سيكولوجية التدخل ومُواجهة مشاعر الهلع بسبب وباء “كورونا”

هذه سيكولوجية التدخل ومُواجهة مشاعر الهلع بسبب وباء "كورونا"

وباء كورونا الذي ابتلي به العالم مع بداية 2020، لن يخلف وراءه تبعات اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة في تاريخ الأوبئة التي عرفها العالم، لكنه سيخلف من وراءه تركة ثقيلة على سيكولوجيا الإنسان وسلوكه الفردي والاجتماعي وعلاقاته الاجتماعية من بعد هذا الحجر الصحي القسري في البيت، والذي لا يعرف أحدا من الأطباء ولا الخبراء وعلماء الأوبئة، كم سيطول ولا متى سينتهي على المدى البعيد، وهو حجر صحي يصاحبه هلع وخوف دائمين من الآتي الغامض.

قد يطول تفاؤلنا أو نستسلم في الأخير لهذا “الهلع” ونحن على ظهر سفينة لا نعرف متى سترسو في مينائها الأخير، لكن للهلع هنا وقع آخر من منظور نفسي وباطني.

في هذا المقال الذي توصلت به جريدة هسبريس، نتتبع مع البروفيسور الغالي أحرشاو أحد رواد السيكولوجيا في المغرب والعالم العربي مقاربة سيكولوجية لما أحدثه هذا وباء كورونا من ضغوطات وتوترات على نفسية الإنسان سواء في المغرب أو في العالم بشكل عام.

جائِحَة “كوفيد 19” وسيكولوجية التدخل والمُواجهة

الأكيد أن فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19- Covid) الذي أصبح يشكل جائحة كونية، لا يمثل أول وباء يعرفه العالم. فأغلبنا قرأ أو سمع عن أوبئة ضربت العالم خلال عُصور خَلت، أوعايَش بعضها أثناء سنوات ليست بالبعيدة، لهذا فالجديد هذه المرة هو أن هذه الجائحة اكتست عبر أقطار العالم انتشارا سريعا وصيتا واسعا، وذلك لاعتبارات عديدة أهمها:

– إقرار الجميع بتفاقم هذا الفيروس واتساع رُقعة انتشاره في مُختلف قارات العالم وجل بلدانها ومدنها، وبالتالي ترجيح كفة التهويل الإعلامي على منطق التبصُّر العقلاني بخصوص مقومات هذا الوباء وتداعياته.

– زَعزعَة كِـبْرياء العالم وقوّته، بحيث اتّضح بالمَلموس أن هذا الفيروس الصغير الذي لا يُرى بالعَين المُجرّدة رَكَّع العالم ورَهَـن مصير الإنسان بالسّجن والشلل. فقد حوّل حضارة بشرية عُمرها سبعة آلاف سنة إلى مُجرّد حكايات تُروى للتّرفيه والتّسلية أحيانا وللتشكّي والتّباكي أحيانا أخرى. بصدق لقد كشف عن مدى ضحالة الإنسان وهوانه وتواضع قوته.

– تعرية مدى ضعف الإنسان وهشاشته، محدودية ذكائه وعلمه، نسبية اكتشافاته واختراعاته، خرافة عظمته وتقدمه، سخافة تفاخره وغروره، وبالتالي إماطة اللثام عن أكذوبة قوّة وريادة ما يُنعت بالدّوَل المتقدمة بجامعاتها ومراكز بحوثها العاجزة، بعلمائها ومتوَّجيها المختفين، بأنديتها وبطولاتها المتوقفة، بقاعات مسارحها وملاهيها المقفلة، بمعارضها ومهرجاناتها الملغية، بمحطاتها ومطاراتها المشلولة، بمعابدها ومساجدها المغلقة.

– سيطرة مشاعر الخوف والقلق والهلع على حياة الإنسان، حيث أضحى يشك في كل شيء بما في ذلك ذاته ودويه وأقرب المقربين إلى نفسه، الأمر الذي أضحت معه المخالطة ممنوعة والمصافحة بدعة والتقبيل جريمة.

– خراب الاقتصاد العالمي وشلله، حيث أسواق المال الكبرى تتهاوى إلى الحضيض، وأسعار المحروقات تسقط إلى مستواها الأدنى. لقد صار كل شيء في مهب الريح، وأصبح كل من يدعي القوة ضعيفا والكبر صغيرا والغنى فقيرا (نفس المرجع السابق). الأكيد أن رهاب كوفيد – 19 Covid – عَوْلَمَ العالم من جديد ليحوّله من قرية صغيرة إلى سجن كَـوْني كبير بفعل العزل الصحي، وذلك في انتظار الخلاص بحدوث معجزة قريبة في مجال اكتشاف علاج منتظر أو صناعة لقاح مرتقب.

إذن، عملا بمنطق التحليل العلمي والاستنطاق الموضوعي لأحوال العالم والبشر وكل ما يمُرّان به من أوقات عصيبة في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد، وبعيدا عن منطق التهويل والاسترزاق بآلام الناس ومِحَنهم بنشر أخبار كاذبة أو معلومات مزيفة أو شائعات مُغرضة عبر فيديوهات ورسائل الخذاع والترهيب والتخويف، فإن غايتنا في هذه المقالة تتلخص- بحكم تخصُّصنا السيكولوجي – في مقاربة إشكالية هذه الجائحة بمختلف مقوماتها وشتى تداعياتها النفسية بالخصوص من خلال التفصيل في النقاط الثلاث التالية:

1. البدايات والوضع الحالي

في الحادي والثلاثين من دجنبر 2019، استفاق العالم على أول حالة مشتبه في إصابتها بفيروس كورونا المستجد المعروف بكوفيد-2019Covid-، بسوق هوانان للمأكولات البحرية في ووهان بمقاطعة هوبي الصينية، قبل أن ينتقل ليستشري في أغلب دول القارات الخمس وبدون استثناء. وحسب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس غيبرييسوس، فإن هذا الفيروس وبفعل تفشيه ووصوله إلى “مرحلة حاسمة”، أصبح يشكل وباء عالميا شاملا. فالتقديرات الأولية تشير إلى أن هذا الوباء الذي تتمثل أهم أعراضه في ارتفاع حرارة الجسم والسعال الجاف وضيق التنفس، سينتشر إلى حد كبير في جميع أنحاء المعمور. ويمكنه أن يصيب في النهاية ما بين 40 و 70% من سكان العالم، ليتسبب في مقتل ملايين الأشخاص وتسريح ملايين العمال وشل مئات آلاف المؤسسات والشركات الاستراتيجية، فضلا عن تخفيض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بما يقارب 3 تريليون دولار.

وإذا كان تفشي هذا الوباء قد كشف عن نقاط ضعف كبيرة في الاستجابة العالمية لمواجهته بالعلاج واللقاح اللازمين، فالأكيد أن الأوبئة المختلفة التي عرفها التاريخ البشري قد غيّرت مجرى العالم وأثرت في الحضارات الإنسانية منذ عام 430 قبل الميلاد. فقد تعدّدت تداعياتها وعظمت آثارها، حيث حصدت أرواحا كثيرة، وغيرت قيَمًا إنسانية وممارسات حياتية متنوعة، وطرحت أسئلة فلسفية وجودية كبيرة. فطاعون جستنيان (541- 750م) الذي قتل ما بين 30 و 50 مليون شخص (نصف سكان العالم آنذاك)، والموت الأسود (1347 – 1351م) الذي انتشر في جميع أنحاء أوروبا وقتل نحو 25 مليون شخص، والجدري الذي أودى خلال القرنين 15 و 17 بحياة قرابة 20 مليون شخص. والكوليرا التي تصيب سنويا منذ القرن 19 إلى الآن ما بين 2 و 4 ملايين شخص، والإنفلونزا الإسبانية التي تسببت عام 1918 في وفاة أكثر من 50 مليون شخص عبر العالم، والمتلازمة التنفسية الحادة التي يشبه تركيبها الوراثي تركيب فيروس كورونا المستجد بنسبة 90%، والتي قتلت سنة 2003 حوالي 800 شخص من ضمن 80 ألف حالة إصابة، وإنفلونزا الخنازير الذي بلغ عدد وفياته عبر العالم سنة 2010 ما بين 151 و575 ألف، ثم إيبولا الذي ظهر عام 2014 في دول غرب إفريقيا وقتل أكثر من 11 ألف شخص. فكل هذه الوقائع والمعطيات تؤكد أن التاريخ البشري عرف عبر الحقب والقرون المتتالية ظهور جائحات وأوبئة كثيرة، عديد منها حصد أرواحا كثيرة تقدر بعشرات الملايين، وأحدث تغييرات كبيرة في مناطق متنوعة من العالم.

في إطار المقارنة والاحتكام بالوضع الحالي لحالات الإصابة والوفاة بالوباء الجديد كوفيد 19 Covid إلى معطيات ووقائع أهم الأوبئة السابقة الذكر، يمكن التنصيص على أنه إلى غاية الساعة الثامنة و49 دقيقة بتوقيت جرينيتش من صباح يومه الجمعة 03 أبريل 2020، فإن عدد حالات الإصابة الإجمالي في البلدان 203 التي دخلها هذا الوباء إلى حد الآن بلغ بالضبط مليون و18920 حالة إصابة، و53292 حالة وفاة، ثم 213525 حالة تماثلت للشفاء. ونقدم في الجدول الموالي قراءة إحصائية للتوزيع الإجمالي لعدد تلك الحالات حسب حدودها الدنيا والعليا وبالنسبة لفئات البلدان المتقاربة خصوصا في حجم الإصابات:

2. التداعيات والانعكاسات

مثلما سبق لي شخصيا التأكيد في توصيف مقتضب لتداعيات ما هو حاصل على شبكة العلوم النفسية العربية بتاريخ 15 مارس 2020 (الكورونا فيروس النفسي: APN.info)، وعلى صفحتي الخاصة للفايسبوك بتاريخ 20 مارس 2020 (الكورونا فيروس والعولمة الفوبية)، فالأكيد أن ما يعرفه الكوكب الأرضي وما تعيشه الإنسانية هذه الأيام من خوف وهلع وقلق جرّاء جائحة كوفيد – 19 – Covid، ستكون له تداعيات كثيرة وانعكاسات ثقيلة. فالراجح أن العالم سيتحول من وضعه المألوف إلى وضع مغاير تمامًا، تحكمه ضوابط وقيم وقوانين وعلاقات جديدة على جميع الأصعدة وخصوصًا على صعيد منظوماته الإنسية العلائقية، الايمانية العقدية، الاجتماعية الثقافية، التربوية المعرفية، التكنولوجية الرقمية، الاقتصادية التجارية، السياسية الاستراتيجية.

فواهم من يعتقد بأن العالم سيعود بعد انطفاء وتلاشي هذا الوباء إلى حالته الأصلية. وخاطئ من يظن بأن عناصر الإيمان، العقل، العلم، التعلم، العمل، القيم، التقدم، كمقومات جوهرية لهذا العالم ستبقى هي نفسها. فكل هذه المقومات وسواها ستعرف تغيرات وتحولات، قوامها ترسيم وتأثيث خارطة جديدة لعالم جديد تخترقه طولًا وعرضًا تداعيات جائحة رهاب كوفيد 19 Covid، أو ما يمكن نعته بالعولمة الرهابية أو الفوبية. فحاليا لا شيء يبدو مستعجلا قبل ضمان العلاج النسبي والتحكم الأولي في هذه الجائحة الصحية التي فاجأت الإنسانية وهي في سبات عميق، وبالتالي فأيّ تهاوُن أو فشل بهذا الخصوص – لا قدر الله – سيفضي لا محالة إلى دخول العالم بأكمله في دوّامة مسدودة الأفق وغامضة الرُّؤية، إذ أن التكلفة في الأرواح والاقتصاد والتعليم والعمل ومرافق الحياة عامة ستكون باهظة وثقيلة جدا.

فكل وباء من الأوبئة السابقة الذكر، واكبته بالتأكيد تغيرات مِفْصَلية في المنظومات الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، السياسية والعقدية أيضا. فتبعا لتداعيات تلك الأوبئة وصيرورتها التاريخية، فقد تم المرور خلال قرون خلت من سلطة دينية مبنية على الإيمان والتقوى، إلى سلطة تحكُّمِيَّةٍ قائمة على القوة والتسلط، إلى سلطة مدنية تحكمها دولة القانون والديمقراطية. ونعتقد أن العالم اليوم بأنظمته الحاكمة وسلطاته المختلفة، وفي ظل عجزه لحد الآن عن احتواء جائحة كوفيد 19 Covid، سيخضع بعد تلاشي الوباء وهدوء العاصفة لتحولات بخصوص كل ما يتعلق بالتدبير العام والخاص لحياة البشر، صحة وتغذية وبيئة وتعليما وعلما وتقنية وعملا واقتصادا وسياسة وثقافة وترفيها أيضا. فالأكيد أن الدرس البليغ الذي سيتعلمه الإنسان مما هو حاصل هو العودة في تدبير حياته المعيشية إلى الضروريات والأساسيات، بعيدا عن التلذذ بتبذير الأموال والثروات في الكماليات الزائدة والرفاهية المتوحشة.

بالفعل إنها مرحلة عصيبة وفترة امتحان عسير بالنسبة للعالم والإنسانية جمعاء، بقويِّها وضعيفها، بغنيّها وفقيرها، بكبيرها وصغيرها. إنها مرحلة الديمقراطية المثالية والعدالة النموذجية اللتان لطالما حلم بهما الإنسان العاقل النزيه. فالكل أصبح في زمن محنة هذا الوباء سواسية، إذ لا فضل لأبيض على أسود، ولا لعجمي على عربي، ولا لمسيحي على مسلم، ولا لغني على فقير إلا بقوة الشخصية ووفرة المناعة وعُمق الإيمان. فالجميع أضحى يعيش نفس نوبات الخوف والهلع والقلق، إلى حد أن حوالي الثمانية مليارات المكونة لعدد الساكنة المنتشرة على كوكب الأرض (بالضبط: 7 مليار و775 ألف نسمة)، أصبحت في أكثر من نصف تعدادها رهينة سجن كوني تحكمه عَـوْلمة رهاب جائحة كوفيد 19 Covid.

إلا أن ما يستوجب الإشارة في نهاية هذه النقطة، هو أنه رغم طابعها الوبائي وتداعياتها الوخيمة على العالم بأكمله، فإن هذه الجائحة لا تخلو من انعكاسات إيجابية من قبيل:

– زيادة منسوب الإيمان بالله والارتباط به لدى غالبية البشر، وبغض النظر عن اختلاف العرق أو الجنس أو الدين أو اللغة أو الثقافة.

– سخافة المال والجاه والشهرة والترف أمام أهمية قيم الصحة والأمن والرابط العائلي والتضامن والتكافل والإعلام المسؤول، وكل ما يرتبط بها من نِعَمٍ الحياة وملذاتها التي لطالما تم استنزافها والاستهتار بها.

– أهمية مساهمة العلم والعلماء، الأطباء والخبراء، ثم الإعلاميين والصحافيين في العودة بالحياة إلى وتيرتها العادية من خلال إنقاذ الأرواح ومواجهة تداعيات الوباء والإشاعات والأخبار المزيفة.

– محدودية أطروحة ذكاء الإنسان وتفوقه ونسبية تطوّر علومه وابتكاراته وتمكنه من الطبيعة وخباياها المتنوعة.

– التصالح مع الذات في إطار خُلوة العَزل الصحي لتأمل مشاكل الحياة ومواجهة آفة الوباء وتداعياته، بعيدا عن ممارسات بعض الأشخاص قليلي الحياء والضمير الذين يمتهنون الاحتكار والابتزاز وتسويق المحن في تنافي تام مع روح المواطنة والوطنية.

– ظهور فرصة إمكانية اتحادنا كبشرية واحدة وموحدة، نعيش معا ونتعلم معا ونعمل معا ونواجه الكوارث والأوبئة متحدين متعاونين على حد تعبير مدير منظمة الصحة العالمية مؤخرا.

3. الآثار النفسية وسيكولوجية التدخل والمواجهة

يعد فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19 – Covid) جائحة عالمية مدمرة لكثير من شروط الحياة المألوفة. ففضلا عن تداعياته الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية، فهو يولد لدى الإنسان شحنات انفعالية قوية يصعب التحكم فيها، تتولد عنها في الغالب تداعيات نفسية من قبيل الخوف الزائد والقلق الحاد واضطراب المزاج والنوم. فهذا الوباء الذي لا يزال علاجه ولقاحه لحدود الآن في باب المجهول، سيؤثر فيما يبدو على الصحة النفسية لساكنة العالم قاطبة بشكل من الأشكال وبدرجة من الدرجات. فالأكيد أن تداعياته المختلفة كما سبق الذكر، ستكون ثقيلة وثقيلة جدا، بحيث أن جل جوانب الحياة المألوفة، الصحية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية ستتأثر بشكل أو بآخر.

كلنا نعلم أن الإنسان بطبعه كائن ينتابه الخوف والقلق متى واجه وباء من الأوبئة أو تعرض لأزمة من الأزمات. فغالبا ما تجتاحه نوبات من الغم والتوتر والهلع بفعل ما يجتره من أفكار ومخاوف وتخيلات كلها تبعث على مشاعر الإصابة بالعدوى أو المرض. وللخروج بسلام من الآثار النفسية المصاحبة لهذه التداعيات، نعتقد أن الإنسان المصاب وغير المصاب على حد سواء، وهو في معمعة المشاكل التي تتراكم من حوله، والعواصف الانفعالية التي تشتد بداخله، مطالب باتباع إحدى الإجراءات أو الاستراتيجيات التالية أو جميعها:

العزل الصحي كإجراء ضروري

تبعا لما يوصي به خبراء الأوبئة ومراكز البحث البيولوجي ومنظمة الصحة العالمية، هناك إجماع على أن العزل أو الحجر الصحي يمثل في الوضع الحالي، الإجراء المضمون النتيجة لتفادي الإصابة بفيروس كورونا المستجد، السريع الانتشار والوخيم العواقب. فهو يشكل الأسلوب العلاجي الوحيد الواقي من احتمال الإصابة بهذا الوباء، رغم تداعياته النفسية الكبيرة المتمثلة بالخصوص في وصم المصاب اجتماعيا وتهميشه وإشعاره بالذنب نتيجة نقله للعدوى إلى أهله ومحيطه. وبتعبير وجيز فالعزل الصحي ورغم أهميته وفعاليته فهو يمثل تجربة نفسية مريرة تترجمها لدى الشخص المصاب وغير المصاب على حد سواء اضطرابات في المزاج والانفعال والنوم.

التركيز على الحاضر بدل التفكير في المستقبل

الراجح أن الإنسان في أوضاع الأزمات والمحن مطالب بعيش الحاضر بدل التفكير في المستقبل للتركيز على كل ما هو إيجابي، وبالتالي الابتعاد عن كل ما هو سلبي. فعليه أن يدبر عالمه الداخلي ومختلف مشاعره وأفكاره بنوع من الهدوء والحكمة والإيجابية، بعيدا عن المخاوف المرعبة والمشاعر المؤلمة والأفكار المدمرة والانجرافات الكابحة لكل ما هو إيجابي في السلوك الناجع والتصرف الهادف. فهو مطالب بالسيطرة على انفعالاته ومخاوفه بعيدا عن التهويل والمبالغة في ردود فعله، وعن الاستسلام لتلك الانفعالات والمخاوف في اتخاذ قراراته واختيار أفكاره وانتقاء سلوكاته. فمن المفيد أن يشعر الشخص المهدد بهكذا فيروس بالرضا عن مشاعره وأفكاره وسلوكاته ويحتضنها عبر اعتماد برنامج لتجويد معيشه اليومي، تغذّيه ممارسات وأنشطة قوامها حسب توجيهات بعض الخبراء في الصحة الجسدية والعقلية ما يلي:

– الاهتمام بالصحة الجسدية بمداومة حمية صحية تساعد على تقوية الجهاز المناعي، مع التخلي عن الكحول والتدخين والمشروبات السكرية، ثم ممارسة أنشطة رياضية (المشي، اليوكا، الحركات) وتفادي الخمول والجلوس أمام التلفاز أو الحاسوب لساعات وفترات طويلة.

– العناية بالصحة العقلية بتفادي الضغط والتوتر والخوف والحيرة من خلال الإكثار من القراءة وممارسة الهواية المفضلة كالرسم والنحت واللعب والفكاهة وسماع الموسيقى.

– التسلح بالقيم الإنسانية الإيجابية في مثل هذه الأوقات العصيبة، وفي مقدمتها التعاطف والتكافل والتضامن وإظهار اللطف تجاه الذات والآخر، ثم السؤال عن الأقارب والأصدقاء والجيران.

– تفادي كثرة الأخبار والنشرات والشائعات التي تزيد من التوتر والإحباط، مع الإقبال على المعلومات ذات المصادر الموثوقة.

– التوفر على أرقام خطوط أهم الأشخاص والجهات الممكن التوجه إليها بهدف المساعدة والدعم مثل الأصدقاء والجيران ومهنيي الصحة والطوارئ وخدمات الدعم والإرشاد النفسي.

الدعم النفسي واستراتيجيات الوقاية

إذا كان الدعم النفسي للأشخاص المصابين وغير المصابين بالفيروس على حد سواء يمثل أحد الإجراءات الضرورية، فالأكيد أن الأمر لا يجب أن يقتصر على المختصين في المجال، بل إن كل شخص مطالب بعدم الاستسلام للقلق والرهاب الجماعي لتفادي الوقوع في نوبات الذعر والهلع والإحباط التي قد تنتج عنها أعراض تشبه إلى حد ما أعراض الإصابة بكوفيد-19 Covid- المتمثلة خصوصا في انقباض الصدر وضيق التنفس.

لذا فاعتقادنا راسخ بأن الدعم النفسي المحكوم بأساليب واستراتيجيات وقائية ناجعة، عملا بالمقولة الشهيرة ” الوقاية خير من العلاج “، ستكون له نتائج إيجابية في مواجهة تفشي وتداعيات هذا الوباء، سواء قبل انتشار الفيروس أو أثناء ظهور أولى حالات الإصابة به، أو خلال تفعيل محور التدخل الوقائي الناجع لمواجهته. وتتحدد أبرز تلك الأساليب والاستراتيجيات من منظورنا الشخصي في الأنواع الثلاثة التالية:

– استراتيجيات التدخل لحظة ظهور حالات الإصابة بالفيروس، والتي تتراوح بين وقاية عامة قوامها دعم وتحسيس عموم الساكنة بأهمية الحجز الصحي كنظام وقائي شامل يجب العمل والالتزام به، ووقاية علاجية تُسَخَّرُ لمواجهة تفشي العدوى وانتشارها عبر المواكبة النفسية للحالات المصابة قبل التداوي والعلاج وبعدهما.

– استراتيجيات المواجهة لحظة تحديد محور التدخل، والتي تتراوح بين تقوية النظام الداخلي للوقاية باعتماد عقوبات تأديبية زجرية تتدرج حسب درجة خرق الشخص مثلا لنظام الحجز الصحي، وبين تسخير وسائل وأدوات فعالة للمراقبة والحماية حفاظا على ذلك النظام، وبين اعتماد فرق وطواقم طبية وصحية عالية الحافزية والكفاءة والمواطنة.

– استراتيجيات محتوى التدخل ونجاعته، بحيث تتراوح بين التدخل المباشر بهدف التحسيس بخطورة الفيروس وتداعياته المختلفة، مع اعتماد فرق نفسية وطبنفسية متمرسة بهدف الاستشارة والدعم والمواكبة، وبناء علاقات تقوّي قيم التضامن والتكافل وسط أفراد المجتمع، وبين استثارة السلوك الإيجابي لدى هؤلاء من خلال تحفيزهم على تفادي الإشاعات والأخبار المزيفة التي تولد مشاعر الخوف والهلع والقلق والإحباط.

في الخلاصة نشير إلى أن عالم ما بعد جائحة كوفيد – 19 – Covid سيكون بدون أدنى شك غير العالم الذي كان قبلها. فالأكيد أن الكل سيعيش مراسيم ولادة جديدة لعالم جديد. وهي ولادة ستصاحبها اختيارات وقرارات قوية ومفصلية، تهم بالخصوص كل ما يتعلق بالصحة والتعليم والتدبير والعمل والسياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام. وفي انتظار ذلك يجب، وفي سياق تواصل انتشار فيدوس كورونا المستجد الذي حتى وإن كان يميت البعض ويُشْفَى منه الكثيرون، الاستمرار في العيش والحياة، مع التحلي بالحذر والاحتياط اللازمين لتفادي العدوى الجسدية لهذا الفيروس والعدوى النفسية الناجمة عن كثرة الإشاعات والأفكار السلبية التي تبثها وتنشرها قنوات رخيصة وفيديوهات مفبركة، كل ما يهم أصحابها التسوق والاسترزاق بمآسي وآلام أناس أبرياء.