الأوروعربية للصحافة

محنة الكتابة

محمد الورداشي.
:
يبدو لي أيها القلم الجريح الكسير أن زمن الكتابة قد ولى وأدبر، وأنها لم تعد ذاك البلسم الذي نضمد به الجروح الغائرة، ونبدد به الهموم الثقال التي تجثم على الصدر صعودا وهبوطا، والإكسير الذي يعيد لنا نضارة الشباب ورواءه. ما عادت الكتابة حلما يسع الحياة بآلامها وأوجاعها، ولا صديقة وفية تخفف عن ممارسها، وتخدر عقله وتذهبه، فتجعله ناسيا متناسيا لما يعتلج في نفسه. لم يبق من فعل الكتابة إلا الظلمة الحالكة في غياب الرؤية الحالمة، وضبابية الرؤية في حضور الذات المتشظية في الوجود.. لم يصمد بصيص الكتابة في وجه عبثية الوجود وفراغه الروحي والعاطفي؛ لأن كل شيء بات تافها مكرورا كأن الزمن يعيد دورته عودة أبدية لا شيء يتجدد فيها إلا الآلام والجراح العميقة.
كنت ألجأ إليك أيتها الكتابة كلما تجهمت الحياة في وجهي، واسودت الرؤية في نظري، واستأسد الحزن على نفسي المهتزة، وانتشر الألم في عروقي اليابسة، وتجمدت الدمعة في عيني المضببة، وابتلع لساني كلماته الطليقة.. لكني اليوم مجبر على هجرانك، وقطع حبل الوريد الذي كان يشدني إليك شدا؛ لأنك ما عدت تنصتين لتوجعاتي، ولا تتحملينني في انكساري وانكماشي.. لم أعد أقبل تقهقرك وخيانتك لمن وهبك جسدا عليلا، وعقلا ونفسا وروحا، لمن وهبك ما يملك وما لا يملك: وهبك حلمه في واضحة النهار، وسره الدفين في الهجيع الأخير من الليل، وتأوهاته في أشد لحظاته انكسارا، لكنك تبخرت كما تبخرت القيم النبيلة، وتواريت كما توارت نجوم الأمل المضيئة في كبد السماء المكفهرة، وتصدعت كما تصدعت ذاتي وتشظت.
أيتها الكتابة، لم تعودي بلسما بل علقما شديد المرارة، ولا حلما خفيفا وإنما قولا ثقيلا، ولا ملجأ آمنا لكن منفى مؤلما.. لم أعد أراك موطنا لي؛ لأنك غربة وجود وروح لمن خبرك وعرفك.
لقد كنت سفرا روحيا يحملني على أجنحة الحلم والخيال والأمل، بيد أنك غدوت جحيما سفليا يجرني إلى أعماقه وغياهبه.
ألم تعلمي أني أعطيتك نضارة الشباب وزهرته، فأعطيتني شقاوة الفقر ومرارته؟ ألم تري الألم محفورا على جبيبني، والحزن مسطورا على عيني، واليأس مدفونا في نفسي؟
مالي بتُّ خجولا من التسمية بك، وعجولا بالرحيل عنك وتركك؟ ما بال كلماتك هائمة جوفاء، ومعانيك ذابلة خرساء، وحروفك متراقصة عرجاء؟
كنت نعمة نتمايز بها عن العوام، فأصبحت نقمة نتوارى بها عن الدهماء، وسلاحا فتاك نبير به الفراعنة المتجبرين، فغدوت فعلا ينخر نفس فاعله، ومنظارا نرى منه الإنسان العربي البسيط في معاناته، والغني ترفه ونعيمه، قسطاسا عادلا يرى الناس سواسية، وعلاجا عاجلا لكل جراح المهمشين، وطوباوية يحتمي تحتها المنفيون والمنكوبون، وماء زلالا يشفي غليل المنهزمين.. لكنك اليوم، مع كامل أسفي، لا تصفين حالا عربيا، ولا تساوين بالفقير غنيا، ولا تضمدين للعربي جراحا، ولا توفرين للمنكوب وطنا وأمنا، ولا تشفي غليل من لجأ إليك ضمآن صديان.
ولكن العهد الذي بيننا يشدني إليك رغم مرارة الأيام وهزء الأزمان والخلان، ويأخذني إليك حتى وإن عزفت عني، وضربت كلماتك على وتر حزني.