ومناسبِة لتطوير العمل الإعلامي، لتبوءه المكانة البارزة باعتباره الدعامة الأساسية لتطوير السلم والأمان داخل المجتمع.

 

    • ضرورة إيجاد مدونة أو قانون دولي يحدد ضوابط استعمال العالم الرقمي وتحديد أهداف شاملة وعامة تتعلق بالسلم الإجتماعي للشعوب.
    • وجوب تخصيص مساحات إعلامية في جميع المنابر الرقمية تدعو إلى ثقافة السلم والتعايش والتسامح مع الآخر.
    • توحيد مسطرة الحد من المساس بالسلم الإجتماعي للشعوب حماية لثقافتها وخصوصياتها.
    • العمل على إيجاد مؤسسات أمنية إعلامية وإلكترونية لتتبع سلامة استعمال الأنترنت لأغراض السلم الإجتماعي.
    • ضرورة إيجاد شبكة دولية لمراقبة الملكية الإعلامية، والحق في الولوج إلى العالم الإفتراضي من أجل الحفاظ على الإبداع والتطور والتواصل الإيجابي بين بني البشر، على هذا الكوكب الأزرق، والتعايش والانفتاح على الثقافات والتسامح وقبول الآخر، ضمن الحد الأدنى للمشترك العولمي.
    • العمل على جعل الإعلام الرقمي ثقافة للتحضر والقيم الإنسانية والكونية، وصون حرية التعبير، وإنقاذ السلم الإجتماعي من كل خطر.
    • تنمية الوازع الديني والأخلاقي داخل المجتمع على النحو الذي يمكنهم من أداء دورهم المهم في مواجهة الأحداث والتصدي للمؤثرات الإعلامية السلبية.
  • ضرورة التعاون الدولي والإقليمي في مجال ملاحقة ومكافحة المجرمين في العالم الرقمي المخلين بآداب وأخلاقيات النشر عن طريق إبرام المعاهدات وتبادل الخبرات.

([1] ( لسان العرب لابن منظور مادة (س ل م)

[2] الفرقان (63)

([3]) السلم الاجتماعي، مقوماته، وحمايته، مقال للشيخ حسن الصفار منشور بجريدة الشرق الأوسط 15ـ6ـ 2001

عدنان التليدي/ بريس تطوان