مستقبل الإعلام من الصحافة الورقية إلى الصحافة الرقمية

بدعوة من المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، وضمن ملتقاها الثقافي، ألقى الأستاذ خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة الجزيرة محاضرة في مقر المنظمة بالرباط، بعنوان (مستقبل الإعلام.. من الصحافة الورقية إلى الصحافة الرقمية)، وسط حشد كبير من رجال السلك الدبلوماسي والمثقفين والإعلاميين.

وفيما يأتي نص المحاضرة:

لقد أمضيتُ من عمري أربعين عاماً رئيساً لتحرير صحيفة يوميَّة ورقيَّة في المملكة العربية السعودية، ولا أزال، وأمضيت أقلَّ من ذلك صحفياً خلال فترة زمنية سبقت رئاسة التحرير، ومثلما مضت وانقضت من عمري سنوات الشباب، بحيويته، وذاكرته، وتأثيره، ورشاقته، قضيتها عاشقاً لمس الورق، وشم الحبر، وللصحافة الورقية، بعد رحلة تناغمتْ محطاتها بين الحب والعشق، مع ما صاحبها من مدٍّ وجزر، وتقلبات لم تصرفني أبداً عن حبها وإيثارها وتفضيلها على ما عداها من أعمال أخرى.

* * *

 

 

هذه توطئة لحديث عن (مستقبل الإعلام: من الصحافة الورقية إلى الصحافة الرقمية) الذي اختارته (الإيسيسكو) موضوعاً لمحاضرة أشارك فيها ضمن مبادرات ملتقاها الثقافي، ومنصتها التي تركز على تلاقح الأفكار، ونشر المفاهيم، والرؤى الهادفة، بما ترى المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، أنه يزيد من إشعاعها الحضاري إلى مختلف الآفاق.

* * *

وبادئ ذي بدء، فإن هذا الموضوع، لا يزال يتسيَّد المحاضرات، والندوات، وورش العمل، على مستوى العالم، ويأخذ حيزاً كبيراً من المناقشات في مختلف وسائل الإعلام، ويجد فيه الكتَّاب موضوعاً جاذباً للكتابة عنه، ومتابعة لما يدور من المستجدات حوله، ومحاولة من كاتب لآخر لوضع التصور الشخصي عن مستقبل الصحافة المطبوعة، مع ظهور وسائل إعلامية جديدة، ومنصات متعدِّدة، وصحف رقمية، في ظل تقلّص حجم الإعلان في الصحف الورقية، وتراجع مبيعاتها، وعدم تفهم الكثيرين لإمكانية الجمع بين الصحافة الورقية، والأخرى الإلكترونية.

* * *

لقد ظفرت الصحافة الورقية على مدى عقود بتتويجها على عرش الإعلام المقروء، وذلك قبل أن تتغير أدوات صناعة الإعلام، وقبل أن يتم توظيف التقنيات الحديثة المتطورة تباعاً في تقديم ما يُسمى بالإعلام الجديد أو الإعلام البديل، أو الإعلام الفوري، أو إعلام المواطن -سمه ما شئت- حيث ينقل للمتصفح الخبر الآلي، والصورة الحية، والمتابعة المستمرة، لكل ما يجري في العالم مباشرة، وبسرعة فائقة، مدعوماً بالصوت، والتواجد في موقع الحدث، ما يعني أن الصحيفة الإلكترونية تقوم بما تقوم به وسائل الإعلام التقليدي مجتمعة، من إذاعة، وتلفزة، وصحيفة ورقية، وكأن الصحافة الرقمية في حلبة منافسة معها جميعًا.

* * *

وقد تطلَّب التحول الإعلامي إلى التدرج في توظيف الإنترنت لخدمة الصحافة الورقية والصحافة الإلكترونية معاً، حيث تمثلت البداية في إيجاد موقع إلكتروني للصحيفة الورقية، ونقل المحتوى الورقي كاملاً كما هو إلى المحتوى الإلكتروني، وهو ما فعلته صحيفة الجزيرة التي أرأس تحريرها، بتدشين موقعها الإلكتروني عام 1997م كأول صحيفة سعودية تدشن نسختها الورقية إلكترونياً.. وفي مرحلة ثانية ظهرت على السطح ومن خلال شبكة الإنترنت (مواقع الصحف الإلكترونية – أون لاين) التي تعمل على مدار الساعة، ولكن دون نسخة ورقية، وهذه ضمن منتوجات الصحيفة التي أعمل فيها، كما هي في صحف سعودية أخرى.

* * *

وعن صناعة الإعلام الجديد وتطوراته في العصر الحديث برزت تسميات «الإعلام الجديد»، وظهرت تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي (تويتر، فيسبوك، تليجرام، سناب شات، وغيرها من التطبيقات الرقمية الكثيرة لأجهزة الجوال)، فيما تسيَّد المارد الجديد «تويتر» عرش الوسائل والتقنيات الحديثة لنشر المحتوى الصحفي، فأصبح تطبيق «تويتر» إعلاميًا نقطة الجذب الأولى إعلاميّاً في العالم، لسرعة بث وتلقي المحتوى الصحفي، ومساحة الحرية، حيث تعمل الصحف على زيادة المتابعين لها، وزيادة مستوى التفاعل مع محتواها، وبالتالي الحصول على حصص مناسبة من الإعلان، وهي الكعكة والمحرك الحقيقي لمستقبل الصحافة والإعلام بشكل عام.

* * *

هذا يعني أننا الآن أمام حالة متفردة لصناعة المحتوى، وتطوره في وسائل الإعلام كافة (مقروءة أو مشاهدة أو حتى مسموعة)، وستبقى هذه الوسائل مرتبطة بأهم أدوات العصر الحديث التي أصبحت في متناول كف اليد عبر تقنيات وتطبيقات (الهاتف الجوال). فالإعلام يتغير وفقاً للوسائل والسلوك، أما مسألة موت الصحافة الورقية، أو مواقع الصحافة الإلكترونية، أو القنوات التلفزيونية، أو الإذاعية، أو أي تطبيق إلكتروني خاص، فهو موت للأدوات، وليس موتًا للمحتوى أو المهنة.

* * *

على أن سرعة نقل الخبر والحصول عليه، لم يعد مصدرًا مهمًا لأي صحيفة كانت، ورقية أو حتى إلكترونية، لكون 99 % من مصادر الأخبار، سواء كانت تخص كيانات أو مسؤولين أو أفرادًا، أصبحت في المتناول من الحسابات الشخصية المباشرة، إذ تجد على سبيل المثال أن رئيس الولايات المتحدة ترامب أو نجم الكرة ميسي، يبثان أخبارهما وتصريحاتهما مباشرة عبر حسابهما الشخصي الموثق في تويتر للملأ أولاً، ومن ثم تتلقفه وسائل الإعلام لاحقاً، وهناك – بالمناسبة – مواقع إخبارية تسبق الصحف الإلكترونية في نشر أخبارها وصورها، بصرف النظر عن مصداقيتها، معتمدة فيما تنشره على سرعتها أكثر من أي وسيلة إعلامية أخرى، خاصة إذا كانت مثل هذه المواقع لا تلتزم بالمعايير الصحفية، ولا تعطي اهتمامًا للتثبُّت من صحة معلوماتها، متكئة على أن التشريعات والقوانين الملاحقة لم تفعَّل بعد؛ ربما لأن الأُطر القانونية ما زالت قدراتها محدودة أمام هذا الزخم الكبير والكثير من الصحف والمواقع الإلكترونية.

* * *

نحن إذاً أمام صيغة جديدة لإعلام المستقبل، عن طريق استخدام شبكة الإنترنت، حيث يتم نقل الصورة والخبر فوراً، ومتابعة موسعة لما يجري من أحداث على مدار الساعة، عبر أحد التطبيقات، وقد أصبح أمام كل شخص الفرصة الآن ليكون رئيس تحرير أو مراسلاً صحفياً، وهو ما يشير إليه مصطلح (صحافة المواطن) حيث لم يعد الشخص قارئاً مستقبلاً فقط، وإنما أصبح الآن بفضل هذه التقنية مرسلاً وصانع صحافة، بما يمكن القول معه: إن الشخص العادي أصبح له دور حيوي لا يمكن إغفاله أو تجاهله في صناعة المحتوى الإعلامي، وإغراء الآخرين للتفاعل معه، في عالم مفتوح، وفضاء واسع، ونقلة نوعية في صناعة الإعلام الجديد، وبما يفتح الطريق نحو آفاق إعلامية لا حدود ولا مكان ولا أزمنة محددة لها.

* * *

الإعلامي اليوم، غيره بالأمس، وغيره بما سيكون عليه غدًا، فنحن أمام حركة سريعة، لتخطي كل ما هو بين أيدينا الآن إلى ما سيكون عليه إعلامنا الجديد غدًا، فالتقنية هي من تحدد المسار، وترسم الطريق، وتصنع الرؤية القادمة للإعلام، ولسنا كإعلاميين سوى ممارسين لهذه التقنية، ومستفيدين منها في تطويع الإعلام الجديد للتواصل فيما بيننا، دون أن نرتهن إلى ما كان، فالنظر إعلاميًا يجب أن يكون للمستقبل، للجديد الذي سوف يجد، مع عدم التفريط بما كان، والاستفادة منه بقدر ما يخدم العمل الإعلامي الجديد، ويقويه، ويزيل عنه ما قد يرافقه من تشوهات.

* * *

ومع انطلاقة الإعلام الجديد بدءًا مع ظهور شبكة الإنترنت عام 1969م في أمريكا، وتوسعها في تقديم خدماتها ابتداءً من عام 1985م، وارتباط الإعلام الإلكتروني بها، وما تركته من أثر في تفعيل دور الإعلام في مواجهة المستجدات في العالم، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وغيرها، يمكننا القول: إننا الآن أمام مشهد إعلامي غير عادي، وأمام ظاهرة لم تحسب حتى النخب الإعلامية حسابًا لما وصلت إليه، وبما هي متجهة نحوه، وقد أظهرت التحولات التقنية المتسارعة أن الحكومات لن يكون بمقدورها في المستقبل التحكم في مفاصل الإعلام، ولن يكون الإعلام صناعة حكومات ومؤسسات وأحزاب، ولن يقتصر ممارسوه وصناعه على من يحصل على ترخيص من المسؤولين في دولهم، فالفضاء الإعلامي من الآن لن يرتبط بقيود، ولا بقوانين، ولا بمتابعة وإشراف، كما هو حال الإعلام التقليدي.

* * *

فقد خدمت أدوات التقنية الهائلة الصحافة الإلكترونية، فظهرت على السطح وسائل إعلام غير تقليدية، وغير محدودة العدد، وتتميز بتنوع خدماتها، بل أصبحنا أمام إعلام تفاعلي على مدار الساعة، مع انتشار واسع، وتشكيلة من الروابط، وشبكات من التواصل الاجتماعي، وملفات شخصية، ومواقع إلكترونية، ومدونات تسمح بأن يتنفس مستخدمها إعلاماً جديداً، بحضور باهٍ، ونشاط في التواصل غير محدود.. وهناك اجتذاب لجمهور غير قليل إلى محتوى شبكات التواصل الاجتماعية، مثل «الفيسبوك، السناب، تويتر، الانستغرام، اليوتيوب» وغيرها، بما أعطى وزناً وثقلاً لعالم افتراضي في «الإنترنت»، نسبة إلى تزايد المستخدمين في تصفح صفحات هذه الروابط، والتفاعل معها، بما يمكن النظر إليه، على أنه إعلام الجمهور إلى الجمهور، كما وصفه وشخَّصه بعض من يتعاطى ويتفاعل معه.

* * *

ومع الإعلام الجديد، وبخاصة إعلام «صحافة الموبايل» أصبح بإمكان الجميع أن يكونوا مصورين، وصحفيين، ومراسلين، وفنيين، باستخدام الأدوات، والوسائط، والتطبيقات، التي تطوعها لهم شبكة الإنترنت، وهذا ما جعل أكثرية من الجمهور يمارسون العمل الإعلامي الجديد بكل تخصصاته، متفاعلين مع الأحداث، والتطورات في العالم، عن طريق الأجهزة الذكية، والأجهزة اللوحية، وهو ما نراه الآن، ونلمسه في تعامل الأفراد مع الثورة التقنية الهائلة، التي أصبحت جزءاً من حياة الناس، مستفيدين من أهمّ ما يميز الإعلام الجديد، حيث السرعة، وامتلاك فرصة التجديد، والابتكار، والتطور، والارتباط بشبكة «الإنترنت»، في هذه البيئة الإعلامية غير التقليدية، حيث تسمح للجميع بممارسة الإعلام الجديد على نحو مختلف عما كان يتم في الصحافة الورقية، وبقية وسائل الإعلام التقليدية الأخرى، ودون أن تكون هناك حاجة إلى شروط ومتطلبات تخصصية كانت ضرورية في الخطاب الإعلامي التقليدي، ودون فرز للتأكد من سلامة المحتوى لغويًا، ومدى صحة المعلومات، وسلامة الطرح، وهي ضمن ما كانت تلتزم وتتمسك به الصحافة الورقية.

* * *

وإذا سلمنا بأن من يمارس الإعلام الجديد لم يأت إليه انطلاقًا من تخصص في مجاله، فإن هذا لا يعيبه، فالصحافة الورقية هي الأخرى اعتمدت في بدايات تأسيسها على عناصر غير متخصصة في الإعلام، ولكنها كانت عناصر تملك الموهبة، كما هي الآن صحافة الإعلام الجديد، حيث ظهرت مواهب قادرة على تطويع التقنية لخدمة نشاطها الإعلامي، وإن كانت صحافة الإعلام الجديد – ولا أعمم – ما زالت في طور التجديد والتصويب والتغيير، أحيانًا بسبب تواضع مستوى الإعلاميين المنتمين إليها، وأحيانًا أخرى بفعل عامل السرعة في تعامل الصحفيين مع التقنيات المستخدمة في صناعة الإعلام الجديد، ولا يمكن إغفال ما يراه الآخرون من أن من بين عيوب الصحافة الإلكترونية اعتمادها على فنيين لا على صحفيين، بخلاف الحال في الصحافة الورقية، بما يفسر أنه سبب ضعف المحتوى الإعلامي فيها، وارتباك اللغة التي يُكتب بها محتواها، واضطرارها من حين لآخر لإجراء التعديلات، وإلغاء بعض الأخبار، إما لركاكة الأسلوب، أو لعدم صحة الأخبار، وأحيانًا للهروب من المساءلة القانونية عما تنشره، ومع هذا، فإن هذه الصحافة قد سحرت الملايين من الجمهور؛ لتمتعها بما يغري لمتابعتها.

* * *

إذاً نحن أمام إعلام حر بامتياز وبكل المقاييس، حيث يملك كل متصفح القدرة على أن يتفاعل معه، ويشارك فيه، ويكون أحد صناعه، فشبكة الإنترنت متاحة للجميع، للإفصاح عن كل الآراء، دون قيود قانونية، وبأساليب جديدة، تعتمد على الاختصار، والمتابعة الفورية، والتعبير عنها بحسب ما يستجد من أحداث، وما زالت الفرصة واسعة للإعلام الجديد نحو مزيد من التجديد والتطوير والابتكار في عالم افتراضي لن يكتفي بما قدمته شبكة الإنترنت حتى الآن، فهناك عمل جاد ونوعي لابتكارات جديدة، لا نعرف لها نهاية، ولا نعتقد أن ما نراه الآن هو نهاية المطاف لمستقبل الإعلام؛ فهناك سباق محموم بين وسائل الإعلام الرقمي نفسها لكسب المتصفح والمشاهد وعدد المتابعين، بعد أن أتاحت التقنيات الجديدة الفرصة للجمهور ليكون أمامه عدد من الخيارات لمتابعة الأخبار، والوصول إلى المعلومات، بل والمشاركة في التفاعل، وصناعة الإعلام الجديد، سواء من جهاز الجوال، أو أي جهاز حاسوبي آخر، فالجميع أمامهم الفرصة ليكونوا إعلاميين.

والإعلام الجديد -وهو في طور التجديد والتصويب والتغيير أحياناً- تعيبه نشر الشائعات، وتفشي ظاهرة الأخطاء في كتابة النصوص، أحيانًا بالخطأ في استخدام لوحة المفاتيح، وأحيانًا أخرى بسبب جهل الصحفي الإلكتروني بالإملاء والنحو، وأحياناً بفعل عامل السرعة في التعامل مع التقنيات المستخدمة في صناعة الإعلام الجديد، بما جعل من بعض النصوص مليئة بالأخطاء، دون أن تجد من يقوم بتصحيحها، وهذا ما يلمسه المتصفح للصحف الإلكترونية وكذلك في المواقع والحسابات الخاصة، وسيكون من المتعذر إيجاد علاج لهذه المشكلة ما لم تعتمد الصحف الإلكترونية على مؤسسات وجهاز صحفي قادر ومتمكن، لا على اجتهادات فردية، ربما قاد أصحابها الحماس، وأحيانًا حب الظهور، لإنشاء مواقع لصحف إلكترونية، وفي هذا إفساد للذائقة، حين تختلط الفصحى بالعامية، أو حين يسود المحتوى ما يشوهه بكثرة الأخطاء التي أشرنا إلى بعضها.

* * *

ومنذ ظهور عصر الإنترنت وحتى وقتنا الحاضر فقد عولجت في الصحافة الرقمية الكثير من التحديات التي كانت الصحافة الورقية تواجهها، سواء معوقات التوزيع، أو حرية الرأي، أو في التكاليف المالية العالية التي تصاحب إصدار أي صحيفة ورقية، بينما أتاح الإعلام الرقمي خيارات عدة، وأنماطاً إعلامية مختلفة، في ظل سعة دائرة هذا الإعلام، وعدم ارتباطه بالمكان، أو خضوعه لسيطرة الدول، لكنه ما زال في طور التشكل لشخصيته؛ للتخلص من بعض السلبيات، وتنظيفه من بعض الممارسات العبثية، والحيلولة دون تشويهه بمحتوى يكون أحيانًا خارج السياق الإعلامي الصحيح.

* * *

وإذا كان يبلغ عدد سكان العالم 7.7 مليار نسمة، ويستخدم 4.39 مليار منهم الإنترنت، بينما يستخدم 5.11 مليار منهم الهواتف، فيما أن 3.48 مليار يستخدمون السوشال ميديا، و3.26 مليار يبلغ عدد من يستخدمون السوشال ميديا عبر الهواتف، فإن هذا يظهر لنا إلى أي مدى يتغير العالم بسرعة معتمدًا في حياته على التقنية ووسائل التواصل الإلكترونية، ما يعني أن الإعلام هو الآخر يتفاعل بسرعة، ويتأثر بقوة، ويستفيد من هذه التطورات في صناعة الإعلام الجديد، وهو ما أثر على الصحافة التقليدية، وجعلها تعاني من تراجع عدد متابعيها، وبالتالي انخفاض مستوى الإعلان فيها.

* * *

وكما أشرنا من قبل فنحن أمام إعلام رقمي بأدواته وتطبيقاته المختلفة، إعلام المواطن، أو الموبايل، أو البديل، دون وجود مقص للرقيب، أو حارس للبوابة، فهو إعلام يديره ويوجهه الجمهور بنفسه، بلا سلطة رسمية تتحكم فيه، لا كما هو الشأن في الإعلام التقليدي، من صحافة وتلفزيون وإذاعة، إنه إعلام تفاعلي، وسريع، وسهل في تصفحه، فضلاً عن إمكانية التعرف على محتوى الصحيفة الإلكترونية بسهولة، صحيح أن الإعلام الرقمي ما زال حديث العهد، وفي طور التجديد المستمر، متأثراً بتسارع الابتكارات والتقنيات، واستخدام الوسائط المتعددة، إلى جانب الثورة التقنية في مجال الاتصال، إلا أنه، تمكن من إيجاد متابعين ورواد كثيرين، وأصبح الجمهور مع هذه التقنية الهائلة شركاء في صناعة هذا النوع الجديد من الإعلام بحرية كاملة، ودون محظورات كانت تقيد حرية النشر في الصحافة الورقية.

* * *

لكن المؤكد أن العالم بدأ الآن يتجه إلى صحافة جديدة وإن كان ذلك بشكل محدود، هي صحافة الذكاء الاصطناعي، أي إننا أمام ظهور حقبة إعلامية جديدة نتيجة التطورات المتسارعة في التكنولوجيا العالمية، وتقنيات الثورة الصناعية الرابعة؛ إذ أوشك العالم على أن يودع صحافة المواطن مع انطلاق صحافة الذكاء الاصطناعي.

* * *

وهناك تقنيات جديدة لوسائل الإعلام قادمة، مثل إنترنت الأشياء، والواقع المعزز، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الطباعة ثلاثية الأبعاد والروبوت.. وسوف يكون لها تأثير كبير على صناعة الإعلام خلال العقدين القادمين؛ ما يجعل العمل الصحفي أو الإعلامي بشكل عام يُدار عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة على أكمل وجه «تحريريًّا وتسويقيًّا» وإدارياً، ودون تأثير «الإنسان» الذي سيصبح ظهوره شرفيًّا فقط، فضلاً عن التكاليف التي سوف تقل لأكثر من النصف؛ فصحافة الذكاء الاصطناعي لا تحتاج لكل تلك التكلفة، أو أطقم الكاميرات والمذيعين والمعدين؛ وهو ما يؤثر تأثيرًا إيجابيًّا في صناعة الإعلام، وتقليل تكلفته.

* * *

علماً أن الإعلام الرقمي تواجهه ضمن التحديات تفشي الجرائم الإلكترونية، ما جعل بعض المهتمين بمثل هذه الجرائم يطالبون بإيجاد قوانين صارمة تحد من هذه الجرائم، غير أن ما نراه أن أي قانون لن يكون قادرًا على الإحاطة والمتابعة بكل ما يصدر عن الإعلام الرقمي من تجاوزات، نسبة إلى ملايين المواقع والصحف والمدونات والحسابات الخاصة الإلكترونية، وعدم وجود ضوابط وشروط والتزامات وتراخيص لمن يزاولونها، غير أن هناك فرصة ما زالت قائمة بعد أن يأخذ الإعلام الرقمي حقَّه من الوقت للتعرُّف على السلبيات، بأن يتم وضع القوانين والتشريعات المناسبة للحد منها، وتخليص هذا الإعلام من هذه الممارسات التي تشوهه، أو تضفي عليه طابعًا غير حسن.

* * *

هذا ما يمكن قوله عن الصحافة الرقمية، فماذا عن الصحافة الورقية -أم الوسائل الإعلامية- وعن مستقبلها؟، هناك من يرى أن الصحافة الإلكترونية هي البديل للصحافة الورقية، مع أن الصحافة الرقمية لحداثة طرحها تواجه الكثير من التحديات والتهديد باحتمال انصراف المتابعين لها، بسبب انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وارتباط الجمهور بتطبيقاتها، وهو ما يعني أن استمرار متابعة الصحافة الإلكترونية لا يمكن له أن يتواصل بالزخم الحالي ما لم يتطور المحتوى الإعلامي فيها، وهذا يعني أهمية تأهيل الكوادر الصحفية القادرة على التأثير، وكسب المتابعين، وهي مسؤولية أقسام الإعلام في الجامعات التي تحتاج إلى غربلة في مناهجها وبين الأساتذة أنفسهم، لتواكب هذا التطوير السريع في صناعة الإعلام الرقمي.. فهناك حاجة لتعليم الأساليب والصّيغ الجديدة التي تقدم فيها الأخبار والمعلومات إلى الجمهور، فالعالم يتغير، والإعلام يتغير أيضًا، أقول هذا وأنا مؤمن بأن طباعة الصحافة الورقية قد تتوقف ذات يوم، لكن الصحافة المطبوعة لن تتوقف، فهي باقية سواء بشكلها الورقي التقليدي كنسخة P.D.F، أو من خلال تطبيق (أُون لاين)، أو من خلال خيارات وتطبيقات أخرى تستفيد فيه من التقنية العلمية الهائلة في وسائل الاتصال التي تتسارع، ويستفيد منها الإعلام بوسائله المختلفة، ما سوف يفتح الطريق أمام الإعلاميين للتجديد والابتكار في تقديم صحافة تناسب الحاضر، وتلبي رغبة الشباب من القراء والإعلاميين على حد سواء، ومع استمرار عيونهم على الصحافة المطبوعة.

* * *

ولقد صدرت تراخيص من وزارة الإعلام في المملكة لعدد من الصحف الإلكترونية، بلغ عددها 625 صحيفة في عام 2019م في مقابل 13 صحيفة ورقية، لكن عدد الصحف الإلكترونية التي تعمل فعلياً ولها نشاط دائم لا تزيد على 285 صحيفة تقريباً، فيما أن ما يقارب 340 صحيفة، تنقسم إلى ما هي قيد التجديد، أو ما تم إلغاء تراخيصها وعددها 170 صحيفة لعدم تمكنها من الاستجابة للتطورات التي طرأت على اللائحة التنفيذية للنشر الإلكتروني، حيث بدأت في عام 1432هـ، وتم تحديثها في عام 1435هـ، ثم في عام 1437هـ بهدف مواكبة كل ما يتعلق بالتطورات في الإعلام الجديد.

* * *

وطالما أن الصحافة الإلكترونية في مرحلة لا تزال فيها تتشكِّل ملامحها، أي أنها لم تتوقف بعد عن التطوير والتجديد، ومعالجة أوجه القصور، وهو ما يمكن فهمه وتفهمه؛ لكون الإعلام الرقمي يعتمد على نظم وبرمجيات اتصالات حديثة، ويحتاج إلى مزيد من الوقت للتكيف مع خدمات شبكة الإنترنت، والتحول من الصحافة الورقية إلى الصحافة الرقمية، مستفيدًا من تجربة الصحافة الورقية التي يبلغ عمرها أربعة قرون تقريبًا؛ فإن هذا ربما يعطي مهلة للصحافة الورقية كي تستمر في الصدور لفترة قادمة، بدليل أنه لم يتم الاتفاق حتى الآن على اسم واحد للصحافة الإلكترونية؛ فهناك مَن يراها صحافة رقمية، والبعض يطلق عليها الصحافة التفاعلية، وقائلٌ يقول إنها صحافة فورية، وغير ذلك من المسميات، وهو ما يعني أن مستقبل استمرار الصحافة الورقية سيظل حاضرًا في المشهد الإعلامي ربما لسنوات قادمة، ولكن استمرار حضورها سيعتمد على إعادة النظر في محتواها، وبما يتماشى مع الإعلام الرقمي؛ لسد الفجوة بينها وبين الإعلام غير التقليدي الذي يتميز بالسرعة الفورية في إيصال المعلومات، وسهولة النشر، وصناعته بأقل التكاليف، وقدرته على الوصول إلى المتلقي دون حواجز، مع تمتُّعه بالحرية، والمرونة في النشر، دون وجود مقص للرقيب، مدعومًا بتطبيقات الهاتف الجوال، ومؤثرًا بمحتواه في المتصفح والمتابع بصريًّا وسمعيًّا من خلال الفيديو والصوت.

* * *

ومن الخطأ القول: إن الصحافة الورقية قد ماتت؛ فيما لا توجد دولة واحدة في العالم بلا صحافة ورقية حتى الآن، حيث لا تزال الصحافة الورقية مرجعًا ومصدرًا موثوقًا، بأخبارها، وتغطياتها، ومعلوماتها، وستظل موجودة ومؤثرة طالما بقيت بمكوناتها وموثوقيتها في متناول قُرائها، سيما وهي تمتلك القدرة في الوقت الحاضر على التعايش مع مراحل التحول الإلكتروني، ضمن وسائل الإعلام الإلكتروني بتطبيقاته الرقمية كافة.

* * *

ومعلوم أن معظم الصحف الورقية على مستوى العالم تصدر بكامل محتواها عبر مواقعها الرسمية على الإنترنت، سواء من خلال نسخة إلكترونية (أون لاين) وتحمل اسم الصحيفة نفسها وتنشر النصوص والصور بتصميم مختلف، أو من خلال نسخة مطابقة للصحيفة الورقية بصيغة رقمية (P.D.F)، وكذلك عبر إصدارات أخرى في وسائل التواصل الاجتماعي كـ(تويتر، سناب شات) وغيرهما؛ وهو ما يعني أن هناك تكاملاً لا تنافسًا أو تعارُضاً بين الصحافة التقليدية والصحافة الإلكترونية.

* * *

وإذا كانت النسخة الورقية قد تحولت بشكل كامل كنسخة إلكترونية، فهذا يعني أن وهجها باقٍ، وأن تأثيرها مستمر، وأن لا خوف عليها، خصوصاً إذا ما تعاملت مع المستجدات الإلكترونية ضمن رؤية صحيحة، بما يبقيها حية لفترة قادمة ليست قليلة، خاصة حين تتوجه نحو البحث عن مصادر تمويل أخرى، بما يمكنها من المحافظة على المستوى التنافسي مع الصحافة الرقمية، ولا يجعلها معرضة للخطر، كما هي الصحافة الإلكترونية التي تعاني من شح الإعلانات في ظل استحواذ قوقل وفيس بوك وغيرهما على سوق الإعلان، الذي بدون التدفق الإعلاني لن يكون مستقبل الصحافة الإلكترونية مطمئنًا، مثلها في ذلك مثل الصحف الورقية.

* * *

صحيح أن رد الفعل من المسؤولين عن الصحافة الورقية جاء متأخراً، وأن التفاعل مع موجة الإعلام الرقمي كان بطيئاً، وصحيح أن أحداً من القائمين على الصحف الورقية لم يكن يتوقع هذه السرعة التي تم بها كل هذا التغيير، وكان في أغلبه خارج قدرة الصحافة الورقية على المقاومة دون وجود مصادر كافية تعتمد عليها في تغطية النقص الحاد في مواردها، بسبب تراجع بيع المساحات المتاحة للإعلانات، إلا أن فرصتها في الثبات والمقاومة لم تنته بعد، وخصوصاً حين تلجأ إلى الاستثمار في مجالات أخرى تعطي عائداً ماليًا للإنفاق منه على ما يخدم استمرار الصحافة الورقية، ويبقيها ضمن التكامل مع الصحافة الرقمية، لاسيما إذا ما تم توسيع نشاط المؤسسات الصحفية، ليكون لها وجود في النشاطين سواء كان لهذا النشاط أصل مطبوع، أو ورقي، أو كان الأصل صحيفة إلكترونية، أو أيّ تطبيق استثماري خاص في نفس التخصص.

* * *

إن امتصاص الأزمة المالية التي تعاني منها الصحف الورقية، ومعالجة تراجع الإيرادات من الإعلان فيها، والبحث عن وسيلة أو وسائل للهروب من تداعيات هذه الأزمة، يحتاج إلى جهد وعمل، وإلى دراسات وتخطيط، يتوصل فيه المعنيون بالأزمة إلى نتائج فقرارات تنقذ هذا النوع من الصحف من الأزمات، فلم يعد الأمر أن الصحافة الإلكترونية هي من يهدد بقاء الصحافة الورقية، وإنما الذي يثير الخوف أن صناعة الصحافة الورقية لم تفلت حتى من تهديد تطبيقات إلكترونية كثيرة أصبحت أكثر متابعة ومتعة من الصحف الإلكترونية والورقية على حد سواء، وكل هذا يجعل الصحف الورقية غير آمنة إذا ما ظل التعامل مع التحديات التي تواجهها يتم دون النظر إلى ما يمكن أن تفرزه التطورات التقنية، وثورة الاتصالات في المستقبل من مستجدات تتجاوز ما هو ماثل بيننا الآن.

* * *

إذًا لا بد من خارطة طريق، ترسم مستقبل الصحافة القديمة والجديدة معًا؛ حتى لا تغرق الصحف الإلكترونية هي الأخرى بالتحديات التي قد تعيق انطلاقتها من جهة، وحتى تجد الصحافة الورقية من جهتها مخرجًا يعالج أوضاعها التي تعاني منها. وخارطة الطريق هذه يفترض فيها أن توفر ما يغري الجمهور على متابعة الصحف الإلكترونية والورقية، وهذا لن يتحقق ما لم يتم إعادة النظر في صناعة الصحافة، قديمها وحديثها، من حيث تأهيل الكوادر الصحفية والفنية، وتحسين المحتوى، والالتزام بالمصداقية، والقيم المهنية في المضمون، وتطويع الإمكانات التقنية الهائلة في تقديم: الصورة والرسم، والخبر، والمقال، بما يرضي الجمهور، وإعطاء الصحف الورقية مساحة حرية أوسع في النشر، وغير ذلك مما يغري الجمهور لمتابعتها.

* * *

نحن كما أسلفنا من قبل مع مَن يرى أهمية أن يكون هناك توازن بين الرقمي والمطبوع، وأن يكونا مكملَين لبعضهما، خاصة أن الإعلانات في المطبوع يمكن أن تكون مكملة أو مكررة للإعلانات في الرقمي بالتزامن؛ فربما ساعد ذلك على عدم اختفاء الصحافة الورقية على الأقل في الزمن القريب، خاصة في ظل الانطباع بأن الصحافة الرقمية هي صحافة بلا موثوقية، ومن دون مصداقية في كثير من مواد المحتوى الذي تقدمه للمفتونين بها، وفي المقابل يجب أن نتذكر دائمًا أنه بقدر ما في الصحافة الورقية من سلبيات لا يمكن إغفالها، فإن الصحافة الإلكترونية لا تخلو من ذلك أيضًا.

* * *

فهل هناك إمكانية وفرصة لأن يتجه الإعلام المطبوع إلى إنشاء صيغة من التكامل مع الإعلام الرقمي، بدلاً من التفكير المنصبّ على أن الإعلام الرقمي هو البديل للإعلام الورقي في زمن الإنترنت؟ هذا ما يشغل بال المهتمين، ويحاولون من خلال المؤتمرات والدراسات البحث عن إمكانية لتحقيق ذلك، مع الاهتمام بمسألة توفير إيرادات مالية دون الاعتماد فقط على منتوج الصحافة التقليدية؛ بوصفها ممولاً وحيدًا لاستمرارها ولو لسنوات قادمة، فيطرحون مثلاً ضمن اقتراحات كثيرة تصوُّرهم لمعالجة التحديات من خلال فكرة (النشر العكسي)، والمقصود به أن يكون المحتوى الرقمي عبر الإنترنت أولاً، ثم يعيدون نشره بعد ذلك بشكل مطبوع، وليس العكس.

* * *

وإذا كان المقصود بالإعلام التقليدي الصحافة الورقية والإذاعة والتلفزيون، فإن هناك من يرى بأنه لا خوف عليها متى طوَّرت محتواها بما يتلاءم مع ثورة الذكاء الاصطناعي؛ للإبقاء على المتلقي متابعًا لها، والحد من انصراف الجمهور عن متابعتها، في ظل التحديات التي تمرُّ بها وسائل الإعلام التقليدية، وهي كبيرة، وصعوبة التغلب عليها مع تنامي التطورات التقنية المتسارعة بما قد لا يكون ممكنًا دون أن يتم التعامل معها بواقعية، وعدم إغفال ما يشكِّله الإعلام الرقمي من خطورة عليها في عصر الثورة التكنولوجية، وارتباط الجيل الجديد من الشباب وولعه بكل ما هو جديد، خاصة مع قدرته على استخدام التقنيات بكفاءة عالية.

* * *

وإذا كان إعلام التواصل الاجتماعي بمواصفاته وتطبيقاته المتعددة قد شكَّل تهديداً للصحافة الإلكترونية للفوارق في المنافسة لصالح الأولى، فإنه من الطبيعي أن تكون المنافسة بين الصحافة الورقية والصحافة الإلكترونية لصالح الأخيرة، ونبني هذا الرأي من خلال العيوب والتميز لكل صحيفة أو تطبيق من هذه الوسائل الإعلامية، وقد أشرنا إلى كثير منها، غير أن ما يمكن إضافته أن هناك مبالغة كبيرة في وصف الصحافة الورقية بالقول: إنها في ساعتها الأخيرة، وأنها أصبحت من الماضي، وأن شمسها غربت أو كادت، وأنها إلى أفول وانقراض، والقول: إنها تحتضر، وأنه تم سحب البساط منها، وأنها في حالة موت سريري، وقد أصيبت في مقتل، وتمر بمرحلة الشيخوخة، ومكانها المناسب في إحدى المتاحف التاريخية، وهكذا من الأوصاف، بما قد لا يكون هذا التوصيف دقيقًا، نسبة إلى استمرار كثير من الصحف الكبرى في العالم بالصدور ورقياً إلى جانب نسخها الإلكترونية.

* * *

ولا بأس أن أشير هنا إلى جهد يُبذل في مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر التي أنتمي للعمل فيها، وتصدر عنها صحيفة الجزيرة اليومية التي أرأس تحريرها. وهو جهد متواضع بالقياس إلى ما يجري في دول العالم المتقدمة، ولكنه مهم. وعليّ أن أضعكم في صورة بعض ما يجري دون مبالغة أو ادعاء. ففي الجزيرة هناك جهاز يضم عددًا من الإعلاميين والإعلاميات وفنيين يعملون جميعًا في تقديم عمل، أزعم بأنه يرتقي إلى مستويات جيدة في مجال تقنية المعلومات؛ وبالتالي في مجال الصحافة الإلكترونية.

* * *

وتفعيلاً لتوجُّهات وتفاعلات مؤسسة الجزيرة في ذلك، فإلى جانب موقع صحيفة الجزيرة (دوت كوم)، وهو أول موقع إلكتروني في الصحافة السعودية، هناك الجزيرة (أون لاين)، وأرشيف الجزيرة الإلكتروني، وغيرها، حيث يتابعها أكثر من مليون متابع من خلال (حساب الجزيرة) الرسمي في تويتر، وهي تُعنى بمخاطبة عقل القارئ قبل عاطفته على مدار ساعات اليوم في اهتمامات وتخصصات مختلفة؛ إذ يتاح للقارئ خيارات عدة؛ لينتقي منها ما يتواءم مع اهتماماته.

* * *

وفي تفاصيل أكثر، فقد جاء إنشاء صحيفة الجزيرة موقعها الخاص (دوت كوم) على شبكة الإنترنت منذ عام 1997م؛ لتكون بذلك أول صحيفة سعودية تنشئ موقعًا لها؛ وذلك لتمكين القراء من الاطلاع على الأخبار المحلية والدولية، وأخبار الرياضة والمال والأعمال وغيرها. كما يتيح الموقع للقراء تفاعلهم مع ما يُنشر بالموقع من خلال التعليق أو التصويب. كما يرصد الموقع مقالات كتّاب الصحيفة على نحو أرشيفي عبر سنوات عدة؛ وذلك لحفظ إنتاجهم الفكري، وجعله في متناول زوار الموقع؛ إذ يمكّن لمن يرغب البحث عن أي مقال بطرق سهلة ومتعددة بواسطة اسم الكاتب أو عنوان المقال.

* * *

وهناك مبادرات أخرى مبكرة لصحيفة الجزيرة في إنشاء أرشيفها الإلكتروني لذاكرة ستين عامًا مضت في نصف مليون صفحة، حيث يضم كامل أعداد صحيفة الجزيرة الورقية منذ أول عدد صدر عنها وحتى الآن، وبه محرك بحث، يمكّن زوار الموقع من الوصول بسهولة ودقة إلى جميع ما نُشر ويُنشر في الصحيفة منذ إنشائها، على مدى أكثر من نصف قرن، مع الاستمرار في ذلك.

* * *

وضمن سلسلة الاهتمام بالنشر الآلي، فقد انطلقت في وقت مبكر (صحيفة الجزيرة أون لاين الإلكترونية) وهو موقع مستقل عن موقع الجزيرة (دوت كوم) بوصفها صحيفة إلكترونية إخبارية شاملة في تغطية الأحداث على مدار الساعة، وفق القواعد المهنية لرسالة الصحافة. ويتميز طرح الصحيفة باحتوائه على أطياف الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، ويُدار برؤية وعناصر شبابية، تعطى مساحة كافية للمشاركة والتعبير بالرأي الحر ضمن الموضوعية في الطرح، والالتزام باحترام الرأي والرأي الآخر.

* * *

وضمن تجارب ومبادرات سابقة لمؤسسة الجزيرة كان إصدارها (صحيفة الجزيرة بلس) المتوافق مع آي باد والأجهزة اللوحية الأخرى والويب أيضًا، والهواتف الذكية. وكان قد تم تدشين هذا الإصدار تحت شعار (ليس من قرأ كمن سمع وشاهد). وهو منتج كان يجمع بين الصحيفة المطبوعة والإمكانات الفنية بعد غزو الأجهزة الذكية، مثل الآي باد وغيره من الأجهزة اللوحية الأخرى. وكان يتميّز هذا الإصدار بمحافظته على شكل العدد اليومي للصحيفة، مع تقديمه محتوى تفاعليًّا، غنيًّا بلقطات الفيديو والرسومات الحية والإعلان.

* * *

واستمرارًا لتطويع التقنيات الجديدة لخدمة العمل الصحفي، كانت لصحيفة الجزيرة تجربة سابقة قدَّمت خلالها خدمة الجزيرة «سناب»، وهي إحدى تقنيات الواقع الافتراضي التي تقدم خدمات تفاعلية من خلال الوسائط المتعددة (الفيديو والصوت والصور المتحركة وصفحات الإنترنت) باستخدام أجهزة الهواتف الذكية، أو الأجهزة اللوحية، وربطها بالصحيفة الورقية، وذلك عبر مسح المادة الصحفية، أو الإعلان بواسطة كاميرا الجوال، وتحويله إلى وسائط متعددة.

* * *

ومن نشاط مؤسسة الجزيرة سابقًا إطلاق تطبيقات خاصة بها على تويتر وفيس بوك وجوجل بلس وغيرها. والهدف من ذلك كان الوصول إلى القراء والمتابعين في كل مكان من العالم، وجعل المحتوى الخاص بمنتجات الجزيرة متاحًا وميسرًا عبر هذه الوسائل؛ إذ يتم بسهولة تصفح ومشاركة وتفاعل القراء مع هذا المنتج أو ذاك. وهناك مواقع أخرى لـ»الجزيرة» كانت سابقاً على الإنترنت، من بينها موقع عقاراتكم، وموقع سياراتكم، والموقع النسائي (روج) الذي يهتم بشؤون المرأة.

* * *

وإلى جانب كل هذا فقد أنشأت «الجزيرة» في التسعينيات الميلادية نواة لبث ثقافة الإنترنت وسط المجتمع السعودي، وسعت للتعريف بهذه الخدمة قبل دخول خدمات الإنترنت للمملكة، وذلك من خلال إنشاء شبكة إنترنت الجزيرة، وكانت تبث عليها جميع محتويات موقعها على الإنترنت، إضافة إلى بعض البرامج التثقيفية والتعليمية، وأتاحت الوصول إليها من خلال خطوط الهاتف (DIAL UP)، وتزامن ذلك مع نجاح الجزيرة كعامل تثقيفي في هذا المجال من خلال تبني نشر الصفحات المتخصصة عن الإعلام الجديد في الصحيفة الورقية (صفحة عصر المعلوماتية اليومية، وصفحة القرية الإلكترونية)، وتوّج ذلك بإصدار مجلة ورقية هي الوحيدة من نوعها المتخصصة في منطقة الخليج بالإعلام الرقمي، هي مجلة (الاتصالات والعالم الرقمي).

* * *

كما توجت صحيفة الجزيرة هذه المبادرات، بحصولها على ترخيص مزود خدمات إنترنت ISP للجمهور، حيث ساهم في حينه بتمكين الجهات الحكومية والمؤسسات والشركات في المملكة من استخدام شبكة الإنترنت لأول مرة عام 1999م، ومكّنها هذا التوجه من امتلاك خبرات تراكمية. ونتج عن هذه التجربة بناء بيت معلوماتي، وخبرة تقنية لدى فريق صحيفة الجزيرة، أهّلته لتقديم العديد من الحلول، والمشاركة في العديد من الفعاليات التقنية، كان من أهمها إيجاد متصفح الجزيرة الذي أتيح في وقت مبكر لحل مشكلات التعريب، واستمر يؤدي عمله إلى أن ظهرت حلول تقنية للتغلب على عرض النصوص باللغة العربية.